لماذا لا نحاور اليهود؟   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ محمد سليم العوا

في مقالي الأول من هذه السلسلة (الحوار الإسلامي المسيحي-يونيو 2004) أشرت إلى أن مناقشات ساخنة، في الصحافة القطرية وغيرها، قد أعقبت الحوار الإسلامي المسيحي الذي انعقدت دورته الثانية في العاصمة القطرية (الدوحة) من 27-29 مايو/أيار2004.


أنا أستخدم تعبير اليهود عمدا لا للتعبير عن اعتناق الدين، وإنما للتعبير عن الموقف العدائي المعلن من كل ما هو عربي مسلما كان أم مسيحيا الذي يتخذه اليهود المعلنون لصهيونيتهم والمخفون لها وإن واطؤوا الصهيونية
في كل قول وفعل
كان أهم هذه المناقشات وأكثرها حدة متصلا بموضوع إشراك اليهود في الحوارات التي تجري بين أهل الدينين: الإسلام والمسيحية، باعتبار اليهودية هي الديانة الإبراهيمية الثالثة -حسب الأصل- التي بدأت بها منظومة الأديان التوحيدية الكبرى التي كتب لها الله تعالى أن تبقى على الأرض إلى نهاية الزمان.

جاءت الدعوة إلى إشراك اليهود في الحوار في لقاء قطر في الكلمة الرسمية التي ألقيت نيابة عن أمير البلاد في جلسة افتتاح الحوار الإسلامي المسيحي. ولم يعقب عليها أحد من الجالسين يومئذ على المنصة، مع أنه كان فيهم الأخ الجليل العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، والشيخ الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر، وقداسة البابا شنودة الثالث بطريرك الإسكندرية وسائر أفريقيا للأقباط الأرثوذكس. ولكل منهم مواقف معلنة من مسألة التعامل مع اليهود الصهاينة.

فأما الأخ الجليل الشيخ القرضاوي فمواقفه أكثر من أن تعد وأشهر من أن يشار إليها وهو لم يغير منها قيد شعرة منذ بدء العدوان الصهيوني على فلسطين المحتلة، يوم كان شابا أزهريا نابها، وإلى اليوم وقد أصبح إماما يسلم الكافة له ويرجعون إلى علمه، ويأخذون على محمل الجد التام آراءه وأفكاره وفتاواه.

وأما البابا شنودة الثالث فله موقف ثابت من التعامل مع العدو الصهيوني، حاصله أنه ما لم يتوقف العدوان المستمر على الشعب الفلسطيني وتعود القدس المسيحية الإسلامية إلى أهلها العرب المسلمين والمسيحيين فإن التعامل مع الصهاينة لا يجوز.

ويوم تجاسر بعض الأقباط المصريين على زيارة القدس -وهي محج المسيحيين كافة- اتخذ البابا شنودة قرارا بالغ الجرأة بحرمانهم كنسيا، والحرمان هو أخطر ما يقع للمسيحي من حيث علاقته بكنيسته، وبقي هذا الحرمان قائما على الرغم من كل الضغوط التي مورست على قداسة البابا شنودة، إلى أن نشر هؤلاء -زرافات ووحدانا- اعتذارات في الصحف اليومية عما فعلوه من مخالفة لتعليمات الرئاسة الروحية المسيحية للأقباط الأرثوذكس.

وجرى بيني وبين قداسة البابا حوار حول هذه المسألة في إبانها، كنت ألتمس فيه عذرا لمن حملهم الحرص على الحج إلى بيت المقدس على ما فعلوه، فكان جوابه -الذي لا أملك البوح به- مما زادني تقديرا له واحتراما.

وأما الشيخ الدكتور محمد سيد طنطاوي فرسالته للدكتوراه (العالِمية من درجة أستاذ سابقا) التي عنوانها (بنو إسرائيل في القرآن والسنة) مطبوعة طبعات عديدة، آخرها طبعة دار الشروق في القاهرة سنة 1997، ولا ينقضي عجبي من عدم قيام هذه الدار العريقة بتوزيعها على أوسع نطاق وهي تحمل اللقب الجليل لمؤلفها (الإمام الأكبر-شيخ الأزهر)، ولا أدري لذلك سببا، وما نقله لي بعضهم من أسباب ذلك لا أصدقه.

وهذه الرسالة ناطقة -كما يقول صاحبها في مقدمتها- بمسالك "اليهود لكيد الإسلام والمسلمين، وقد سُقْتُ (أي المؤلف) عشر وسائل من وسائلهم الخبيثة التي اتبعوها لكيد الإسلام والمسلمين". وعن "نعم الله على بني إسرائيل، وعن موقفهم من هذه النعم، وكيف أدت بهم مواقفهم الجحودية إلى سوء العُقبى في الدنيا والآخرة" و"عن دعاواهم الباطلة كما حكاها القرآن الكريم عنهم، وكيف رد القرآن عليهم بما يخرس ألسنتهم ويفضح أكاذيبهم" (مقدمة طبعة دار الشروق -مؤرخة في 22 من المحرم 1418هـ = 29 من مايو/ أيار 1997م ص 6و7).

وعندما التأم شمل المشاركين في حوار قطر الإسلامي المسيحي بعد جلسة الافتتاح لتناول طعام الغداء، سئل العلامة الدكتور يوسف القرضاوي عن الدعوة إلى إشراك اليهود في الحوار، فتبين للسائل أن الدكتور القرضاوي لم يلتفت -بسبب خفوت الصوت- إلى هذا الأمر عندما قيل على المنصة، لكنه أجاب السائل بكل قوة برفضه لهذا العمل واعتراضه عليه، وعدم جوازه شرعا وملاءمة (سياسة) في الظرف الحالي من الصراع العربي الإسلامي المسيحي الصهيوني... إلخ ما ذكره.

ثم جعل هذا الموضوع جزءا طويلا من خطبته الجامعة التي ألقاها في اليوم التالي من منبر الجمعة في قطر ونقلتها وسائل الإعلام المحلية والعربية نقلا مباشرا، ونشرتها صحف قطر كلها في يوم السبت الذي كان ثالث أيام لقاء الحوار هناك. ولم يتح لي أن أعرف ردَّ البابا شنودة على هذا الموضوع.

وأستطيع تَوقع رد الشيخ الدكتور محمد سيد طنطاوي من مواقفه الخاصة بلقاء حاخامات اليهود في دار مشيخة الأزهر، التي كانت محلا لسجال طويل بيني وبينه على صفحات صحيفة الشعب المصرية في شهر شعبان من سنة 1418هـ شهر ديسمبر/ كانون الأول 1997م، ثم بينه وبين الأخ الجليل العلامة الشيخ محمد مهدي شمس الدين -برد الله مضجعه- في غضون سنة 1421هـ/2001م. (راجع في ذلك كتابنا: شخصيات ومواقف عربية ومصرية، دار المعرفة، بيروت 2004 ص 185-192 و331-337، وقد نشرت فيه -لأول مرة- نص رسالة آية الله الشيخ محمد مهدي شمس الدين التي كتبها من فراش مرضه الأخير في باريس وأرسلها إلى شيخ الأزهر، وعندي أصل لها بخطه رحمه الله).

عندما دعونا جمهورا من المثقفين المصريين لإعلان إنشاء جمعية مصر للثقافة والحوار في القاهرة، سنة 1998، كان الاستثناء الوحيد الذي حرصنا على إعلانه -فيمن تتجه النية إلى محاورتهم- هو الصهاينة. ولقي هذا التصريح ما يشبه الإجماع من الحاضرين الذين كانوا نحو مائتين وخمسين من صفوة المثقفين المصريين على اختلاف مدارسهم الفكرية وانتماءاتهم السياسية.

وعندما عُرِضَت -أكثر من مرة- في اجتماعات الفريق العربي للحوار الإسلامي المسيحي فكرة مدى جواز الاشتراك في حوار يضم عناصر صهيونية أو يهودية أوروبية أو أميركية، كان ما يشبه الإجماع على عدم جواز ذلك، وعدم رغبة الفريق في المشاركة فيه تحت أي ظرف.

وأقول ما يشبه الإجماع لا لأن أحدا اعترض -في أي مرة- ولكن لأن بعض المشاركين في الفريق -من فضلاء المسيحيين والمسلمين جميعا- لهم رأي في الحوار، من حيث العموم، أنه لا بأس به ولو مع الشيطان نفسه(!) لكن أحدا -في أثناء مناقشة هذا الأمر- لم يَدْعُ إلى قبول الحوار الذي يضم صهاينة أو يهودا ممن هم، في واقع الأمر، على شاكلة الصهاينة عداوة للعرب والمسلمين.


هناك موقف عربي واحد تقريبا من مسألة الحوار مع اليهود ”
هناك موقف عربي واحد -تقريبا- إذن من مسألة الحوار مع اليهود، وأنا أستخدم تعبير اليهود عمدا، لا للتعبير عن اعتناق الدين، وإنما للتعبير عن الموقف العدائي المعلن من كل ما هو عربي -مسلما كان أم مسيحيا- الذي يتخذه اليهود المعلنون لصهيونيتهم، والمخفون لها وإن واطؤوا الصهيونية في كل قول وفعل، وناصَروهم بالمال والرأي والفكر في كل عدوان على أراضينا وأهلينا ومقدساتنا المسيحية والإسلامية جميعا.

وشأني في ذلك شأن الشيخ محمد سيد طنطاوي، الذي استخدم في رسالته تعبير (بنو إسرائيل) وهو لا يقصد قطعا مذمة نبي الله يعقوب (إسرائيل) ولا مذمة أبنائه الأنبياء (الأسباط)، فكل ذلك محرم في الإسلام، وإنما يقصد الإشارة إلى القوم الذين اتخذوا العداء للإسلام دينا ومذهبا وقومية وشعارا، منذ ظهر الإسلام، بالوحي إلى محمد صلى الله عليه وسلم، إلى يوم الناس هذا.

وسبب ذلك الموقف الموحد لا يخفى على أحد، فالذي يفعله اليهود في فلسطين لا يمكن حصره، ويكفي أن يطلع القارئ على أي نشرة أخبار في أي إذاعة، أو على شاشة أي قناة تلفزيونية، على القتل المستشري في النساء والأطفال والشيوخ من العامة الذين لا يقاتلون ولا يحملون سلاحا ولا يساعدون مقاتلا من أهل فلسطين.

ويكفي أن يرى القارئ صور تجريف الأراضي الزراعية الذي يتم كل يوم، وصور هدم البيوت وتشريد أهلها منها بالمئات كل يوم، وصور اقتلاع الأشجار المثمرة المعمرة، التي عمر بعضها فوق المائة سنة، بأدوات الحرب الصهيونية -لا بأدوات المزارعين- كل يوم، وصور حرق الأسواق وإتلاف ما فيها من الأموال القليلة التي يملكها الفلسطينيون، وصور طوابير المواطنين الواقفين بين قرية عربية فلسطينية وأخرى على حواجز "الأمن" الصهيونية بالأيام لا بالساعات ولا بالدقائق.

ويكفي أن يتابع القارئ أخبار "معبر رفح" على الحدود المصرية الذي تغلقه القوات الصهيونية أياما متوالية بحيث يتجمع في الجانب المصري من أرضنا العربية بضعة آلاف معظمهم مرضى وكبار السن، وفيهم النساء وأزواجهم عاجزون عن تقديم أي حماية لهن، وفيهم الرضَّع وأمهاتهم لا يقدرن على رعايتهم بعشر ما يستحقون ويحتاجون من الرعاية. والمنظمات الطبية الإسرائيلية تناشد العالم كله التدخل لإنقاذ هؤلاء المساكين من الظلم والعنت الصهيوني، والصهاينة يقولون -بكل بساطة ووقاحة- إنهم يغلقون المعبر لدواعٍ أمنية. ثم يفتحونه لعبور عدة مئات، ويعيدون إغلاقه أياما محتجزين وراءَه عدة آلاف.

ويكفي أن يتابع القارئ أخبار حصار الكنائس وهدم المساجد وحرقها في القرى الفلسطينية، إن استطاعت وسائل الإعلام تسريب هذه الأخبار من وراء الحصار الصهيوني الحديدي المضروب عليها.

ويكفي أن يسمع القارئ عن الخطة التي نشرت أنباؤها مؤخرا (في الأسبوع الثالث من يوليو/ تموز 2004) عن الإعداد لقصف المسجد الأقصى بالطائرات لنسفه من على الأرض نسفا، وقد نشرت مع هذه الخطة صور لأعضاء "جماعة الهيكل" أمام مجسم للهيكل المزعوم الذي يريدون بناءَه مكان المسجد الأقصى، وربما باستخدام أنقاضه بعد هدمه.

ولا يقوم بذلك الصهاينة في أرضنا المحتلة وحدهم، بل هم لا يستطيعون القيام به أصلا لولا الدعم المالي والسياسي والعسكري الأميركي والأوروبي، الذي يوفره يهود أوروبا وأميركا بجماعات المصالح وجماعات الضغط المنتشرة هناك التي تتكاثر كل يوم، وليس كل أعضائها يعلنون صهيونيتهم بل أكثرهم يخفونها مكتفين بإعلان يهوديتهم وبزعم ساميتهم.

إن القرآن الكريم يحدد لنا دستور التعامل مع أهل الكتاب في سورة الممتحنة بقوله تعالى (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين. إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون) من سورة الممتحنة: الآيتان 8-9.


نرفض الحوار مع اليهود الصهاينة ونتوقف فيه مع اليهود غير الصهاينة -إن وجدوا- حتى يقوم الدليل على خروجهم من حكم آية الممتحنة الذي يمنعنا من موالاة المقاتلين لنا في الدين المخرجين لنا من الديار، والمظاهرين على هذا الإخراج
وأي تول للمقاتلين لنا في الدين المظاهرين على إخراجنا من بيوتنا وأرضنا أكبر من الجلوس معهم على موائد الحوار، والدخول معهم في تفاصيل كيفيات الحياة معا التي لا يقبلون بها إلا إن خضعنا لهم وانقدنا لحكمهم ودخلنا تحت سلطانهم؟! وهيهات ثم هيهات.

والقرآن الكريم يصف حال اليهود في عداوتهم للمسلمين بقول الله تعالى (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون) من سورة المائدة: الآية 82.

وحال اليهود في عداوتهم للذين آمنوا يوم نزل القرآن هي حالهم اليوم، لم تزدهم الأيام إلا سوء طبع، ولم يزدهم تأييد الأميركيين والأوروبيين لهم إلا بغيا وطغيانا.

إنَّ الحوار بين أهل الأديان -على ما بينته في مقاليَّ السابقين- لا يرمي إلا إلى تحقيق "العيش الواحد" داخل الوطن الواحد، وتحقيق "العيش المشترك" بين المختلفة أوطانهم وديارهم. فكيف يتصور أحد أن "العيش الواحد" في أكبر منطقة عربية إسلامية مسيحية، فيها يهود، أعني فلسطين، ممكن؟!

وكيف يتصور أحد أن "العيش المشترك" ممكن مع الذين يظاهرون الصهيونية ويؤيدونها بالمال والسلاح والنفوذ والفكر، ويقرون جرائمها بوصفها حقا في الدفاع عن النفس، ويشترطون توقف كل مقاومة للاستعمار والاستيطان قبل أن يرضوا بمجرد الكلام معنا؟! ويوشكون على إعلان الحرب على إيران بدعوى عدم تصريحها بتفصيلات تتعلق ببرنامجها النووي، وعلى سوريا بزعم تأييدها الحق في المقاومة المشروعة وهي عندهم إرهاب ممنوع. وهم مع ذلك يعلنون دون خجل تأييدهم حق إسرائيل في تملك السلاح النووي لردع أعدائها العرب.

لذلك كله، ولغيره، مما بينه الشيخ الدكتور محمد سيد طنطاوي في كتابه القديم، وما بينه العلامة محمد مهدي شمس الدين -رحمه الله- في رسالته إلى شيخ الأزهر، وما بينه الشيخ يوسف القرضاوي في خطبته الجامعة التي أشرت إليها آنفا.. لذلك كله نرفض الحوار مع اليهود الصهاينة، ونتوقف فيه مع اليهود غير الصهاينة -إن وجدوا- حتى يقوم الدليل على خروجهم من حكم آية الممتحنة الذي يمنعنا من موالاة المقاتلين لنا في الدين المخرجين لنا من الديار والمظاهرين على هذا الإخراج.
ــــــــــــــــــ
رئيس جمعية مصر للثقافة والحوار

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة