عدن.. إرهاصات التوجه للحسم   
الجمعة 13/4/1437 هـ - الموافق 22/1/2016 م (آخر تحديث) الساعة 14:39 (مكة المكرمة)، 11:39 (غرينتش)
أيمن نبيل

بوتيرة ثابتة طوال ما يقارب نصف عام، لا يزال الاختلال الأمني وتمظهراته من تقطعات واغتيالات مستمرا ومتصاعدا في محافظة عدن، والتطورات الأخيرة في المدينة تدفعنا لتحليل جذور الاختلال الأمني، وتوقع مستقبل المحافظة إذا قررت الحكومة اليمنية التعامل بحسم معه.  

عند الحديث عن عدن يجب استحضار أن الرئيس عبد ربه منصور هادي قد أعلنها في السابع من مارس/آذار 2015 عاصمة مؤقتة، وبالتالي فالنقاش حول عدن هو بالضرورة نقاش منضو تحت عنوان بناء الدولة.

منذ طرد قوات التحالف والمقاومة قوات صالح والحركة الحوثية من عدن في يوليو/تموز الماضي، تبنت الحكومة اليمنية فهما مشوها للاستقرار، وهذا الفهم  كان الخطأ الأكبر في إدارة شؤون المحافظة.

التحاصص والتوزيعات لا ينجحان في تثبيت الأمن إلا حين تتواجد قوة بإمكانها ممارسة العنف الطاحن، وعليه فلا استقرار بمحاصصات من غير وجود سلطة عليا تحت ظلها قوى أخرى

استقرار الدولة يعني توزيع الأوزان والقوى، ولكن  الأهم هو أن هذا التوزيع يتم على أسس مواطنية وسياسية مع المقدرة على التحكم في الوضع الأمني. الرئيس هادي وحكومته فهمت توزيع القوى بمعنى المحاصصة على قوى بعينها و"التغاضي" عن قوى بعينها أيضا، والخطأ هنا يتكون في شقين:

الأول هو أن المحاصصة من غير قوة عليا تعني اللادولة، فالتحاصص والتوزيعات  سواء في  الدول الديمقراطية أو الديكتاتورية الفاسدة لا ينجحان في تثبيت الأمن إلا حين تتواجد قوة دولة بإمكانها ممارسة العنف الطاحن، وعليه فلا استقرار بمحاصصات وتعيينات من غير وجود سلطة عليا تتحرك و"تتشاكس" تحت ظلها قوى أخرى.

الثاني أن المحاصصة حين تكون بين قوى مسلحة متناقضة على مستويات الأهداف و"التكنيك" والبنية، لا يمكن أن تترجم ذاتها إلا لفكرة "الإقطاعيات" بمعناها الاقتسامي، ويستحيل إرضاء كل الأطراف المتناقضة بنيويا لتأسيس استقرار في مثل هذه الحالة؛ التوافقات في مثل هذه الحالات تكون بالضرورة على حساب الفكرة الوظيفية الأولية للدولة، وتنتج حالة "هدنة" حذرة.

 بالإضافة  إلى هذا الوضع، هناك تشعبات إضافية تعيق تحركات بناء الدولة في عدن، أهمها أن مقاربات الدول الخليجية الحليفة للرئيس هادي متباينة، وهذا يترجم ذاته بعد ذلك إلى شلل في أي تحرك من قبل هادي ذي الإمكانات الشخصية المتواضعة في الأساس، وهناك أيضا الواقع الجديد الذي فرضته الحرب، فليست كل المليشيات الموجودة في عدن تابعة للحركات الجهادية الأصولية، بل هناك أيضا مجاميع مسلحة بخلفيات سياسية ومناطقية شاركت في مقاومة قوات صالح والحركة الحوثية طوال شهور.

 وهذا الرصيد يتم استغلاله -كما يحدث عادة في أغلب حالات الحروب الأهلية- في فرض امتيازات لقيادات هذه المجاميع والرغبة في اقتطاع نصيب من السلطة دون أي أساس من الكفاءة، والتركيز فقط على استناد هذه المطالبات بالسلطة أو بجزء منها إلى "شرعية" المقاومة، ونتيجة خروج بعض هذه المجاميع المسلحة من أحياء المدينة ومجتمعها المحلي، فإن مواجهتها تتطلب قدرا كبيرا من الحذر واستنفاد كل الخيارات السلمية.   

بالإضافة إلى ذلك، هناك مسألة مهمة يجب التنبه لها عند مناقشة حالة عدن الآن، وكل الحالات المشابهة التي ستطفو على السطح بعد تحرير المناطق الواقعة تحت سيطرة حلف صالح/الحركة الحوثية، وهي مسألة جهاز الدولة.

 علي عبد الله صالح حكم اليمن 33 عاما، واستطاع في فترة حكمه تجذير الولاء له في جهاز الدولة عبر آليات متشابكة، ومن الكارثية بمكان اعتبار ضمان ولاء جهاز الدولة  نتيجة آلية لتحرير أي منطقة من قبضة قوات صالح، فهذا وهم كبير، ويدل على عدم فهم لطبيعة آليات البيروقراطية وعلاقتها بالنظام، وقد كان أهم درس في هذا الشأن هو زيارة الرئيس هادي الأولى لعدن بعد تحريرها، حيث شهدت المدينة انطفاءات متكررة للكهرباء، رغم أن هناك تقارير من جهات مختصة كانت تفيد بأنه لا مبرر تقنيا لهذه الانطفاءات.

وكما فعلت كل الأنظمة العربية في مرحلة ما بعد الاستعمار، قام نظام علي صالح بربط المجتمع بالنظام عبر حزب المؤتمر الشعبي العام، ومن الثابت أن أغلب الوجاهات الاجتماعية في الأرياف والشخصيات الاعتبارية في الأحياء السكنية في المدن تنتمي لهذا الحزب الذي يرأسه علي صالح، بل وأحيانا الشخصيات الأكاديمية في المؤسسات الجامعية، وهذا جعل شبكة المصالح والانتفاع تتمدد رأسيا ليس في جهاز الدولة فحسب، بل وفي المجتمعات المحلية أيضا، وهذا تحد كبير يواجه الحكومة في عدن، فتفكيك أو تحييد هذه الشبكات المعقدة من المصالح يحتاج إلى تسويق مشروع وطني بإمكانه -من خلال اقتناع المجتمع به- الضغط على هذه الطبقة الاجتماعية المرتبطة بالرئيس المخلوع علي صالح، وليس التركيز فقط على كسب ولائها عبر الابقاء عليها وعدم المساس بها.

الصراعات المناطقية/السياسية بخلفية تاريخية منذ جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي جعلت الرئيس هادي مجرد "لاعب" في ما بات يعرف "بالقضية الجنوبية"، إلى جوار لاعبين آخرين

تتبدى أهمية مسألة جهاز الدولة في إرساء الأمن في مدينة عدن من خلال عمليات الاغتيال المستمرة التي شهدتها المحافظة، وذلك من جانبي الأهداف وملابسات العمليات، فمن حيث الأهداف لم يكن المستهدفون شخصيات عسكرية في الجيش فقط، بل شملت عمليات الاغتيال قضاة ومسؤولين في المجالس المحلية، وبالربط بين هذه العمليات وعمليات الاغتيال المتعددة طوال الفترة الانتقالية منذ وصول منصور هادي إلى الرئاسة في فبراير/شباط 2012، يبدو جليا أن الهدف منها ليس فقط إحداث القلق وإثبات عجز الحكومة في ضبط الأمن، بل منع تشكل أي عمليات إحلال وإصلاح في جهاز الدولة، والإبقاء عليه كما هو من غير أي تغييرات كبرى في بنيته الداخلية في الشرائح الوسطى والدنيا منه.

ومن حيث الملابسات، فتنبئ عمليات الاغتيال التي استهدفت مسؤولين كبارا أن هناك اختراقا كبيرا على كل المستويات في الأجهزة التابعة للحكومة، فقد اغتيل محافظ عدن جعفر محمد سعد في السادس من ديسمبر/كانون الأول الماضي عبر تفجير سيارة ظلت مركونة في انتظار مرور موكبه، وهذا يعني أن خط سير المسؤول الأهم في المحافظة وفي ظل أوضاع الحرب كان معروفا بدقة.

وبعد يومين فقط من الاشتباكات التي حدثت بين قوات الأمن والمليشيات في منطقة المعلا في الثالث من يناير/كانون الثاني الجاري، تمت محاولة اغتيال محافظي عدن ولحج ومدير شرطة عدن عبر سيارة اعترضت موكبهم، وهذه السرعة في الرد -وبهذا المستوى من الدقة في معرفة تحركات المسؤولين- تعطي إشارة إلى مدى الانكشاف الذي تعانيه الأجهزة التابعة للحكومة، وضرورة تجاوز هذا الإشكال بسرعة.

بالإضافة إلى العوامل المباشرة المسببة للاختلال الأمني، هناك أيضا إشكالات تاريخية مكنتها الحرب من الانفجار والظهور، منها مثلا الصراعات المناطقية/السياسية بخلفية تاريخية منذ جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وهذه الإشكالات جعلت الرئيس هادي مجرد "لاعب" في ما بات يعرف "بالقضية الجنوبية"، إلى جوار لاعبين آخرين.

ومما يزيد الأمر صعوبة أن الرئيس هادي كان طرفا في الصراعات السياسية المشار إليها آنفا، ولا يبدو أن قوى التحالف تكرس الرئيس هادي وحكومته طرفا وحيدا يحتكر الخطاب في الشأن اليمني بحيث يتم تجاوز الإشكالات التاريخية وترسيخ واقع مختلف، فقد شهدت كثير من العواصم والمدن الخليجية زيارات من مسؤولين وقياديين في حركات سياسية ومليشياوية يمنية -تؤيد الحكومة لفظيا- من غير إدراك لحساسية ممارسات كهذه على الوضع في اليمن عامة والمناطق التي تقع تحت سيطرة الحكومة اليمنية خاصة، والرسائل غير المباشرة التي تصل للمجتمع وللقوى السياسية المختلفة.

 على ضوء هذه التحليل يبدو جليا أن عدن كعاصمة مؤقتة تجابه تحديين رئيسيين:

السيطرة على جهاز الدولة، وسيطرة الأجهزة الأمنية على المدينة، وهذا يعني تاليا أن الذهاب للحسم بات ضرورة واقعية، فقد أثبتت التجربة منذ يوليو/تموز الماضي أن حالة المحاصصة في المناصب العليا والإبقاء على بنية جهاز الدولة من دون تغييرات تدريجية جذرية من جهة، والتسليم بخريطة المليشيات في المدينة من جهة أخرى، لا تضمن الاستقرار بل تهدده وتقوضه، وما حصل في الثالث من يناير/كانون الأول الجاري من اشتباك بين أجهزة الأمن والمليشيات في منطقة "المعلا" هو التعبير الأوضح عن إدراك قيادة المحافظة ضرورة الذهاب إلى خيارات حاسمة لضمان أمنها.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن محاولات احتكار العنف من قبل أجهزة الدولة في حالات انتشار السلاح والمليشيات المقاتلة كالتي تعيشها عدن، هي محاولات محفوفة بمخاطر الانزلاق إلى احتراب أهلي إذا لم تقم قوات التحالف بدعم الحكومة سياسيا وتكريسها طرفا يحصر الخطاب في الشأن اليمني معه، ودعم الأجهزة الأمنية بالعتاد بحيث تصبح سلطة عليا تتفوق في إمكانات استخدام العنف.

 اللحظة الراهنة في محافظة عدن مفصلية، فهي حاليا تمثل في الوعي العام اليمني "النموذج" المستقبلي لكل المناطق اليمنية بعد طرد قوات صالح والحركة الحوثية منها

أما معركة جهاز الدولة، فهي تحتاج رؤية متبصرة، ذلك أن التغييرات المطلوبة يجب أن تستهدف الشرائح الوسطى والدنيا منه، وعملية كهذه تستلزم وقتا طويلا نسبيا، ورؤية واضحة للمستقبل، بحيث تؤسس على مشروع وطني لبناء دولة وليس على أساس تصفية حسابات سياسية يختلط فيها الشخصي بالعام.

اللحظة الراهنة في محافظة عدن مفصلية، فهي حاليا تمثل في الوعي العام اليمني "النموذج" المستقبلي لكل المناطق اليمنية بعد طرد قوات صالح والحركة الحوثية منها، ولهذا ترتكز دعاية حلف الحركة الحوثية وصالح على التذكير الدائم باختلال الوضع الأمني في عدن وفشل الحكومة في بسط سيطرتها عليها، ويزيد من حساسية هذه اللحظة أن قوات صالح والحوثيين لا تزال قريبة نسبيا من عدن، بل ولا تزال قادرة على شن هجمات مضادة على مناطق جنوبية كما حدث في الثالث من يناير/كانون الثاني الحالي في محافظة لحج (شمالي عدن)، بالإضافة إلى محاصرتها مدينة تعز (جنوب البلاد).

ويبدو جليا من خلال سياق الأحداث أن سيطرة أجهزة الأمن على المحافظة أضحت أمرا لا مفر منه لضمان الاستقرار، وكل التخوفات تكمن في مآلات الحسم الأمني؛ ففي ظل غياب الدعم السياسي والدعم بالعتاد للأجهزة الأمنية الموالية للرئيس هادي، ستكون مآلات الذهاب إلى الحسم احترابا أهليا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة