نحو وحدة عربية   
الاثنين 1434/7/4 هـ - الموافق 13/5/2013 م (آخر تحديث) الساعة 14:05 (مكة المكرمة)، 11:05 (غرينتش)
عبد الستار قاسم

الصراعات الراهنة
منطلقات الوحدة العربية
لا للعنصرية
لا وحدة بدون الإسلام
احترام خصوصية غير المسلمين وغير العرب
نمط الحكم

طالب عدد من المعلقين على مقالي المعنون "وحدة العرب بدل تقسيمهم" والمنشور على الجزيرة نت في شهر مارس/آذار 2013 بتوضيح الخطوات العملية التي يمكن اتباعها نحو تحقيق الوحدة العربية. منهم من قال إن التشخيص أو التعبير عن طموح لا يكفي، ومن المفروض وضع خطوط للتطبيق العملي، ونقل الفكرة نقلة عملية. هذا حديث منطقي وسليم، وتبقى متابعة الموضوع واجبة.

إذا تفحصنا هذا العالم، نرى أنه لم يعد هناك مكان واسع للكيانات الصغيرة، وأن الأمم والدول تتجه نحو التكتل بخاصة فيما يتعلق بالأمور السياسية والاقتصادية والأمنية خدمة لمصالحها حتى لو أثر ذلك قليلا على سيادتها. وإذا كان للعرب أن يصغوا لمقولات التقسيم والانشطار فإنهم سيزدادون ضعفا على ضعف، وسيغامرون بتعريض أنفسهم للمزيد من الاستنزاف المعنوي والقومي والأخلاقي، وسيشجعون الأمم الأخرى على المزيد من التطاول عليهم ونهب ثرواتهم والانتقاص من مكانتهم. ولهذا لا بد من التفكير معا في كيف نخرج نحن العرب من حالة التفرق والهوان.

مر على العرب زمن كان يتوارى فيه كل شخص له موقف ضد الوحدة العربية، وكانت مسألة الوحدة القضية الأولى التي تزاحم أبناء الأمة على تمجيدها. ولم يكن لقائد عربي أو حاكم أن يشعر باسترخاء شرعي إن لم يكن يضع على كتفيه عباءة الوحدة ونقل الأمة إلى التقدم والعزة والفخار. لم يكن القادة جادين بدعواتهم كما أثبتت لنا الأيام، لكنهم كانوا يدركون أهمية الحديث عنها في تبرير شرعية الحكم.  ذلك زمن قد مضى، لكن النفوس ما زالت عامرة بالفكرة.

سبق لقادة عرب أن حاولوا تجسيد الوحدة العربية، لكن الهدف بقي بعيد المنال. لقد بذلوا جهودا كبيرة في صناعة الشعارات، لكنهم طالما ناقضوا أنفسهم واتبعوا سياسات تمزيقية. وفي ظل القادة العرب المعاصرين، تمزقت البلاد والعباد، وأصبحت الوحدة الوطنية لكل دولة عربية في مهب الريح، وانقسم الفرد العربي على نفسه. وتاريخيا، يصبح التفتت النتاج المنطقي والمتوقع للقهر والظلم والاستعباد والشعور بالضعة والهوان.

لم تعد الوحدة العربية مجرد انطباع وجداني، وإنما هي آخذة في الترسخ في الوعي العربي. ولولا يقين أهل الغرب بهذه النتيجة، لما قاموا بكل تلك الحملات المرعبة حول التمزق والتفتت

الصراعات الراهنة
هناك من يشعر باليأس الوحدوي نتيجة الصراع الدائر في عدد من البلدان العربية التي شهدت وتشهد حراكا سياسيا شعبيا، ويرون أن ذلك الحلم الوحدوي العربي قد تبخر تماما، وأن الأقطار القائمة حاليا ستنشطر إلى عدد من الدويلات.

والإعلام الأجنبي يغذي هذا اليأس، ولا ينقطع عن الترويج لخرائط جديدة للدويلات المتوقعة. أما الإعلام العربي فيقوم بدور التابع عن حسن أو سوء نية، ويشرح للعربي ويلات التقسيم القادمة. والهدف تخويف الدول العربية من الاستمرار في الثورة على الحكام الظالمين. هذا شبيه بالحملة الإعلامية الضخمة التي قادها إعلام الغرب ومفكروه ومثقفوه ومراكز دراساته ضد الوحدة العربية في خمسينات وستينات القرن الماضي على اعتبار أنه لا يوجد ما يجمع بين العراقي والمغربي، وبين السوداني والسوري، إلخ.

هناك جهود ضخمة تبذل الآن لتمزيق الوطن العربي بالمزيد، وملايين الدولارات تنفق على الفتنة بين المذاهب والديانات والطوائف والقوميات على الساحة العربية. جهود حثيثة يتم توظيفها لإشعال الفتنة بين السنة والشيعة، وبين المسلمين والمسيحيين، وبين العرب والكرد، وبين العرب والأمازيغ، وبين الطوائف المسيحية ذاتها. الدول الغربية وإسرائيل ومن والاهما من العرب ومن رجال الدين الفاسقين لا ينفكون يزرعون الفتن والأحقاد والضغائن. لكن هذا كله لن ينجح.

كنا نهتف للوحدة في السابق بدوافع وجدانية، وكان من السهل على حكام العرب خداع الجماهير بالخطابات الحماسية الرنانة وإشباع متطلباتهم الوجدانية، لكننا الآن نطالب بالوحدة عن وعي ومعرفة، ولدينا حصيلة معرفية واسعة حول أساليب الحكام الظالمين القبليين في اللف والدوران، وإيهام الناس بأن الخير قادم.

الأحداث الدائرة على الساحة العربية الآن تساهم برفع درجة الوعي لدى الإنسان العربي، وهو وعي يدفع العربي ثمنه الدم والممتلكات. العربي يثور الآن نتيجة الظلم، وغياب الوحدة العربية سبب ظلما كبيرا لأنه حال دون إمكانية التقدم والبناء ومواجهة مختلف التحديات وعلى رأسها التحدي الأميركي والإسرائيلي.

الآن العربي فاعل على الساحة، وليس مجرد رقم إحصائي ملقى بالشارع تتقاذفه أهواء الحكام، وهو سيكون فاعلا في صناعة مستقبل الأمة. التآمر على الأمة قائم وموجود، وينساق معه جمهور غفير من العرب الذين يعانون من البساطة والسذاجة، لكن التآمر لا يتغلب على الوعي قطعا.

لم تعد الوحدة العربية مجرد انطباع وجداني، وإنما هي آخذة في الترسخ في الوعي العربي. ولولا يقين أهل الغرب بهذه النتيجة، لما قاموا بكل تلك الحملات المرعبة حول التمزق والتفتت.

منطلقات الوحدة العربية
وحتى لا تبقى فكرة الوحدة غامضة في الوعي العربي، لا بد من تداولها ومنطلقاتها والأسس التي يمكن أن ترتكز عليها، وهنا أجتهد رأيي في هذه المنطلقات علّ في ذلك ما يقود إلى نقاش وجدل على مستوى الوطن العربي:

هناك شعار ينص على أنه لا مستقبل للعرب بدون الوحدة، أي لا يستطيع العرب إحراز التقدم الجوهري والكبير في مختلف مجالات الحياة إلا إذا توحدوا، وارتقت مقومات النجاح وقويت شوكتهم أمام الأمم الطامعة والمحتلة.

ربما تحقق دولة عربية هنا وهناك بعض التقدم في بعض مجالات الحياة، لكنها لا تستطيع المحافظة على استقلالها وهويتها في مواجهة دول وتجمعات عالمية اقتصادية وعسكرية وثقافية.

فكرة التضامن العربي، وشعار العمل العربي المشترك لا يكفيان، وثبت فشلهما، ولا مفر أمام العرب إن أرادوا الرفعة والاستقلال والمساهمة في الحضارة الإنسانية إلا الوحدة. هذه قناعة يجب أن تتولد إن كان لنا أن نندفع نحو الهدف في مواجهة كل القوى التي نواجهها بمن فيها الحكام العرب.

نحن لسنا عنصريين، ولا ندعي التفوق على أحد، ولا نؤمن بالانغلاق والتقوقع، وإنما نؤمن بالانفتاح على العالم والتعاون مع كل من يفتح أبوابه للتعاون

لا للعنصرية
لا تعني الوحدة العربية الشعور بالتفوق على الآخرين من الأمم، ولا تنتقص من قيمتهم وكيانهم، وإنما هي تأكيد على وحدة الهدف والمصير انسجاما مع مقومات الوحدة الثابتة والقوية والمتمثلة بالروابط الدينية والقومية واللغوية، وبالتاريخ والثقافة والتطور الحضاري.

نحن لسنا عنصريين، ولا ندعي التفوق على أحد، ولا نؤمن بالانغلاق والتقوقع، وإنما نؤمن بالانفتاح على العالم والتعاون مع كل من يفتح أبوابه للتعاون، وبتبادل الخبرات والاحترام المتبادل وتبادل المصالح دون استغلال لأحد.

ومن هذا المنطلق نحن نرفض التعصب بكافة أشكاله القبلية والدينية والمذهبية والعرقية والقومية. التعصب آفة عنصرية تؤدي إلى بناء الأحقاد والكراهية والبغضاء بين الناس وبين الأمم، وتعاملنا مع الناس يبقى تعاملا وفق مبادئ إنسانية وأخلاقية وليس وفق أسس انغلاقية تكبرية. وإذا كان لنا أن نحمل مسؤولية فإن ميزاننا هو الإنجازات والمساهمة في الحضارة الإنسانية والتعامل الأخلاقي على مستوى الأفراد والأمم.

لا وحدة بدون الإسلام
للإسلام وقع كبير في نفوس أغلب العرب، به عرف العرب، وبهم انتشر وتجذر، وكل محاولة لفصل الأمة عن عمقها التربوي والثقافي والعقائدي والتاريخي والحضاري من شأنها أن تعرقل مساعي الوحدة، وأن تنتهي إلى التمزق والاحتراب والاقتتال.

لا يوجد أمة يمكن أن تتوحد وتتقدم بمعزل عن ثقافتها وعقائدها ودينها وحضارتها، وكل أمة تحاول بناء نفسها بناء على ثقافة آخرين إنما تحكم على نفسها بالهلاك. الأمم تتقدم بالانطلاق من قاعدتها التربوية والثقافية والنفسية الخاصة بها مع عدم الانغلاق على الإفادة من الآخرين، ومن ثم تعمل على تطوير منطلقاتها وتحسينها وتهذيبها وتوضيحها وتعميقها لتتناسب مع ظروف الزمان والمكان.

الأمم لا تحافظ على ذاتها بالتقليد لأن ذلك يؤدي إلى فقدان الذات والاتكال والبقاء تحت سيطرة الآخرين، ومثلما لا يستطيع المرء أن يمشي برجلي غيره، أو يفكر بعقل غيره، فإن الأمم لا تتمكن من السير دون الانبثاق الداخلي أولا.

لكن المسألة الإسلامية أضحت إشكالية على الساحة العربية لأن بعض الفقهاء أعطوا انطباعا غير طيب عن الفكرة الإسلامية بسبب ضيق أفقهم وحشرهم للإسلام في زاوية الانغلاق والتحجر. لقد حبسوا الإسلام غالبا في جسد المرأة وعقدهم الجنسية والتكفيرية، حتى بات الدين الإسلامي يمثل رعبا بالنسبة لأعداد كبيرة من المسلمين وغير المسلمين.

الإسلام الذي نتحدث عنه هنا هو دين العلم والعمل والجهاد بمظلة أخلاقية في كافة المجالات، والذي يضع الفكر الإسلامي فوق الفقه الإسلامي. إنه الدين الذي يهتم بقضايا جوهرية مثل المسؤولية والالتزام والانتماء والصالح العام والحرية والتقدم العلمي والنمو والتنمية بكافة أوجهها والعدالة وحسن التوزيع والإنجاز الحضاري والمساهمات الإنسانية الحضارية، إلخ.

ولهذا فإن الوحدة العربية المستندة إلى الفكر الإسلامي لا تقيم دولة دينية وإنما دولة العدل والحرية والمسؤولية والتقدم والكرامة الإنسانية. وقد شرحت هذا في عدد من كتبي حول الفكر الإسلامي.

احترام خصوصية غير المسلمين وغير العرب
 العرب الموحدون لا يؤمنون بوجود أقليات في الوطن العربي. لا توجد أقليات، وإنما هناك خصوصيات، ومن المفروض احترام كل خصوصية ومشاركتها بأفراحها وأحزانها، وفتح المجال أمامها للتعبير عن نفسها وتنمية أحوالها المختلفة دون عائق أو عراقيل. للأكراد خصوصيتهم، وكذلك بالنسبة للأمازيغ ومختلف الفئات القومية والدينية. تاريخيا، تمت الإساءة للعديد من الخصوصيات في الوطن العربي مما أدى إلى الضيق والكراهية.

الخصوصيات تتميز، لكنها لا تنفصل، وإذا شعرت خصوصية بضيق فعلى الذين يشكلون النمط العام أن يسألوا أنفسهم أين أخطأوا وكيف.

من المفروض أن نطور نظامنا الخاص بنا في الترشيح والانتخاب لكي نضمن عدم التلاعب بعواطف ومشاعر الناس، ونضمن حسن التمثيل ومشاركة الجمهور ومحاسبة الفائزين

نمط الحكم
نمط الحكم منطلق أساسي ويشكل قاعدة للتنافر والتجاذب، وإذا كنا نرى أن الوحدة العربية مرتبطة بالإسلام فإن نمط الحكم لا يخرج عن الفكر الإسلامي. الفكر الإسلامي يعتمد المبادئ التالية: العدالة بكافة أوجهها هي القيمة العليا للحكم، ولا عدالة بدون حرية لأن الحرية خلْقية وليست بقرار بشري أو فقهي، ولا مسؤولية بدون حرية، والمشاركة السياسية واجب إسلامي وليست منة من أحد، والتنافس الفكري والتنظيمي حيوي في المقارعة بين الحق والباطل.

هذه المبادئ لا تنسجم تماما مع مبادئ الديمقراطية التي ترى الفردية قيمة عليا ومنسجمة تماما مع قيمة تعظيم الأرباح الرأسمالية، والتي ترى الحرية قيمة اجتماعية وليس خلقية. المعنى أن قيم العدالة والحرية والمسؤولية في الفكر الإسلامي (وليس في فقه المسلمين) ترتقي على قيم الديمقراطية والرأسمالية. وهنا يجدر التنويه إلى أن انشغال المسلمين بقضايا الفقه وقضايا الحلال والحرام قد أبعدهم عن قضايا الفكر، قضايا الحق والباطل، فاختل التوازن الإسلامي.

المشاركة السياسية وحرية الاختيار ركنان أساسيان في نمط الحكم المنشود، لكن أسلوب الترشيح والانتخاب يختلفان عن أسلوب الديمقراطية لما في الأسلوب الديمقراطي من خداع انتخابي وسوء استخدام للأموال والإعلام لاستقطاب الأصوات الانتخابية. من المفروض أن نطور نظامنا الخاص بنا في الترشيح والانتخاب لكي نضمن عدم التلاعب بعواطف ومشاعر الناس، ونضمن حسن التمثيل ومشاركة الجمهور ومحاسبة الفائزين.

ولا يمكن أن يستمر نظام حكم من خلال إقصاء الآخرين، والحكم لا يستمر إلا بالعدل. نظام إسلامي غير عادل لا يمكن أن يستمر، ونظام غير إسلامي عادل مرشح للاستمرار. ولهذا تتمسك الوحدة العربية بمبدأ العدل، وترفض تماما محاولة إقصاء الآخر أو محاصرته أو التقليل من شأنه. خليفة غير عادل لا نقبله، وحاكم عادل نساعده حتى لو كان غير مسلم. مقاومة الظلم واجب إسلامي حتى لا تقع فتنة، ومساعدة العادل واجب إسلامي إذا أردنا للحق أن يعلو.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة