عن أزمة "الدستور" والفضائيات والانتخابات بمصر   
الأحد 1431/11/24 هـ - الموافق 31/10/2010 م (آخر تحديث) الساعة 8:43 (مكة المكرمة)، 5:43 (غرينتش)
محمد القدوسي


في ضربات سريعة مترابطة، تخلص النظام في مصر من صحيفة «الدستور» ومن القنوات الإسلامية، كما ضيق على جماعة «الإخوان المسلمين»، وجعل حزب «الوفد» يلحق بنفسه إصابة بالغة، على طريقة «اضرب نفسك بنفسك» في مشهد لا يعدو أن يكون تطبيقا منهجيا جديدا لنموذج «مذبحة القلعة» وإن اختلفت بعض التفاصيل، التي لا أحب الخوض فيها، فهذا ما تفرضه طبيعة الزمان والمكان، وأهمها ما اكتسبه النظام من خبرات، بحكم تراكم المعرفة، وما يفتقر إليه من مهارات، بحكم تقدم النظام الذي يمثل «دولة محمد علي» في السن، وفقدانه الكثير من المرونة.

"
أية جماعة بشرية تبدأ سيرتها بالربط إلى شجرة، تنتهي -ولا بد- بلا أثر, يفنيها النمل -وصغاره الذر- وهو لا يُبْقي ولا يذر
"
ربما «كارل ماركس» هو من قال إن الأحداث الكبرى في التاريخ تتكرر مرتين، على أنها تكون في الأولى «مأساة» وفي الأخرى «مسخرة». أما عبارة «أول السلالة يربط في شجرة، وآخرها يأكله النمل» فترددت عدة مرات في رواية «مائة عام من العزلة» التي منح مؤلفها «غابرييل غارسيا ماركيز» البهجة لجيل إنساني كامل. وفي العبارة لا يكتفي «ماركيز» بتصوير النهاية الفادحة لـ«آل بوينديا» العائلة التي تدور الرواية في أجوائها، لكنه يوشك أن يصوغ قانونا اجتماعيا وتاريخيا، بمقتضاه فإن أية جماعة بشرية تبدأ سيرتها بالربط إلى شجرة، تنتهي -ولا بد- بلا أثر. يفنيها النمل -وصغاره الذر- وهو كما تعلمون لا يُبْقي ولا يذر.

وفي كتابه «محمد علي.. سيرته وأعماله وآثاره» يقدم المؤرخ «إلياس الأيوبي» نهاية أخرى أكثر دموية وأقل رعبا، حيث يصف «مذبحة القلعة» التي طوت صفحة دولة المماليك للأبد، وأنهت حياة 470 من أمرائهم وقوادهم، يصور «إلياس الأيوبي» لحظاتهم المأساوية الأخيرة قائلا إنهم «أقبلوا يجرون، وسيوفهم مشهرة في يد، وطبنجاتهم في الأخرى يبغون لقاء عدو يثأرون بقتله للكارثة التي حلت بهم. ولكنهم لم يجدوا أحداً، واستمر الرصاص الخفي الممطر من كل صوب يحصدهم حصداً. فسقط جاهين بك أمام عتبة قصر صلاح الدين. وبلغ سليمان بك البواب، والدم يسيل من كل أعضاء جسمه، باب السراي، فانطرح على عتبته، وصاح: في عرض الحريم -وكانت استغاثة مقدسة في ذلك العهد- ولكن السيف تناول رقبته، فقطعها، وجرت جثته، مهينة، إلى مكان بعيد».

مشهد مريع، ومسكين حقا «سليمان بك البواب» الأمير المملوكي الذي لم يدرك أن دولته دالت بكل قيمها وتقاليدها، وأنه ما عاد للاستغاثة بالحريم تلك القدرة السحرية والنفوذ الذي لا يرد.

ولو أدرك لكان -على الأقل- وفر على نفسه مهانة الزحف والاستغاثة، وربما فضل أن يقضي لحظاته الأخيرة في تأمل حقيقة «نهاية الدولة» التي شغله هول الموقف عن الوصول إليها، وانشغل مؤرخه «إلياس الأيوبي» بالتفاصيل عن الالتفات إليها، لهذا لا أحب التفاصيل، ولا أخوضها إلا متعوذا ومحاذرا من شيطان «الاستلاب» الذي يكمن فيها، والذي لا يكاد ينجو منه أحد، ثم إن غوايته لا تقتصر على مسخ اللحظات المهيبة عبر تفكيكها، كأنك تحول اللوحة إلى خطوط والقصيدة إلى حروف والصرح إلى أحجار.

لكن أسوأ غوايات التفاصيل هو ذلك «الانحراف المعياري» الذى يهدر «مغزى» أية واقعة، حيث ينصرف العقل عن إدراك الكل أو «الجوهر» مكتفيا بمتابعة ما تمده به العين والأذن من «أجزاء» لا تتعدى «المظهر» ولا قيمة لها إلا بقدر ما تتيح للحكائين ومحبي الجدال من ثرثرة لا تفضي إلى شيء، فلا فيها اتفاق يقرب الأباعد، ولا اختلاف يشكل فارقا يذكر.

شغلتنا التفاصيل -مثلا- عن الالتفات إلى أن «دولة محمد علي» تخطت حدودها الجغرافية، وأصبحت نموذجا إقليميا يحتذى، وأن «مذبحة القلعة» أصبحت منهجا تفضل السلطة، في نموذج هذه الدولة، اللجوء إليه لاستئصال قوة معارضة، أو لاستئصال القوة من المعارضة، بمعنى أن تعطل قدرتها، وتبقيها هيكلا أجوف.

«مذبحة القلعة» لم تفن المماليك كلهم، ولا هي حالت دون وصول بعض أبنائهم وأحفادهم إلى مراكز السلطة حتى اليوم، لكنها ألقت بنموذج دولتهم خارج التاريخ، ولم يعد متاحا أمامهم أكثر من المشاركة في إطار نموذج لا ينتمي إليهم، ولا هم ينتمون إليه إلا كأفراد يلعبون دور «قطع الغيار» في «دولة محمد علي».

وهو الدور نفسه الذي تؤديه المذابح داخل نموذج تلك الدولة القائم حتى اليوم، سواء أكانت مذابح حقيقية تراق فيها الدماء وتزهق الأرواح، أم مذابح معنوية، تؤكد تسميتها أن الوعي الشعبي والسلطوي معا مستقران على تعريف المذبحة، مثل «مذبحة القضاة» إشارة إلى عزل نحو مائتين من قضاة مصر في 31 من أغسطس/آب 1969، بينهم رئيس محكمة النقض وأكثر من نصف مستشاريها.

و«مذبحة الصحافة» التي تكررت -معنوية- في أكثر من بلد عربي، وتتكرر -حقيقية- في العراق منذ الاحتلال الأميركي، شأنها شأن مذابح أخرى فضحتها وثائق «ويكيليكس». وهناك أيضا «مذبحة المعارضة» التي شهدتها انتخابات مجلس الشعب المصري في العامين 1979، و1990.

"
نحن أمام مذبحة جديدة، يتخلص فيها النظام المصري من «فائض المعارضة» على ساحتي الإعلام والسياسة، ومع أنها مذبحة واحدة فإنها تحمل حتى الآن، على طريقة «الفيل والعميان الثلاثة» وصفين مختلفين
"
ثم ها نحن أمام مذبحة جديدة، يتخلص فيها النظام من «فائض المعارضة» على ساحتي الإعلام والسياسة، ومع أنها مذبحة واحدة فإنها -بسبب التفاصيل التي لا أحب الخوض فيها- تحمل حتى الآن، على طريقة «الفيل والعميان الثلاثة»، وصفين مختلفين، على لسان فريقين متعارضين غالبا، يصفها أولهما بأنها مذبحة لصحيفة «الدستور» داعيا إلى عدم المبالاة بالطريقة -غير المحبوكة- التي موهت بها المذبحة، ومؤكدا أن المسألة لا تتعلق بصفقة تجارية، بموجبها اشترى «د. السيد البدوي» رئيس حزب الوفد، وشريكه «رضا إدوارد» الصحيفة، ثم باع الأول للثاني أسهمه. لكننا -في واقع الأمر- بصدد صفقة سياسية تهدف إلى إسكات صوت صحيفة «الدستور» أو تغيير لهجتها إلى أخرى لا تزعج النظام.

هذا ما يقوله الفريق الأول، وهو يطالب بالتعوذ من شيطان التفاصيل وتجاوزها، ليمكن القبض على جوهر الحدث فيما يخص «الدستور». لكن هذا الفريق نفسه لا يتردد وهو يؤيد إغلاق القنوات الإسلامية -التي يسميها الدينية والسلفية والوهابية- مؤسسا تأييده على «تفاصيل» يقول شيطانها بنصف لسانه إن هذه القنوات تنشر الفتنة، وإن مفتيها غير مؤهلين، وإنها تبث إعلانات عقاقير وأعشاب غير مصرح بتداولها.

ثم يرد الشيطان نفسه على هذه الادعاءات بنصف لسانه الآخر، مؤكدا أن الفتنة فعل متعدد الأطراف، ليس من الصواب إسناده إلى طرف واحد، ولا من المنطق أن يكون هذا الطرف الواحد هو الأغلبية -القادرة المسيطرة- بل الأقرب إلى العقل وإلى ما يطرحه الواقع أن «الأقلية» هي الطرف الذي يعمد إلى الإثارة. ثم إن المفتين في هذه القنوات مؤهلون، وهاؤم اقرؤوا أسماءهم وصفاتهم.

والصحيح أن القنوات الحكومية، والأخرى التي لم تغلق، هي التي تبيح الفتوى لكل من هب ودب من الساسة والفنانين والإعلاميين، بل إن « نقابيا عماليا» تم اعتماده شيخا يستفتى ويفتي من دون أي حرج. ويضيف شيطان التفاصيل، بنصف لسانه الآخر أن إعلانات العقاقير والأعشاب، ما زالت بحالها تبث عبر قنوات لم تغلق، مما يؤكد أنها مجرد حجة واهية.

ومقابل فريق «مذبحة الدستور» هناك فريق «مذبحة القنوات»، الذي يؤكد أنها أغلقت بسبب منهجها الإسلامي، داعيا إلى تجاوز التفاصيل الهشة إلى صلب الحدث فيما يخص هذا الإغلاق. لكن هذا الفريق، وفي الوقت نفسه يفضل تناول قضية «الدستور» من الجانب الإجرائي لا السياسي، وفي هذا الصدد يكثر الحديث عن راتب رئيس تحريرها «إبراهيم عيسى» الضخم -وهو بالمناسبة أقل مما يتقاضاه بعض مطربي الأفراح في ليلة واحدة- مع مقارنته برواتب المحررين الهزيلة.

والحديث عن إبعاد «إبراهيم عيسى» لبعضهم، وعن علاقاته بأجنحة في النظام «كان يسهر مع عناصرها ليلا ويهاجمها نهارا» إلى آخر ما تم تداوله من تفاصيل، لا أحب الخوض فيها.

والصحيح أن علاقة رئيس تحرير صحيفة بحجم «الدستور» بهذا الجناح -أو الشخص- أو بذاك، من قبيل طبيعة الأشياء، إذ لا يعقل أنه منبت الصلة بمن حوله، ثم إن «موسى» يربى -دائما- في قصر «الفرعون».

وخلاصة الموقف من هذه التفاصيل -بفرض صحتها- أن ما جرى للدستور لم يجر بسببها، وأنه حتى على مستوى الادعاء لا يزعم أحد أن «إبراهيم عيسى» أقصي بسبب ما يسندونه إليه من أخطاء (هل يجرؤ أحد على القول بأنه أبعد لأنه كان يسهر مع رجالات النظام أو لأنه كان يخصم للمحررين؟) ثم إن إقصاءه لم يصاحبه أي إنصاف لصحفيي «الدستور» لا كلهم ولا بعضهم، بل صاحبه تغيير لا تخطئه العين في السياسة التحريرية للجريدة.

وإلى جوار هذين الفريقين، هناك فريق هو ثالث الأطراف في قصة الفيل والعميان الثلاثة، فريق نسمعه الآن هامسا، ولكن صوته سيكون أوضح ما يمكن وهو يحدثنا عن «مذبحة انتخابات مجلس الشعب» مع انطلاقها أواخر الشهر المقبل، وهي انتخابات أكد كثير من السياسيين ذوي الثقل، وبينهم نواب حاليون، أنها لا تستأهل -من حيث المبدأ- أن تسمى انتخابات.

ثلاثة فرق تتحدث عن ثلاث مذابح، هي -في واقع الأمر- مذبحة واحدة، قام بها النظام، محاصرا إعلاميين وسياسيين «يحصدهم رصاصه الممطر حصدا» ومتنازلا عن مهمة حمل وزرها لضحاياها المتخالفين، وبهذا يكون قد ضرب ضربته، ثم -وبمناورة بارعة- ترك «المضروبين» يدفعون الثمن، مستفيدا -وهو يكرر مذبحة القلعة- من خطأ الباشا صاحب المذبحة الأولى، الذي لم يفطن إلى أهمية «التنصل» من وزرها، فظلت عالقة به كالوصمة، على نحو ما يصفه المسيو «جومار» مدير أولى بعثات «محمد علي» الدراسية إلى فرنسا، حيث يقول عن المذبحة: «لو أمكن محو تلك الصحيفة الدموية من تاريخ مصر لما صار محمد علي هدفا لأحكام التاريخ القاسية».

"
تعلم نظام «دولة محمد علي» كيف يتنصل من مذابحه، معتمدا على شيطان التفاصيل، في تأليب الفرقة بين ضحاياه، وتحويلهم إلى محامين له، ومدافعين عنه، لدرجة أن بعضهم يحمل نفسه جريرة ما ارتكب النظام
"
لكن محو صحائف التاريخ محال، ولهذا فقد تعلم نظام «دولة محمد علي» كيف يتنصل من مذابحه، معتمدا على شيطان التفاصيل، التي لا أحب الخوض فيها، في تأليب الفرقة بين ضحاياه، وتحويلهم  -من حيث لا يدرون- إلى محامين له، ومدافعين عنه، لدرجة أن بعضهم يحمل نفسه جريرة ما ارتكب النظام.

وأذكر نقاشا دار مع أصدقاء مهتمين بالشأن العام في رمضان الماضي، قال فيه أحدهم إن «د. السيد البدوي» رئيس حزب الوفد يدير الآن إمبراطورية إعلامية، أيقونتها «الدستور»، وإن «الوفد» في ظل قيادته سيرث مقاعد «الإخوان المسلمين» بعد استئصالهم -تقريبا- من البرلمان المقبل.

قلت: بل انتظروا «مأزقا» سياسيا يجعل النظام قادرا على التحلل من أية ترتيبات سبق الاتفاق عليها، ويحمل «د. السيد البدوي» على تخفيض سقف طموحاته. مأزق أعتقد أنني لم أنتظره طويلا، بقدر ما أعتقد أننا الآن بصدد طبعة جديدة من مذبحة القلعة، وإن كانت أخبث حبكة وأقل مهابة، فهذا لأن مأساوات التاريخ حين تتكرر تصبح «مسخرة».

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة