ما السبب وراء اعتلال فرنسا؟   
الاثنين 30/1/1435 هـ - الموافق 2/12/2013 م (آخر تحديث) الساعة 17:31 (مكة المكرمة)، 14:31 (غرينتش)
ميشيل روكار



إن فرنسا تعاني مرضا خطيرا، وهي مريضة في واقع الأمر إلى الحد الذي دفع مؤسسة ستاندرد آند بورز مؤخرا إلى خفض تصنيفها الائتماني السيادي، وهو ثاني خفض لتصنيف البلاد في أقل من سنتين.

وكان ذلك قرار الخفض مصحوبا بتحذيرات مفادها بأن إصلاحات الميزانية والإصلاحات البنيوية التي نفذتها إدارة الرئيس فرانسوا هولاند -على مدى العام الماضي- لم تكن كافية لتحسين توقعات النمو في فرنسا في الأمد المتوسط.

والآن تدفع الضغوط فرنسا إلى تبني إصلاحات بنيوية تغطي كل شيء من أسواق العمل إلى النظام الضريبي.

ورغم أن خفض ستاندرد آند بورز لم يكن متوقعا، فإنه لم يكن صادما تماما، فقد تسبب الانحدار الأخير في الناتج الصناعي بفرنسا في خلق عجز تجاري ضخم، ويعمل هذا على تقويض قدرة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم التنافسية.

رغم أن خفض ستاندرد آند بورز للتصنيف الائتماني لفرنسا لم يكن متوقعا، فإنه لم يكن صادما تماما، فقد تسبب الانحدار الأخير في الناتج الصناعي  بفرنسا في خلق عجز تجاري ضخم، ويعمل هذا على تقويض قدرة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم التنافسية

ويبلغ معدل البطالة نحو 11%، حيث تم تسجيل 3.3 مليون عامل كعاطل في أكتوبر/تشرين الأول.

ومن ناحية أخرى، تعمل الأزمة السياسية على عرقلة مساعي الحكومة الرامية إلى تنفيذ الإصلاحات الصعبة.

وقد برهن زعماء فرنسا على عجزهم عن نقل خبرات الماضي بفاعلية أو تطبيقها في تحليل التهديدات الحالية.

وبدلا من ذلك، لجأ قادة فرنسا إلى تكتيكات التضليل من خلال الانهماك في معارك خطابية مبالغ فيها حول خلافات طفيفة، ولكن لا يمكنهم أن يتجاهلوا مشاكلهم إلى الأبد، وقد تكون العواقب المترتبة على تأخير الإصلاحات التي تحتاج إليها فرنسا مأساوية.

ولكن رغم هذا، فبالنظر إلى مشاكل فرنسا من منظور أوسع سوف يتبين لنا أنها أعراض لمرض يؤثر في الاقتصاد العالمي بالكامل (بما في ذلك بلدان الاتحاد الأوروبية الجنوبية)، ففي العقود الأخيرة، أنتجت الرأسمالية غير المقيدة تحويرات كبيرة في مختلف أنحاء العالم.

بادئ ذي بدء، بات التصنيع سبيلا عفا عليه الزمن، ففي البلدان المتقدمة أصبحت سوق المشتريات الأولى من سلع الأسواق الضخمة مثل السيارات والثلاجات وأجهزة التلفزيون مشبعة، في حين أصبحت السوق الثانوية للسلع المستعملة والمجددة أقل ديناميكية، وهذا يعني تقويض فرص العمل في مجالات مثل الإصلاح والتجديد.

وفي غياب أي سلعة صناعية لا تزال في احتياج إلى قوة عمل ضخمة، وعجز صناعات الاتصالات والخدمات عن شغل الفراغ الناتج، فإن فرص العمل آخذة في التقلص وأصبح النمو الاقتصادي راكدا.

وينبع التحول الثاني من الهيمنة المفرطة من قِبل المساهمين، والتي كانت في ارتفاع لأكثر من ثلاثة عقود من الزمان.

فمن خلال التجمع في صناديق التقاعد والاستثمار وصناديق التحوط بات بوسع المساهمين فرض ضغوط كبيرة على الشركات لاستخلاص الأرباح، باستخدام مكافآت تستند إلى الأداء من أجل اكتساب الدعم التنفيذي لسياساتهم المفضلة.

وقد أدى هذا إلى ارتفاع معدل تدوير الرؤساء التنفيذيين، وعطاءات الاستحواذ، وإعادة الهيكلة بأنواعها كافة، وكل هذا من شأنه أن يخلف عواقب بعيدة المدى.

في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية هبطت حصة الأجور في الناتج المحلي الإجمالي بنحو عشر نقاط مئوية في المتوسط لكي تصل إلى 57% تقريبا. وتتراوح الأرقام التراكمية للسنوات الثلاثين الماضية بين مائتين وثلاثمائة تريليون دولار.

ولهذا السبب فإن الاستهلاك، المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي، ظل راكدا منذ عام 2000، في حين ارتفعت معدلات البطالة في كل مكان تقريبا، الأمر الذي أدى إلى خلق حالة من عدم الاستقرار والتي تؤثر حتى في أولئك الذين لا تزال لديهم وظائف.

وكان التحول الثالث الذي طرأ على الرأسمالية تلك الهيمنة المفرطة من قِبل الأسواق المالية على الاقتصادات والمجتمعات.

والواقع أن المديرين الماليين والصناعيين يتقاضون أجورا ومكافآت بمستويات يصعب مجرد تصورها في أغلب بلدان العالم.

المديرون الماليون والصناعيون يتقاضون أجورا ومكافآت بمستويات يصعب تصورها في أغلب الدول، وقد أدى التوسع غير المقيد للأسواق المالية، خاصة انتشار الروافع المالية (الإنفاق بالاستدانة)، بشكل مباشر إلى اندلاع الأزمة المالية 2007-2008

كما أدى التوسع غير المقيد للأسواق المالية، خاصة انتشار الروافع المالية (الإنفاق بالاستدانة)، بشكل مباشر إلى اندلاع الأزمة التي اجتاحت النظام المصرفي الغربي في الفترة من 2007-2008.

وفي محاولة لاحتواء تداعيات الأزمة، لجأت الحكومات إلى زيادة الديون العامة، بما في ذلك في بلدان كانت موازناتها العامة ضعيفة إلى حد كبير بالفعل بسبب انحدار نمو الناتج المحلي الإجمالي.

وفي العديد من البلدان، خاصة في جنوب أوروبا، تعمل الظروف الاقتصادية القائمة على توليد التوترات الاجتماعية، وعدم الاكتراث السياسي، والاضطرابات المدنية، والإجرام، ويعمل شبح تغير المناخ على تفاقم مخاوف عامة الناس.

ومن الواضح أن هذه ليست البيئة المثالية التي تسمح لفرنسا -ناهيك عن الاقتصادات المتعثرة في جنوب أوروبا- بتنفيذ الإصلاحات البنيوية الصعبة، ولكن من خلال تغيير عقيدتها الاقتصادية تستطيع أوروبا أن تحسن من آفاقها إلى حد كبير.

فبدلا من الاستمرار على المسار التقليدي الذي تقوده ألمانيا، والذي تسبب من خلال التقشف الهدام والانكماش (الذي أدى إلى هبوط الأجور والأسعار المحلية) في تحويل الاستقرار إلى ركود، يتعين على أوروبا أن تعمل على تطوير إستراتيجية قائمة على النمو من أجل التغلب على الأزمة إلى الأبد.

إن العديد من أهل الاقتصاد -بما في ذلك بول كروجمان وجوزيف ستيجليتز الحائزين على جائزة نوبل- يدعون إلى هذا التحول السياسي على وجه التحديد في أوروبا.

وفقط من خلال الالتفات إلى توصياتهم، والبرهنة على القدرة المشتركة على التفكير للأجل البعيد  والالتزام به تستطيع فرنسا وجاراتها المتعثرة في جنوب أوروبا أن تبدأ أخيرا في التعافي بالقوة الكافية للقيام بما يتعين عليها أن تقوم به من أجل صحتها في الأمد البعيد.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة