من الرياض إلى الرباط.. جدلية الإرهاب والعدل والحرية   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

بقلم/ محمد بن المختار الشنقيطي*

-تفسيرات واجتهادات
-عودة إلى العراق.. لماذا الحرب إذن؟
-استسهال القتل واستعجال الثمرة
-من الرياض إلى الرباط

يصعب الحديث عن الإرهاب دائما، وترجع هذه الصعوبة إلى أن الإرهاب عمل غير شرعي، إلا أنه كثيرا ما يكون دفاعا عن قضايا شرعية. وهذه الطبيعة المركبة للمسألة تجعل كل تفسير للظاهرة قد يُفهم على أنه تبرير، فمن أيد العمل الإرهابي أيد عملا غير مشروع لا يجوز تأييده من الناحية الأخلاقية، ومن أدانه فقد تُفهم إدانته على أنها موقف ضد القضايا الشرعية التي يقاتل الإرهابيون من أجلها.

تفسيرات واجتهادات


إذا أراد الأمريكيون أن يقضوا على الإرهاب حقا، فما عليهم سوى التحالف مع الشعوب ضد الأنظمة المتصلبة، بدلا من العكس السائد اليوم
وقد كثرت التفسيرات والتحليلات حول تفجيرات الرياض والدار البيضاء الأخيرة. فقد فسرتها العديد من وسائل الإعلام الأمريكية بما تدعوه "الإسلام الوهابي". ومن أمثلة ذلك ما ورد في افتتاحية صحيفة "الوول ستريت جورنال" الأمريكية يوم 14/05/2003 من أن تفجيرات الرياض نابعة من "الإسلام الوهابي"، وأنها "نبعت من نفس الأرض التي منحت العالم خمسة عشر من أصل المختطفين التسعة عشر في هجمات 11 سبتمبر، نفس الأرض التي حولت خمسمائة مليون دولارا للقاعدة، نفس الأرض التي ولد فيها أسامة بن لادن".. وتوصلت الصحيفة إلى أن "الأمراء الحاكمين في السعودية يهتمون بحماية وضعهم المريح أكثر مما يهتمون بمراقبة ما يبث على منابر مساجدهم وفي قاعات مدارسهم".

وربما كان هذا الهجومُ السافر على الأمراء السعوديين في الإعلام الأمريكي هو السبب في ظهور مستشار ولي العهد السعودي عادل الجبير على شاشة سي أن أن، وهو مختنق الصوت، وقد انحبست الدموع في عينيه، ليعلن على الملإ: "لقد فشلنا يوم الاثنين الماضي، وسنستخلص الدرس من ذلك". وهو يقصد بذلك بالطبع الفشل الأمني في منع التفجيرات.

أما وزير الإعلام المغربي فقد فسر التفجيرات بأنها اعتداء على "الحرية والتعددية السياسية في المغرب".. وتجاهل المسببات السياسية والاجتماعية لذلك.

عودة إلى العراق.. لماذا الحرب إذن؟

من آثار التفجيرات في الدار البيضاء
أما التفسير الآخر لظاهرة الإرهاب فهو أن السياسة الأمريكية بالمنطقة العربية هي منبع الإرهاب والعنف السياسي. وقد كتب الصحفي البريطاني روبرت فيسك مقالا عن التفجيرات الأخيرة في صحيفة "الإندبندنت" يوم 18/05/2003 ينحو هذا المنحى، وبدأه بالقول: "سبعون قتيلا في أسبوع واحد. شكرا للحرب ضد العراق، شكرا للسيد بوش وللسيد بلير لجعلهما عالمنا أكثر أمنا"!!.

ولم يكن فيسك - الذي عنون مقاله بهذا العنوان: "فلماذا الحرب إذن؟" – هو الوحيد في فهم التفجيرات الأخيرة في الرياض والدار البيضاء باعتبارها قرينة على فشل سياسات القوة التي انتهجتها واشنطن ولندن، بل شاركه في ذلك آخرون كثير، منهم الكاتبة "مورين دوود" من صحيفة "نيويورك تايمز" التي اعتبرت تفجيرات الرياض دليلا على فشل سياسات الرئيس بوش، ورؤيته الاستراتيجية. وذكرت الكاتبة بتصريح بوش منذ أيام أن "القاعدة لم تعد مشكلة" ثم جاءت التفجيرات "لتنسف عددا من المسلمات التي اعتمدتها إدارة الرئيس بوش، ومن هذه المسلمات أن القاعدة انتهت، وأن القضاء على صدام حسين سيجلب الاستقرار إلى المنطقة، وأن التباهي بالقوة سيردع الإرهابيين" (نيويورك تايمز 14/05/2003).


إن أغلب الذين يرتكبون أعمال العنف السياسي في الدول العربية يستسهلون القتل، ويستعجلون الثمرة، قد يئسوا من الإصلاح والتغيير السلمي، وفقدوا كل أمل في تحقيق العدل بالتراضي
وهذا تفسير صحيح وإن كان جزئيا، فقد هزمت أمريكا القاعدة في أفغانستان هزيمة عسكرية، لكنها منحتها نصرا معنويا بغزوها العراق، مما فتح للقاعدة مجالا لاستكتاب مقاتلين جدد، واكتساب تعاطف كثيرين ممن أدانوها بالأمس. وربما كان السياسي السعودي المعارض سعد الفقيه محقا حينما كتب في مقال له بصحيفة الغارديان منذ أيام: "إن غزو العراق كان هدية من أمريكا لبن لادن" (الغارديان 13/05/2003).

إن السياسة الأمريكية التي تجعل دعم الاستعمار الإسرائيلي ومساندة الأنظمة المستبدة أهم ثوابتها.. منبع أساسي من منابع الإرهاب، ومصدر رئيس من مصادر مدده، وهذا أمر لا تدركه الغالبية العظمى من الشعب الأمريكي بكل أسف، رغم أن السياسة الأمريكية أشد إضرارا بالشعب الأمريكي من الإرهاب، وقديما قال أحد معارضي الدولة الأموية: "إن أعمال بني أمية أنكى فيهم من سيوفنا". ولو استمرت السياسة الخارجية الأمريكية على منوالها الحالي، فإن القضاء على القاعدة لن يضمن عدم ظهور "قواعد" أخرى تحمل نفس الهم والفكرة، وتتبنى نفس الأسلوب في المنازلة.

ولن يهتم الذين يحملون السلاح ضد السياسة الأمريكية وضد حكامهم مستقبلا أن تسميهم وسائل الإعلام إرهابيين، فدرس التاريخ يشهد أن التسميات لا تعني شيئا في معادلة الصراع بين العدل والظلم وبين الحرية والاستبداد: فقد كان التاج البريطاني يدعو قادة الثورة الأمريكية إرهابيين حتى انتصروا، وكان الفرنسيون يدعون قادة الثورة الجزائرية "قتلة جبهة التحرير" حتى انتصروا.. ومهما يلجأ المظلومون إلى وسائل غير مشروعة، فإنهم يعتبرون أنفسهم دائما أحسن موقفا - من الناحية الأخلاقية - من الظالم الذي تتسم غاياته ووسائله معا بعدم الشرعية.

استسهال القتل واستعجال الثمرة

إن أغلب الذين يرتكبون أعمال العنف السياسي في الدول العربية يستسهلون القتل، ويستعجلون الثمرة، قد يئسوا من الإصلاح والتغيير السلمي، وفقدوا كل أمل في تحقيق العدل بالتراضي، شعارهم بيت أبي القاسم الشابي:

لا عدل إلا أن تعادلت القوى وتصادم الإرهاب بالإرهابِ


التحالف مع نظام قمعي ضد شعبه حل سهل، لكنه لن يدوم في ظل الرفض الشعبي العارم للاستبداد والفساد
وهم ليسوا قادرين على دفع "ثمن النضال السلمي" - والتعبير هنا مستعار من الأستاذ محمد اليدومي أمين عام التجمع اليمني للإصلاح - وهذا الثمن هو طول النفس، والتدرج والترفق، والصبر على السجون والمضايقات والتشهير.

لكن النضال السلمي هو الذي يضمن ثمرة باقية، لأنه يعتمد استراتيجية توعية الناس بحقوقهم، وزيادة مساحة الحرية يوما بعد يوم، ويراهن على تراكم الوعي المدني بالحقوق والواجبات، مع الحفاظ على السلم الاجتماعي في المجتمعات العربية، وهي مجتمعات هشة ومخترقة سياسيا وثقافيا واقتصاديا واستراتيجيا.

ولي العهد السعودي والرئيس الأميركي
لقد نحت جل الحركات الإسلامية هذا المنحى، وقررت منذ مطلع الثمانينيات العمل من داخل النظام السياسي – على علاته – والقبول بحرية جزئية وبعدالة جزئية، أملا في أن المسيرة إذا بدأت ستتحسن وتتوسع مع الزمن.

لكن هذه الحركات لقيت صدودا وإعراضا من الحكام ومن ظهيرهم الدولي، وتعرضت لقمع شديد دون أن ترفع يدا بعنف، أو ترتكب عملا إرهابيا، وما السجون الملأى بسجناء الضمير في تونس ومصر وموريتانيا اليوم، والأسرى والمفقودون في سجون سوريا والمغرب منذ عقود سوى أمثلة.

وقد تولد عن انسداد الآفاق والقضاء على الآمال في التغيير السلمي في أغلب الدول العربية، أن بدأت الجماعات المؤمنة بالعنف السياسي تكتسح الساحة، وأصبح صوتها أعلى، ووجودها أظهر من وجود الحركات الإسلامية السلمية.

ولن يتم التغلب على هذه المعضلة إلا إذا فهم الحكام وظهيرهم الدولي – خصوصا أمريكا – أن فتح الباب أمام الحركات الإسلامية السلمية للمشاركة في النظام السياسي غدا ضرورة استراتيجية، وأمرا ملحا أكثر من أي وقت مضى. وأن البديل عن ذلك هو بحور من الدماء في المنطقة وفي العالم، وتسليم المبادرة إلى من يؤمنون بالقتال سبيلا وحيدا للمنازلة السياسية، وفتح الباب أمام حروب لم يعد التفرج عليها من بعيد متاحا، بل أصبح الجميع مشتركين في دفع فاتورتها من دمائهم وأموالهم.

من الرياض إلى الرباط


إذا أراد الحكام العرب أن يقضوا على الإرهاب حقا، فما عليهم سوى فتح الباب أمام المؤمنين بالتغيير السلمي للمشاركة في النظام السياسي، والسماح لشعبهم بالتعبير عن نفسه دون تزييف أو مصادرة
لقد أدان كثيرون تنظيم القاعدة من منطلق أخلاقي مبدئي، وأدانه كثيرون من منطلق سياسي تكتيكي، لكن أحدا لن يستطيع القضاء على هذا التنظيم أو وقف عمله ما دام ينافح عن قضية عادلة مثل قضية فلسطين، ويحارب ظلما ماثلا للعيان كالاستبداد والفساد الضارب بأطنابه على المجتمعات العربية.

وأعظم المظالم في الدول العربية اليوم هي سد منافذ التغيير السلمي، ورفض تداول السلطة بالطرق الديمقراطية، وامتهان كرامة الإنسان، وانتهاك حقوقه الأساسية.
لقد تحدث كثيرون عن علاقة الإرهاب بالسياسة الأمريكية، لكنهم أغفلوا جانبا من هذه المعضلة لا يقل أهمية، وهي علاقة الإرهاب بالقهر السياسي، وانعدام الحريات السياسية في الدول العربية والإسلامية.

فالكبت السياسي هو أهم أسباب الإرهاب والعنف.. ولن يتوقف الإرهاب بمواعظ مجردة، أو بإدانات صادقة أو مفتعلة، بل برد الحقوق، والاعتراف بالمساواة السياسية بين أبناء الشعب الواحد.

إذا أراد الأمريكيون أن يقضوا على الإرهاب حقا، فما عليهم سوى التحالف مع الشعوب ضد الأنظمة المتصلبة، بدلا من العكس السائد اليوم.. فالتحالف مع نظام قمعي ضد شعبه حل سهل، لكنه لن يدوم في ظل الرفض الشعبي العارم للاستبداد والفساد.


إنما يكون القضاء على الإرهاب برفع الظلم، وتوفير العدل والحرية، وفتح الباب أمام الوسائل الشرعية للنضال والتغيير. فمتى يفهم قادة أمريكا وقادة العرب ذلك؟ متى؟
وإذا أراد الحكام العرب أن يقضوا على الإرهاب حقا، فما عليهم سوى فتح الباب أمام المؤمنين بالتغيير السلمي للمشاركة في النظام السياسي، والسماح لشعبهم بالتعبير عن نفسه دون تزييف أو مصادرة. فالحل الأمني حل سهل، لكنه لن يدوم، وقد وصل الأمر حافة الهاوية.

لن يتم القضاء على الإرهاب بتباكي مستشار ولي العهد السعودي، أو بلغته الإنكليزية الصقيلة.. ولن يتم القضاء عليه بتباهي وزير الإعلام المغربي بحريات معدومة وتعددية لا وجود لها.. وإنما يكون القضاء على الإرهاب برفع الظلم، وتوفير العدل والحرية، وفتح الباب أمام الوسائل الشرعية للنضال والتغيير. فمتى يفهم قادة أمريكا وقادة العرب ذلك؟ متى؟!

_______________
*كاتب موريتاني مقيم بالولايات المتحدة، رئيس المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة