جزيرة ليلى.. الأزمة وآثارها على العلاقات المغربية الإسبانية   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

بقلم: مصطفى الخلفي*

- أبعاد أزمة جزيرة ليلى وخلفياتها
- دروس الأزمة مغربيا وإسبانيا
- التسوية الأميركية للنزاع والانعكاس على مستقبل العلاقات

منذ اندلاع أزمة جزيرة تورة المغربية (المشهورة باسم جزيرة ليلى) في 11 تموز/ يوليو الماضي وإلى غاية انتهائها المؤقت في 22 من الشهر نفسه، والتساؤلات تتوالى حول أسباب إقدام المغرب على خطوة إقامة مركز مراقبة أمني بالجزيرة ودلالات رد الفعل الإسباني الحاد الذي هدد بدفع المنطقة نحو هاوية اللااستقرار وخلفيات الاصطفاف الأوروبي خلف إسبانيا، وهل حقا تمت تسوية الأزمة؟ ولماذا انتهت بالسرعة التي اندلعت بها؟ وهل يقدم الحل الأميركي إطارا ناجحا لإخراج العلاقات المغربية الإسبانية المتأزمة منذ خريف السنة الماضية؟

دخلت علاقات البلدين منعطفا جديدا بعد أزمة الجزيرة، وستطال آثارها مختلف المستويات كما سيحكم مستقبلها بشكل كبير، ذلك أن المعالجة المؤقتة للأزمة فتحت معها ملفات العلاقات المغربية الإسبانية بتعقيداتها و إشكالاتها، وهي ملفات يصعب في ظل مخلفات الأزمة توقع تسويتها، وهو ما ظهرت بوادره في الأسبوع التالي لتوقيع الاتفاق عندما صدرت تصريحات إسبانية مستفزة للمغرب واستمرار الانتهاكات الإسبانية للمجالين الجوي والبحري المغربيين.

أبعاد أزمة جزيرة ليلى وخلفياتها

وزيرة الخارجية الإسبانية ونظيرها المغربي
أكدت أزمة الجزيرة أن توتر العلاقات المغربية الإسبانية ليس مسألة سطحية عابرة وعادية، وإنما إنها تمتد في جذور التاريخ لتكشف عن مجموعة من الأبعاد المعقدة توجه صانع القرار الإستراتيجي الإسباني في تعاطيه مع المغرب. وتتمثل هذه الأبعاد في أربعة عناصر:

1- البعد الإستراتيجي التاريخي:
ويتمثل في اعتبار إسبانيا المغرب عدوا إستراتيجيا يحتمل أن تتكرر معه حروب الأندلس وما تلاها منذ أزيد من 13 قرنا. وانضافت إلى عقدة الأندلس عقدة الصحراء الغربية عندما تمكن المغرب من استغلال ظرف حالة الاحتضار التي كان يعرفها الدكتاتور الإسباني فرانكو عام 1974 وقام بتنظيم مسيرة لاسترجاع الصحراء. وكلتا العقدتين تحكم الراهن الإسباني في تعاطيه مع تطورات الشأن المغربي، وهو ما يؤدي إلى جعل المغرب أحد النقاط المركزية في العقيدة الإستراتيجية الإسبانية.

يبرز هذا بوضوح على صعيد التكثيف المستمر للوجود العسكري الإسباني في المدينتين المحتلتين أو في الجزر المحتلة، إذ حسب التقديرات المعلنة فإن إسبانيا تحافظ على وجود دائم لخمس فرقاطات بحرية ثلاث منها تزن أربعة آلاف طن ومجهزة عسكريا كما تمتلك منصة إقلاع لمروحية عسكرية، بالإضافة إلى فرقاطتين بوزن 1600 طن مجهزتين عسكريا بشكل متطور، فضلا عن أن الأحداث الأخيرة أدت إلى تكثيف الوجود العسكري الإسباني قبالة الشواطئ المغربية.


من الصعوبة بمكان اعتبار طرف ما منتصرا في هذه الأزمة فلكل طرف مكاسبه، لاسيما بعد أن حصل احتواؤها بسرعة وبما لم يؤد إلى تطورها إلى مواجهة عسكرية
2- اختلال التوازن الاقتصادي المغربي الإسباني

وذلك بسبب الآثار المحتملة لعدد من المشاريع الاقتصادية المتوازنة في شمال المغرب على الاقتصاد الإسباني إجمالا واقتصاد سبتة ومليلية تحديدا، وعلى رأسها ثلاثة مشاريع أولها الميناء المتوسطي الذي تقرر هذه السنة تحويل مكانه من منطقة أصيلة على المحيط الأطلسي إلى منطقة تطوان، مما يعني إفقاد القوة الاقتصادية لكل من ميناءي سبتة وجبل طارق وذلك من حيث استقطاب عدد معتبر من السفن العابرة للمضيق من أجل الرسو في الميناء الجديد. كما أن الميناء المقرر إنشاؤه في المجال البحري القريب من جزيرة ليلى، سيؤدي إلى خلق توازن إزاء الضبط الإسباني لمضيق جبل طارق.

ويتمثل المشروع الثاني في برنامج تعبيد الطريق الساحلي على طول الشاطئ المتوسطي للمغرب والذي بدأت أولى ثماره تظهر على مستوى الخط الرابط بين تطوان وطنجة. ويمثل هذا الطريق المدخل لإحداث إقلاع سياحي كبير بالشاطئ المتوسطي للمغرب وهو ما يعني تهديدا اقتصاديا للصنعة السياحية الإسبانية في الجنوب المتوسطي لإسبانيا لاسيما بعد انكشاف عدد من المشاريع السياحية على طول هذا الشاطئ.

أما المشروع الثالث فيتمثل في استعداد المغرب لخلق مناطق تجارية حرة في كل من مدينة الناضور المحاذية لمدينة مليلية المحتلة ومدينة تطوان المحاذية لسبتة المحتلة، وهو ما قد يشكل أداة لامتصاص الآثار السلبية لاقتصاد التهريب الناجم عن حركة التجارة بين سبتة ومليلية وبين المغرب، كما يمثل إعادة إنتاج التجربة الإسبانية مع سكان جبل طارق حيث أدى ذلك إلى عملية خنق تدريجي لجبل طارق فرض على بريطانيا أن تباشر حوارا حول مستقبل الصخرة لحل هذه المشكلة. والمحصلة أن مشاريع التنمية الاقتصادية المطروحة في المغرب أخذت تمثل هاجسا مقلقا لدى صانع القرار الإسباني ينضاف إلى الهاجس الإستراتيجي الأمني السابق.

2- الدور الإسباني في السياسية المتوسطية أوروبيا
ويرتبط البعد الثالث في الأزمة بالسياسة المتوسطية للاتحاد الأوروبي والسعي الإسباني للاضطلاع بدور ريادي في هذه السياسة، في حين يشكل المغرب بسياسته التفضيلية لفرنسا حائلا أمام هذا الطموح الإسباني. وترتبط بهذا الأمر مجموعة توجهات إسبانية ذات علاقة بقضايا الهجرة والصيد البحري والموقف من مستقبل التدبير الأممي لقضية الصحراء الغربية، وفي كل هذه القضايا يبرز تناقض مغربي إسباني حاد يعمق أزمة العلاقات بين البلدين.

من هنا يمكن القول إن اللجوء الإسباني إلى استعمال القوة العسكرية في مواجهة المغرب بعد قيام هذا الأخير بإجراء أمني في جزيرة ليلى، كان نتيجة متوقعة بغض النظر عن مدى اقتناع صانع القرار الإسباني بأحقيته بصخرة ليلى. كما أن الاستجابة الإسبانية للمطلب الأميركي بتسوية المشكلة عبر العودة إلى الوضع السابق لما قبل 11 يوليو/ تموز 2002 تكشف هي الأخرى عن الرهانات الإستراتيجية التي تحكم إسبانيا في سياستها المتوسطية والتي تؤطرها بالاندراج في السياسة المتوسطية للولايات المتحدة الأميركية.

دروس الأزمة مغربياً وإسبانياً


اعتمدت إسبانيا منذ نهاية الثمانينيات من القرن الماضي إستراتيجية تعميق الارتباط الاقتصادي للمغرب بإسبانيا وتقوية التدخل الإسباني بمختلف أشكاله في الشمال المغربي، بما يجعل هذا الأخير عاجزا عن المطالبة باسترجاع سبتة ومليلية لما قد ينجم عن ذلك من أضرار اقتصادية للمغرب
نعتقد أنه من الصعوبة بمكان اعتبار طرف ما منتصرا في هذه الأزمة فلكل طرف مكاسبه، لاسيما بعد أن حصل احتواؤها بسرعة وبما لم يؤد إلى تطورها إلى مواجهة عسكرية.

على صعيد المغرب
1-
يمكن القول بداية إن المغرب استطاع أن يفضح الطابع الاستعماري لسياسة إسبانيا إزاء المغرب لاسيما أن مدريد تحركت في غياب أدلة واضحة تثبت ملكيتها للجزيرة على خلاف المغرب الذي كان منذ اليوم الأول واثقا من أدلته وهو ما عزز المصداقية الخارجية له، حيث إن بلاغ الخارجية المغربية المفسر لحيثيات الخطوة المغربية تضمن سيلا من الأدلة التي تؤكد سيادة المغرب على الجزيرة، بما فيها المعاهدة الإسبانية المغربية لسنة 1960 والوثائق الخاصة بنظام الحماية الإسباني على المغرب والذي انتهى في 1956، فضلا عن معطيات أخرى كتلك الخاصة بالمواجهة بين المغرب وإسبانيا حول الجزيرة في 1986 والتي أدت إلى تراجع إسبانيا عن ضم الجزيرة إلى منطقة سبتة.

وقد كانت لذلك انعكاساته على بقية الخطوات الإسبانية لاحتلال جزر أخرى على امتداد الساحل المغربي على حوض المتوسط مثلما حصل مع جزيرتي تكرزين أمام شاطئ الحسيمة، وهو احتلال تم في نفس أسبوع اندلاع الأزمة، ولم يقع التراجع عنه إلا بعد انتهائها.

2- تمكن المغرب من تحريك ملف المدينتين المحتلتين سبتة (1640) ومليلية (1497) وبقية الجزر المحتلة (جزر ملوية 1844) وبادس (1564) والبرهان (1844) والنكور (1665)، وذلك في توقيت جد دقيق يرتبط بالمفاوضات الإسبانية البريطانية حول مستقبل جبل طارق والاتفاق على مشروع السيادة المشتركة على هذه الصخرة وهو ما يمثل إحراجا كبيرا لإسبانيا وهي التي تزمع التقدم أكثر في توجيه السياسة المتوسطية للاتحاد الأوروبي.

لقد اعتمدت إسبانيا منذ نهاية الثمانينيات من القرن الماضي إستراتيجية تعميق الارتباط الاقتصادي للمغرب بإسبانيا وتقوية التدخل الإسباني بمختلف أشكاله في الشمال المغربي، بما يجعل هذا الأخير عاجزا عن المطالبة باسترجاع سبتة ومليلية لما قد ينجم عن ذلك من أضرار اقتصادية للمغرب.

والمثير أن الأزمة اندلعت في نفس توقيت التوصل إلى حل بريطاني إسباني حول مستقبل جبل طارق -المحكوم منذ معاهدة أوتريخت في 1714 أي طيلة القرون الثلاثة الماضية- من طرف بريطانيا. وقد تم الاتفاق بين البلدين على مبدأ السيادة المشتركة على الجبل، وأن يقع إجراء استفتاء على نص الاتفاق بين سكان جبل طارق البالغ عددهم 30 ألفا، مع العلم أن إسبانيا كانت تعارض في السابق مسألة إجراء الاستفتاء. وقد كشف وزير الخارجية البريطاني جاك سترو في بيان لمجلس العموم البريطاني ألقي قبل يوم واحد من اندلاع الأزمة بين المغرب وإسبانيا، أن نص الاتفاق حول مستقبل جبل طارق يتضمن:

  • احتفاظ منطقة جبل طارق بتقاليدها وعاداتها البريطانية وأسلوب الحياة الحالي.
  • أن أهالي المنطقة سيبقى لهم الحق في الجنسية البريطانية وسيكون لهم حق الحصول على الجنسية الإسبانية.
  • احتفاظ جبل طارق بحكومتها ومحاكمها والشرطة.
  • لسكان جبل طارق الحق في تقرير رغبتهم في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
    كما ذكر أن أي اتفاق مستقبلي يجب أن يسمح بوجود عسكري بريطاني في المنطقة، وقد أدى التعديل الوزاري الذي عرفته الحكومة الإسبانية إلى طلب إرجاء المفاوضات النهائية بين بريطانيا وإسبانيا إلى ما بعد الصيف. وقد ألقى هذا الملف بظلاله بقوة على الأزمة حيث دفع بالموقف البريطاني إلى سلوك موقف الحياد المتعاطف مع المغرب.


المثير أن الأزمة اندلعت في نفس توقيت التوصل إلى حل بريطاني إسباني حول مستقبل جبل طارق المحكوم منذ معاهدة أوتريخت في 1714 من طرف بريطانيا، وذلك على مبدأ السيادة المشتركة واستفتاء سكان الجبل البالغ عددهم 30 ألفا، مع العلم أن إسبانيا كانت تعارض ذلك في السابق
إن المغرب أمام فرصة تاريخية لتدويل قضية سبتة ومليلية و باقي الجزر المحتلة، وإعادة إحياء طرح الملك الراحل الحسن الثاني الذي قال عشية زيارته لإسبانيا في أبريل 1987 إنكم "تطالبون بجبل طارق لأنه على الأرض الإسبانية، وسنظل نطالب بمغربية سبتة ومليلية لأنهما على أرض مغربية"، ولعل هذا هو ما يفسر الضغوط الإسبانية الشديدة التي مارستها على المغرب منذ انطلاق المفاوضات حول صخرة جبل طارق مع بريطانيا حتى لا يقوم المغرب بأدنى تشويش على هذه المفاوضات، والمقصود بالطبع أن لا يحرك مطالبه حول سبتة ومليلية لما في ذلك من إحراج لازدواجية المعايير في السياسة الخارجية الإسبانية. ويكفي هنا أن نحيل إلى المواجهة الدبلوماسية المحدودة بين المغرب وإسبانيا التي تمت في خريف السنة الماضية بعد إقدام المغرب على طرح القضية في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.

لقد دعا الملك الراحل في يناير/ كانون الثاني 1989 إلى إنشاء خلية تفكير حول مستقبل المدينتين، إلا أن التطورات التي حملها معه عقد التسعينيات من القرن الماضي سارت في الاتجاه المعاكس، حيث قوت إسبانيا من حجم استثماراتها في المدينتين، واعتمدت منذ عام 1995 مشروع تسييج المدينتين بالأسلاك الشائكة، وسارت قدما في تنفيذ مقتضيات القانون الخاص بالأجانب وهو قانون يعود صدوره لسنة1985 بما يعنيه من "أسبنة" تدريجية للمدينتين لاسيما بعد إقرار نظام الحكم الذاتي لهما، ليتطور الأمر نحو إدماجهما ضمن الحدود الجنوبية لحلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي.

كما قامت سلطات مليلية عام 1997 بتنظيم احتفالات كبيرة في الذكرى الخمسمائة لاحتلال مليلية في 1497، هذا فضلا عن البرود الإسباني إزاء مشروع إقامة لجنة ابن رشد من فعاليات المجتمع المدني من البلدين والتي تم الاتفاق عليها بعد زيارة رئيس الحكومة الإسبانية السابق الاشتراكي فيليبي غونزالس في فبراير/ شباط 1996، وهو برود تطور إلى إرادة إسبانية في تجميد وإنهاء مشروع تطبيق الفكرة خشية تطور اللجنة إلى خلية تفكير حول مستقبل المدينتين والتي سبق أن دعا إليها الملك الراحل.

الخلاصة هي أن الأسباب الرئيسية لقوة رد الفعل الإسباني العسكري تعود إلى الرغبة الإسبانية في تطويق احتمالات تدويل قضية سبتة ومليلية، وتوجيه رسالة قوية إلى المغرب من أن أي خطوة من هذه القبيل قد تدخل المنطقة في حرب جديدة.

3- قدرة المغرب على مفاجأة صانع القرار الإسباني بخطوة إنشاء مركز للمراقبة الأمنية بجزيرة ليلى، وهي مفاجأة تضرب أسطورة التحكم الاستخباري الإسباني في المغرب ودعاوى الوجود المكثف لعناصر الاستخبارات في الشمال المغربي، وهو ما ظهر في ارتباك الموقف الإسباني إزاء الخطوة المغربية طيلة أربعة أيام منذ اندلاع الأزمة. وقد انكشف بعد تسوية الأزمة أن الصراع الحالي حول الجزيرة بدا منذ مدة ليست باليسيرة، حيث رصد تحرك إسباني للبحث عن وثائق تثبت ملكية الجزيرة لإسبانيا، وعوض انتظارها حتى تفرض سياسة الأمر الواقع وتحتل الجزيرة قام المغرب بصيانة سيادته، لاسيما أن حصول سبق إسباني في الموضوع يجعل من الصعوبة إخراجها بسرعة.

4- كما نجم عن الأزمة عزل الموقف الجزائري، إذ إن أول رد فعل رسمي جزائري عبر عنه الوزير المكلف بالشؤون الإفريقية والمغاربية عبد القادر مساهل اعتبر أن إقدام المغرب على نشر أفراد من قواته في جزيرة ليلى بأنه "فرض للأمر الواقع" و"خرق للشرعية الدولية" و"انتهاك للحدود الموروثة عن الاستعمار". وأعلن مساهل "أن الجزائر ترفض كل سياسة لفرض الأمر الواقع أو أي خرق للشرعية الدولية، وأن الجزائر تدافع عن هذا المبدأ سواء تعلق الأمر بقضية الصحراء الغربية أو بالنزاعات المتولدة عن عدم احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار". ورغم أن الجزائر أحست بالحرج العربي والإسلامي الناجم عن موقفها فإنها لم تتراجع عنه.

المكاسب آنفة الذكر ليست هينة وتساعد على تحسين الوضع الإستراتيجي للمغرب في المنطقة لاسيما بعد الفشل الأوروبي في تبني سياسة محايدة تؤهله للقيام بدور الوساطة بين المغرب وإسبانيا في مقابل النجاح الأميركي في ذلك، حتى إن بعض وسائل الإعلام الأوروبية اعتبرت أن الرابح الوحيد في النزاع هو الولايات المتحدة.

على صعيد أسبانيا
أما على المستوى الإسباني فيمكن القول إن هنالك مجموعة مكاسب من قبيل:

1- تحجيم الدور الفرنسي داخل الاتحاد الأوروبي، حيث استطاعت إسبانيا أن تضمن لها موقفا داعما من طرف الدانمارك التي تضطلع بمنصب الرئاسة الدورية للاتحاد في النصف الثاني من سنة 2002. وتمثل هذا الموقف في الانتصار الكلي للموقف الإسباني ودعوة المغرب إلى الانسحاب فورا من الجزيرة، بالإضافة إلى موقف رئيس المفوضية الأوروبية رومانو برودي والبيان الذي صدر عن مفوض العلاقات الخارجية بالاتحاد الأوروبي كريس باتن الذي اعتبر أنه "إذا لم تحل هذه المشكلة على وجه السرعة فمن المرجح أن يكون لها وقع ضار بالعلاقات بين الاتحاد الأوروبي والمغرب".

ورغم تراجع الاتحاد الأوروبي لاحقا عن اعتبار موقفه هذا بمثابة حسم في الوضع القانوني للجزيرة، فإنه في الحقيقة لا يعد تراجعا في العمق ما دام الاتحاد تابعا للتحولات في الموقف الإسباني والتي هي الأخرى تبنت هذا الخيار منذ اليوم الأول لاجتياح الجزيرة، وهو ما تولدت عنه مواجهة إسبانية فرنسية، إذ عارضت باريس الموقف الذي عبرت عنه الدانمارك كما حالت دون صدور بيان ثان للرئاسة الأوروبية حول النزاع، ودافعت داخل لجنة السياسة والأمن في الاتحاد على اعتبار النزاع مسألة ثنائية بين المغرب وإسبانيا وليس بين المغرب والاتحاد الأوروبي.

2- إضعاف شوكة المغرب وبث شعور بالمهانة في صفوف المغاربة وذلك من خلال الطريقة الاستعراضية التي تمت بها عملية الغزو والتصريحات العنترية التي تلتها. يضاف إلى ذلك تقوية العلاقة مع الجزائر وتمتين الاختراق الإسباني للمجال المغاربي، مما يساعد جزئيا المسعى الإسباني لتوجيه السياسة الشمال أفريقية للاتحاد الأوروبي.

3- رد الاعتبار للسياسة الخارجية الإسبانية التي تعرضت لعدة ضربات في الآونة الأخيرة بدءا من الرفض الأوروبي لتصوراتها حول سبل مكافحة الهجرة السرية في قمة إشبيلية الأخيرة، حيث كانت إسبانيا تطرح ضرورة معاقبة الدول المصدرة للهجرة وهو ما لم تقبله بقية دول الاتحاد الأوروبي، وانتهاء بانتكاستها في أميركا اللاتينية بعد الهزات التي تعرض لها الاقتصاد الأرجنتيني بالأساس وتوجيه تهمة المشاركة في هذه الهزات إلى الاستثمارات الإسبانية مما كان له انعكاسه أيضا على صناعة الصيد البحري الإسباني في تلك المنطقة.

كما كشفت الأزمة عن وجود إرادة إسبانية لضمان تحكم في مضيق جبل طارق من كلا الضفتين، بما يؤهلها لتحكم إستراتيجي في شمال أفريقيا فضلا عن الاستفادة الإستراتيجية التي ستحققها إسبانيا من خلال سيطرتها على ضفتي الممر المائي بين جنوب أوروبا وشمال أفريقيا.

4- تمتين الوضع السياسي الإسباني الداخلي وتحقيق التفاف متوازن حول حكومة خوسي ماريا أزنار واستعادة التوافق بين الحزبين الرئيسيين في إسبانيا -هما الحزب الشعبي الحاكم والحزب الاشتراكي العمالي- إزاء التعامل مع المغرب، وهو توافق تعرض لضربة قاسية عند إقدام الكاتب العام للحزب الاشتراكي على زيارة المغرب في خريف السنة الماضية. إلا أن هذا المكسب يبقى ثانويا بسبب الخلاف الإسباني الذي انفجر بعد قبول مدريد مشروع الوساطة الأميركية رغم رفضها له في السابق، مما دفع بأحزاب المعارضة الإسبانية إلى طلب اجتماع عاجل للبرلمان من أجل مناقشة الموضوع.

التسوية الأميركية للنزاع والانعكاس على مستقبل العلاقات

يكشف تحليل المكاسب الآنفة الذكر على أن الوضع الراهن للعلاقات بين البلدين هو في وضعية حرجة، فكل طرف محكوم بعدم إهدار هذه المكاسب من جهة والسعي في المقابل لتطويرها من جهة أخرى، وهو ما برز في البداية الفاشلة للمفاوضات المغربية الإسبانية يوم الاثنين الماضي، والاختلاف حول نقاط جدول أعمال المفاوضات، حيث اتجه الرأي المغربي إلى طرح ضرورة التفاوض حول كل النقاط العالقة في العلاقات المغربية الإسبانية بما فيها قضية الصحراء الغربية وحقوق التنقيب عن النفط في المياه المغربية ومستقبل المدينتين المحتلتين سبتة ومليلية وبقية الجزر المحتلة والسياسة المشتركة إزاء الهجرة السرية والمخدرات والتهريب وغيرها من القضايا العالقة.

أما الجانب الإسباني فقد تشدد في التركيز فقط على موضوع الجزيرة وهو ما يعني سعيا إسبانيا لمحاصرة استثمار المغرب لمكاسبه من إدارة النزاع، مما أدى إلى فشل المفاوضات الأولية وتأجيلها إلى سبتمبر/ أيلول المقبل.

لقد انطلقت المفاوضات يوم الاثنين 22 يوليو/ تموز الماضي وصدر عنها بيان يتيم لا يقدم إيضاحات كافية حول ما اتفق عليه الطرفان، سوى النص الحرفي على أن وزير الخارجية المغربي ونظيرته الإسبانية يؤكدان "رسميا العودة بالعمل إلى الوضع القانوني الذي كانت عليه جزيرة برخيل/ تورة (ليلى) الذي كان معمولا به قبل شهر (يوليو) تموز 2002، بنفس الشكل الذي تم تأويله وتقديمه من وزير خارجية الولايات المتحدة كولن باول يوم 20 (يوليو) تموز 2002".

يعني ذلك أن الأمر مرتهن لتفسير الولايات المتحدة التي بعثت برسالتين مختلفتين من حيث درجة التدقيق والتفصيل في مضمون التسوية للمغرب وإسبانيا، فكانت الرسالة الموجهة من وزير الخارجية الأميركي كولن باول إلى وزيرة الخارجية الإسبانية هي الأكثر وضوحا ودقة، إذ تضمنت تحديدا للمقصود بالوضع السابق لـ 11 يوليو/ تموز والذي يشمل "انسحاب جميع القوات المسلحة والمسؤولين الحكوميين سواء بالملابس العسكرية أو المدنية عن الجزيرة وإخلائهم منها، وإزالة جميع المخافر الأمامية والأعلام وغيرها من رموز السيادة من الجزيرة وإخلائها منها، مع التفاهم على أن استعمال الجزيرة ومجالها الجوي والمياه المحيطة بها سيكون متناغما مع نشاطات ما قبل يوليو/ تموز". كما ورد أن الإجراءات التي قام بها الجانبان "فيما يتعلق بهذه المسألة لن تلحق أي ضرر بموقفيهما حول وضع الجزيرة القانوني"، وأن الجانبين سيرتبان "أمر إجراء محادثات في المستقبل لتحسين العلاقات الثنائية بينهما".


إن المغرب أمام فرصة تاريخية لتدويل قضية مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين وباقي الجزر المحتلة، وإعادة إحياء طرح الملك الراحل الحسن الثاني المعلن عشية زيارته لإسبانيا عام 1987 والذي قال فيه إنكم "تطالبون بجبل طارق لأنه على أرض إسبانية، وسنظل نطالب بسبتة ومليلية لأنهما على أرض مغربية"
والمثير أن كلا الطرفين تبرأ في البداية من مبادرته بطلب الوساطة الأميركية واتهام الطرف الآخر بالقيام بذلك، وهو ما يفسر عدم رغبتهما في أن تترك هذه الأزمة آثارا سلبية على العلاقة مع الاتحاد الأوروبي الذي تعرض لضربة قاسية جديدة في مجال السياسة الخارجية.

إن الطريقة التي تم بها تدبير المفاوضات تكشف أن انعكاسات أزمة الجزيرة على مستقبل العلاقات بين البلدين ستكون محدودة على مستوى الدفع في تسوية مختلف ملفات الأزمة القائمة بين البلدين، وفي المقابل فإنها أضافت عقدة جديدة للتوتر القائم بينهما، حيث ستقف مفاوضات سبتمبر/ أيلول المقبل على صخرة الحسم في إشكالية السيادة على الجزيرة، وستسعى إسبانيا لإدامة الوضع الراهن والاستقواء بالولايات المتحدة حتى تتمكن من خلق ميزان قوى مع المغرب يسمح لها بفرض اتفاق حول الاستعمال المشترك للجزيرة تصبح معه مسألة محاربة الهجرة السرية وتجارة المخدرات تتم بتعاون بين قوات الحرس المدني الإسباني والدرك الملكي المغربي وذلك على أرض الجزيرة، وهو ما يعني أن احتمالات الانفراج الشامل في العلاقات مسألة مستبعدة.

_______________
* كاتب وباحث مغربي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة