لماذا الحاجة إلى إعادة تشكيل منظمة التحرير؟   
الاثنين 1427/1/14 هـ - الموافق 13/2/2006 م (آخر تحديث) الساعة 11:19 (مكة المكرمة)، 8:19 (غرينتش)
ياسر الزعاترة

- من التمثيل الكامل إلى النسبي
- التفاوض مبرر لإعادة التشكيل
- توحيد الداخل مع الشتات
- الخريطة الجديدة للقوى

طوال نحو خمسة عقود كانت منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي للنضال الوطني الفلسطيني ضد احتلال الصهاينة لبلدهم.

صحيح أن الاعتراف العربي بها ممثلاً وحيداً لم يتوفر إلا في قمة الرباط عام 1974، غير أن ذلك لا ينفي حقيقة أنها كانت الممثل الواقعي لذلك النضال، على الأقل بالنسبة للفلسطينيين أنفسهم، فضلاً عن الكثير من الدول وحركات التحرر في العالم أجمع.

"
بروز حركة حماس كفصيل جديد فاعل في الساحة النضالية الفلسطينية جعل تمثيل منظمة التحرير للنضال الوطني الفلسطيني -وتعبير أدق لكل الفلسطينيين- موضع شك
"
من التمثيل الكامل إلى النسبي

من المؤكد أن نهاية العام 1987 شكلت تاريخاً مهماً بالنسبة لهذا التمثيل، إذ شهدت بروز حركة المقاومة الإسلامية (حماس) كفصيل جديد فاعل في الساحة النضالية الفلسطينية.

وقد تأكد ذلك عندما بدأت الحركة تصوغ حراكها السياسي وحتى الميداني في الانتفاضة الأولى بعيداً عن القيادة الوطنية الموحدة التي شكلتها حركة فتح بهدف احتواء الانتفاضة واستثمارها في سياق اللعبة السياسية وإخراج قيادتها من العزلة بعدما كانت فقدت زخمها وحضورها إثر الخروج من بيروت عام 1982.

أتذكر في هذا السياق حواراً صحفياً أجريناه أنا والزميل خالد الحروب مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات لحساب مجلة "فلسطين المسلمة" التي كانت تصدر في لندن وكنت رئيساً لتحريرها.

في ذلك الحوار دار حديث ساخن حول تمثيل المنظمة لكل الفلسطينيين، وما إذا كانت حماس ممثلة فيها أم لا، حيث أصر رحمه الله على أنهم ممثلون في المجلس الوطني وفي المجلس المركزي، وعدد لي أسماء خمسة من الإسلاميين كانوا بالفعل أعضاء في المجلسين، لكنهم لم يقولوا يوماً إنهم ممثلون لحماس أو للجهاد الإسلامي.

خلاصة القول أن تمثيل منظمة التحرير للنضال الوطني الفلسطيني -وبتعبير أدق لكل الفلسطينيين- قد بات موضع شك، ذلك أن جملة الجولات الانتخابية التي كانت تجرى في الأراضي المحتلة منذ تأسيس حماس، بل حتى قبل ذلك بسنوات، أخذت تؤكد أن حضور التيار الإسلامي -ولاحقاً تحت راية حماس- بات يشكل نصف الساحة الفلسطينية.

وعلى هذه الخلفية جرت نقاشات كثيرة حول دمج الحركة ومعها الجهاد الإسلامي في مؤسسات المنظمة، لكنها كانت تنتهي إلى لاشيء، والسبب كما هو معروف يتعلق بإرادة فتح دمج حماس على ذات القاعدة التي تتعامل من خلالها مع قوى اليسار، مع بعض التعديل البسيط.

والخلاصة هي استمرار السلطة المطلقة لحركة فتح على المنظمة، بل للسيد ياسر عرفات -عليه رحمة الله- وحده.

بالإمكان القول إن هذا الواقع بالنسبة لمنظمة التحرير ما زال هو القائم إلى الآن، مع فارق في مستوى التهميش الذي تعرضت له بعد توقيع اتفاق أوسلو ونشوء السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994.

لكن واقع ما بعد ياسر عرفات يظل مختلفاً بكل المقاييس، فقد جمع الرجل على نحو فريد جميع الملفات في يده، فهو قائد فتح وقائد السلطة وزعيم المنظمة في آن. وما إن غاب الرجل حتى برزت معادلة جديدة، إذ تحولت زعامة فتح إلى فاروق القدومي وقيادة السلطة والمنظمة إلى محمود عباس.

وجاءت نتائج الانتخابات الأخيرة والفوز الكبير لحركة حماس لتطرح أسئلة جديدة بشأن التوليفة برمتها، ومن ضمنها منظمة التحرير ومبدأ إعادة تشكيلها من جديد على أسس تخدم قضية الشعب الفلسطيني، بصرف النظر عن المصلحة الفئوية لهذا الفصيل أو ذاك، أو هذا الرمز أو ذاك.

"
سلسلة التنازلات التي قدمتها المنظمة تحت قيادة عرفات لم تفض إلى نتيجة إيجابية، ما يستدعي إعادة هيكلة المنظمة من أجل أن يكون لها دورها الفاعل في صياغة أفضل لحاضر الفلسطينيين ومستقبلهم
"
التفاوض مبرر لإعادة التشكيل

هناك جملة من المعطيات التي تحتم على الفلسطينيين إعادة هيكلة المنظمة من أجل أن يكون لها دورها الفاعل في صياغة أفضل لحاضرهم ومستقبلهم. ومن أهم تلك المعطيات ما يتعلق بالنتائج التي آلت إليها تجربة التفاوض طيلة العقود الثلاثة الماضية، ذلك أن سلسلة التنازلات التي قدمتها المنظمة تحت قيادة عرفات لم تفض إلى نتيجة إيجابية بالنسبة للشعب الفلسطيني.

بعد ذلك جرى استدراج القيادة الفلسطينية من شعار تحرير فلسطين من البحر إلى النهر إلى برنامج السلطة الوطنية والنقاط العشر، إلى الاعتراف بالقرار الدولي رقم 242، إلى أوسلو وما انطوى عليه من تنازلات خطيرة لاسيما بالنسبة لقضية اللاجئين، وصولاً إلى خريطة الطريق التي يضع الإسرائيليون عليها 14 تحفظاً.

كان من الطبيعي وربما من الضروري أن تشكل قمة كامب ديفد صيف العام 2000 منعطفاً أساسياً في تاريخ الشعب الفلسطيني بوصفها المحطة التي كشفت فضيحة التسوية وسقف ما يمكن أن يعرضه الطرف الإسرائيلي على نظيره الفلسطيني، لاسيما أن من كانت بيدهم السلطة حينئذ في إسرائيل هم أكثر قادة الدولة العبرية انفتاحاً على الإطلاق.

لكن ما جرى بعد ذلك زاد الموقف سوءا على سوئه القائم، إذ جاء شارون إلى السلطة ومضت القوى السياسية نحو اليمين، ما يعني أن المعروض على الفلسطينيين غدا أكثر بؤساً بكثير.

في كامب ديفد لم يتمكن عرفات بكل ما تحلى به من مرونة -ومعه الرئيس الحالي محمود عباس وآخرون أكثر مرونة- من تمرير المعروض عليهم على الفلسطينيين، إذ إن ما عرض حسب اعتراف الحضور لم يتعد دولة على قطاع غزة وعدد من الكانتونات المعزولة عن بعضها البعض في الضفة الغربية من دون سيادة ومن دون القدس، ومع اقتسام المسجد الأقصى ومن دون عودة اللاجئين.

وقد كان لافتاً للانتباه بالفعل أن لا تكون قضية اللاجئين التي كانت تمثلها منظمة التحرير التي تأسست في الخارج هي التي أفشلت القمة، أي أن استعداداً قد توفر عند القيادة الفلسطينية للتنازل عنها في حال تعديل المواقف من قضايا أخرى مثل مساحة الدولة وسيادتها وقضية القدس.

توحيد الداخل مع الشتات
المعطى الآخر الذي يحتم على الفلسطينيين إعادة تشكيل منظمة التحرير هو إعادة توحيد الداخل مع الشتات الفلسطيني بعدما تفرقا زمناً لا بأس به، فعندما كانت منظمة التحرير في الخارج كان معظم ثقلها من رموز الخارج بينما كان ممثلو الداخل مجرد أرقام بلا وزن أو قيمة في المجلس الوطني.

أما بعد أوسلو ونشوء السلطة الوطنية فقد تحول الثقل إلى الداخل وجرى تهميش الشتات، وإن كان عدد لا بأس به من كوادر المنظمة ومقاتليها قد دخلوا مناطق السلطة، إلا أن ذلك لا يعني الكثير لأن القضية لم تكن تعني المقاتلين أو الموظفين المتفرغين بقدر ما تعني أكثر من خمسة ملايين لاجئ ما زالوا في الشتات.

أما الآن فبالإمكان الحديث عن وحدة الداخل والخارج، ليس بسبب إمكان دخول وخروج أهالي غزة فقط، بل أيضاً بسبب إمكانية التواصل من خلال الوسائل التقنية الحديثة، حيث يمكن عقد مؤتمر في أي مكان يتواصل الناس فيه من خلال دوائر تلفزيونية، مع أن تحرير معبر رفح على نحو كامل يمكن من عقد المؤتمر في غزة دون أن يكون ذلك أمراً صعباً إذا توفرت الإرادة.

مسألة الشتات الفلسطيني مسألة بالغة الأهمية، وما من شك في أنه قد همش أوسلو لحساب الداخل، وقد آن الأوان لتشكيل جديد لمنظمة التحرير يعيد الاعتبار للفريقين معاً، لاسيما أن ثلثي الشعب الفلسطيني لا يزالون لاجئين.

ولكن كيف يمكن ذلك إذا كان فحوى الخطاب الرسمي العربي وكذلك الرسمي الفلسطيني أخذ يتعامل مع هذه القضية بوصفها مستحيلة الحل خارج سياق التعويض وبقاء اللاجئين في أماكن وجودهم في الشتات؟!

"
إعادة تشكيل المنظمة على أسس جديدة سيجعل منها مرجعية كبيرة تدير النضال الوطني إلى جانب إدارتها لحياة الناس تحت الاحتلال من خلال السلطة ما دامت موجودة، فضلاً عن الإبقاء على التواصل مع مجتمعات الشتات
"
الخريطة الجديدة للقوى

المعطى الثالث الذي يحتم إعادة التشكيل يتعلق بخريطة القوى الجديدة في الساحة الفلسطينية، ذلك أن التشكيل القديم لم يعد صالحاً في ظل التطورات التي برزت منذ نهاية العام 1987، وعلى نحو أكثر وضوحاً خلال السنوات الأخيرة، وها هي تترجم على نحو حاسم في انتخابات المجلس التشريعي الأخيرة.

وفي كل الأحوال فقد تأكد الآن أن حماس والجهاد ليسا رقمين هامشيين في الساحة، كما تبين أن بعض قوى اليسار -باسثناء الشعبية- ليس لها سوى أرقام مجهرية في ساحة النضال والفعل، وفي الساحة الشعبية في الداخل والخارج أيضاً.

لا يعني ذلك المطالبة بتهميش حركة فتح ولا حتى قوى اليسار، بل هي مطالبة بإعادة النظر في التشكيل على النحو الذي يعبر عن الإرادة الفلسطينية، لا على صعيد الفصائل فقط وإنما على صعيد الفعاليات الشعبية والوطنية في الداخل والخارج.

وفي هذا السياق الأخير يمكن القول إن وعي فلسطينيي الشتات بنوايا المجتمع الدولي والنظام العربي الرسمي بتهميشهم وربما شطب قضيتهم قد غدا أكثر قوة في الآونة الأخيرة، بدليل العديد من الفعاليات والجمعيات والتجمعات التي تعنى بهذا الملف، وبدليل أن قضايا اللاجئين ما زالت حاضرة ليس فقط في الدول العربية وإنما حتى في المهجر الأوروبي في أوساط الجالية الفلسطينية.

لا نحب أن يفهم البعض من ذلك المطالبة بتصدر حماس للساحة الفلسطينية، فهذه الأخيرة ترفض منطق الانفراد بالقرار الفلسطيني والذي مارسته حركة فتح طوال عقود، وكل ما هو مطلوب هو إجماع وطني على القضايا الأساسية بالنسبة للفلسطينيين بدل هذه الحالة من التشتت والشرذمة التي تقسم الفلسطينيين بين متطرفين ومعتدلين، في حين لا يحصل من يسمون المعتدلين على ما يحفظ ماء الوجه.

ثمة معطى آخر أفرزته الانتخابات الأخيرة ويتعلق بفوز حركة ترفض مبدأ التفاوض مع العدو، أعني حماس، كما ترفض القرارات الدولية فضلاً عن خريطة الطريق.

وهنا قد يجد البعض فرصته للانفراد بها بوصفها تتناقض مع شروط الوضع العربي والدولي، لكنه يمكن القول إن توفير إجماع حول قضايا التفاوض من خلال منظمة التحرير الفلسطينية سيحول دون ذلك الانفراد، وسيجعل بالإمكان الحديث عن وحدة وطنية تتجاوز كل ما مضى وتتحدث عن تطبيق الطرف الآخر (الإسرائيلي) للقرارات الدولية من دون قيد أو شرط وبقوة المقاومة لا عبر الاستجداء.

"
حالة الإجماع الوطني التي توفرت خلال انتفاضة الأقصى يمكن أن تشكل مرتكزاً لحالة إجماع مشابهة تعتبر هذه المرحلة مرحلة نضال تستدعي الوحدة الشاملة
"
من الممكن أن تشكل حالة الإجماع الوطني التي توفرت خلال انتفاضة الأقصى مرتكزاً لحالة إجماع مشابهة تعتبر هذه المرحلة مرحلة نضال وتحرر تستدعي الوحدة الشاملة وليس التناقض، فضلاً عن الاقتتال.

أي أن تعتبر السلطة الفلسطينية مجرد منجز هامشي قياساً بما هو مأمول -هذا إذا كانت منجزاً بالفعل- الأمر الذي نشكك فيه بالطبع تبعاً لمعطيات كثيرة تؤكد أن وجودها لا يزال مصلحة إسرائيلية أكثر منه مصلحة فلسطينية.

إن إعادة تشكيل المنظمة على أسس جديدة سيجعل منها مرجعية كبيرة تدير النضال الوطني إلى جانب إدارتها لحياة الناس الواقعين تحت الاحتلال، مباشرة أو من خلال السلطة ما دامت موجودة، فضلاً عن الإبقاء على التواصل مع مجتمعات الشتات، بدل أن تبقى السلطة شكلاً من أشكال التخفيف على الاحتلال أمنيا وسياسياً واقتصادياً، وتتجاهل الشتات وهمومه الكثيرة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة