من أزمة الثقافة إلى أزمة المثقف   
الأحد 1427/8/2 هـ - الموافق 27/8/2006 م (آخر تحديث) الساعة 5:11 (مكة المكرمة)، 2:11 (غرينتش)


تركي علي الربيعو

يمكن القول إن عقد التسعينيات من القرن المنصرم، شهد أهم المراجعات الفكرية التي طالت مفهوم المثقف والتي بقيت تنوس بين نقد المثقف من جهة بهدف تأصيل دوره، وبين البحث عن بديل وجد تعبيره في المفكر المثالي الذي أضفيت عليه هالة من الأسطورة تتناسب وسعي الخطاب النهضوي في بحثه عن بديل أسطوري نهضوي ونموذجي في آن.

فقد شهد العقد المذكور صدور مجموعة من الكتب التي تندرج في إطار نقد المثقف وذلك في إطار بحثها عن الطريق إلى المستقبل، وأشير هنا إلى مجموعة من الكتب: محمد عابد الجابري "المثقفون في الحضارة العربية، 1996" وعلي حرب "أوهام النخبة، 1996" وعلي أومليل "السلطة السياسية والسلطة الثقافية، 1996" وإدوارد سعيد "صور المثقف، 1996" وفهمي جدعان "الطريق إلى المستقبل، 1996" وعبد الإله بلقزيز "نهاية الداعية، 2000" وذلك على سبيل المثال لا الحصر من فيض لا ينتهي.

"
هناك اتجاه لا يرى فائدة من وجود المثقف، وهو يرمي إلى الإجهاز على المثقف وحرقه على أمل انبعاثه من رماده من جديد في صورة المفكر محط الآمال ومعقد الرجاء
"
وقد أخذت هذه الدراسات طابع تظاهرة حية، وحاولت بمقدار تجاوز النقد السائد وتحقيق قطيعة معرفية معه، وبالأخص النقد الذي يطال وظيفة المثقف الذي ينوس بين تبشيرية ساذجة ترى المثقف على أنه البديل الثوري والعقلاني الذي من شأنه أن يرث سلطة البروليتاريا ولاعقلانية السلطة وأن يحمل الوزر على أكتافه وأن يدشن لبداية نهضة عقلانية جديدة، وبين تلك النظرة التشاؤمية التي تجد مرجعيتها في التحليل النفسي للذات المثقفة، والتي أظهرت لنا أن المثقفين العرب مصابون بعقدة أوديبية تجاه تراثهم، و أنهم بحالة من العصاب المرضي تجاه الغرب (الخوف من الخصاء) وبالتالي لا نفع فيهم.

هذه الأطروحة التي نعثر عليها في أعمال جورج طرابيشي وبخاصة في عمله "المثقفون العرب والتراث، 1990 " وفي "مذبحة التراث، 1993".

وإذا كانت مجموع المحاولات السابقة تصدر عن هاجس ضمني إلى تجاوز ما ذكرناه، فإنها سعت بالمقابل إلى نقد جذري، وإلى تأصيل حقيقي لدور المثقف وذلك في إطار سعي حثيث يهدف إلى تجاوز حالة الفراغ التي يولدها النقد السابق والفهم السابق على حد تعبير الجابري وإلى البحث عن أصل المثقف.

يقول الجابري الذي أفزعته الحالة السائدة: "حينما بدأت أفكر في الكتابة في موضوع "المثقفون في الحضارة العربية" انتابني شعور بالفراغ... وعندما بدأت أحلل هذا الشعور بالفراغ، وأخذت في تحديد أسبابه تبين لي أنه راجع إلى كون عبارة "المثقفون في الحضارة العربية" لم تجد في ذهني مرجعية ترتبط بها، بل بقيت مهزوزة لا سند لها، لا ترتبط بشيء معين في الثقافة العربية التي لم تبادر بسرعة إلى إسعافي بجواب".

من هنا نفهم سعي الجابري إلى بناء مرجعية لمفهوم المثقف في الثقافة العربية وإلى تأصيل دوره من خلال البحث عن أصله ونسبه وذلك بتجاوز حالة الفراغ السائدة التي تجعل من المثقف في إطار بحثها عن مرجعيته في الغرب، معلقاً في الفراغ؟.

في الحقيقة، إن ما يجمع هذه الدراسات هو إجماعها على جعل المثقف موضوعا للنقد والمراجعة في إطار السعي إلى تأصيل دوره.

وهذه هي جهود إدوارد سعيد في بحثه عن المثقف البطل والمثالي الذي من شأنه أن يقول كلمة الحق وأن يتصدى لاستبدادية المؤسسات الحديثة، وفي دفعه إلى الواجهة بثنائية المثقف والسلطة من جديد وهذا ما أكد عليه الجابري وأومليل وأركون.

في المقابل نجد أن ما يفرق هذه الدراسات هو أن هناك اتجاهاً لا يرى فائدة من وجود المثقف، وأشير إلى جهود علي حرب وعبد الإله بلقزيز وإلى فهمي جدعان، فهذا الاتجاه يرمي إلى الإجهاز على المثقف وحرقه على أمل انبعاثه من رماده من جديد بصورة المفكر الذي يضفي عليه جدعان هالة من الأسطورة، تجعله محط آمال ومعقد رجاء، ولكن دون أن نهتدي إلى مكانه وإلى طبيعة أفكاره؟.

كانت نزعة التشاؤم عند كل من علي حرب وعبد الإله بلقزيز التي تقع على التضاد من مساعي الجابري وأركون وإدوارد سعيد، قد حظيت باهتمام إعلامي تستحقه لجرأتها وقدرتها على كشف المستور والمخبوء في خطاب المثقف التقدمي وممارسته، في إيديولوجياه المموهة وفي أوهامه السادرة في غيِّها دون أن تلوح في الأفق إمكانية برائه منها.

"
مشروعية المفكر هي القيام بنقد المثقف، خاصة بعد أن فقد هذا الأخير أسلحته وأصبح يشكل وجهاً من وجوه المشكلة والأزمة في حياة المجتمع ودورة الثقافة
"
هذه النزعة تلازم فهمي جدعان على طول جانبي الطريق في بحثه عن "الطريق إلى المستقبل".

لا يلتفت جدعان إلى الأكاديميين ولا يعيرهم اهتماماً، فهؤلاء "يغرقون في شبر من الماء" وعندما يلتفت إلى المثقف فهو يوجه نقده إلى "جملة مثقفينا المعاصرين".

ومع أنه لا يريد أن يذهب إلى القول بأن "لا جدوى من المثقفين" فإنه، في نقده للمثقف، يقنعنا بعكس ما يذهب إليه إذ لا جدوى من المثقفين كما نستنتج من قراءته.

فالمثقفون الاتباعيون والمثقفون الحداثيون لم يسهموا إلا في تيسير وجود ثقافي عربي مبتسر مبتور يتمثل في خطابات مجاوزة للتاريخ العياني المباشر: "اغتراب من طرف، قطيعة من طرف، وكلاهما على حد تعبيره شر بكل تأكيد".

ومن وجهة نظره فإن المثقفين لا يأبهون كثيراً بالتأسيس العلمي لأفكارهم في البحث العلمي ولم يخبروا طرائقه على وجه الحقيقة والأحكام، وتعجلهم في إطلاق الأحكام وفي التعميم جد ظاهر.

ويذهب جدعان في نقده مذهباً بعيداً عندما ينتقد أصحاب المشاريع الثقافية، سواء تلك التي تتصل بالعقل أو بالتراث أو بالفلسفة، متهماً إياهم بنقص الأدلة وسيادة الأحكام وانتحال النزعة العلمية، ثم يلتفت بعد ذلك ليكشف عبر منهج التحليل النفسي الذي يغوي كثيرين عن أمراض المثقف النرجسية والنفسية.

وهذا ما يركز عليه عبد الإله بلقزيز في "نهاية الداعية"، فالمثقف كأغلبية الشعراء، شغوف بنفسه مولع بإعجاب الناس به، حريص كل الحرص على هذا الإعجاب، يتلمسه في كل رأي ويبحث عنه في كل مجلس ويتوقع أصداء له في وسائل البث الإعلامي المطبوع والمسموع والمرئي، فإذا ما وقع عليها أخذته عزة الخيلاء، والدلائل كثيرة على أن لديه نزعة التمثل بالنجوم...الخ.

إن جدعان يتساءل: "إذا كان النظر في واقع المثقفين، يكشف في الجملة عن هذه الأحوال والعوارض الذاتية التي لا تبعث على السرور كثيراً، فما جدوى هؤلاء المثقفين في حياتنا؟، وما الذي يمكن أن ننشده لدى أناس تعرض علينا "أفعالهم"، خارج "مستوى الوعي"، هذا الحشد الجسيم من المثالب والنقائص وضروب الضعف؟

ما الذي نستطيع أن نرجوه، وأن نفيده من أفراد ينشدون التقدم بوعي الأمة أو المجتمع وهم في وعيهم معطوبون قيمياً؟".

إن جدعان يقودنا إلى النتيجة السهلة أن لا جدوى من هؤلاء المثقفين في حياتنا، ويتساءل أين تكمن الجدوى، والجواب الذي يقدمه هو أن الجدوى تكمن في المفكرين الذين تضفى عليهم قيمة مثالية وأسطورية.

"إنهم في الحقيقة أكثر من أن يكونوا مجرد مثقفين عاديين أو حقيقيين، إنهم أفراد مسلحون بقدر واسع من العلم والخبرة ودقة المعرفة ورهافتها والكفاية النظرية والحساسية النقدية والقدرة التحليلية والتركيبية والاطلاع الشامل المدقق على حركة العصر وتطورات الأحوال البشرية، وهم أيضاً أحرار في الفكر متعالون على الواقع، يتفحصون هذا الواقع عن كثب ومن عل وعن بعد بعين البصيرة والحماسة والبراءة والنزاهة، تعمر قلوبهم روح المحبة، والتسامح والعدالة والخير العام..الخ "

وهذا ما يقوله علي حرب الذي يرى أن مشروعية المفكر، هي القيام بنقد المثقف، خاصة بعد أن فقد هذا الأخير أسلحته، وأصبح يشكل وجهاً من وجوه المشكلة والأزمة في حياة المجتمع ودورة الثقافة، ومن هنا تبشيره أيضاً بدور المفكر بعد أن فشل المثقف في إذكاء دوره، ولذلك فهو لا يرى دوراً للمثقف إلا في ظل المفكر وحسناً أن نطلق عليه النار لنتخلص من كل هواجسه؟.

"
الساحر الجديد الذي يعزف أوركسترا النهضة الجديدة لا نعثر له على أثر حتى في أوقات الأزمات والحروب التي تحتاج إلى تمائمه وتمتماته، مما يثبت لنا أن المفكرين مثل الشعراء والمثقفين "في كل واد يهيمون"
"
إن جدعان وحرب يجعلان من المفكر وريثاً للمثقف، يقولان به قولاً سحريا يجعل منه ساحراً جديداً، ولكنهما حين يبنيان آمالهما على المفكر فإنهما يرسمان لنا هالة من الأسطورة حول المفكر، بحيث تحجب هذه المفكر/الإنسان وراء هالة الساحر/الأسطورة الذي تضفى عليه جميع صفات البطل الميثولوجي كما يظهره النص السابق الذي أوردناه على لسان جدعان.

والمفارقة تكمن في أننا نتيه في أروقة هالة الأسطورة التي يسوقها جدعان دون أن نعثر على المفكر في الواقع، إن جدعان يرمي بمجموع المشاريع الفكرية العربية التي جاء بها الجابري وحنفي والعروي إلى الخارج، متهماً إياها بنقص الأدلة وسيادة الأحكام الانطباعية وانتحال النزعة العلمية..الخ

ويتساءل القارئ والباحث إذا كان هؤلاء ليسوا من معشر المفكرين فأين يمكن البحث عن المفكر العربي الحر المتعالي النزيه كما يحلو لجدعان وصفه، عن هذا الساحر الجديد ذي البصيرة الثاقبة الذي ما إن يتمتم ويصفق بيديه حتى يحل جميع إشكاليات الفكر العربي المعاصر باستثناء واحدة.

فعندما نسأل جدعان أين هذا الساحر الجديد الذي يعزف أوركسترا النهضة الجديدة فهو لا يدلنا عليه ولا نعثر له على أثر حتى في أوقات الأزمات والحروب التي تحتاج إلى تمائمه وتمتماته.

بهذا يثبت لنا أن المفكرين مثل الشعراء والمثقفين "في كل واد يهيمون"؟



__________________

كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة