تديين الصراع بين الجهاد والصليبية   
الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)


بقلم/ معتز الخطيب

- مقاربة العلاقات الدولية ثقافيًّا/دينيًّا
- الدين مَرْكزًا .. وموظَّفًا!
- العودة للمرجعيات التقليدية!

- التركيز على العالم الإسلامي

كيف يمكن لنا أن نفهم ما جرى ويجري منذ 11 سبتمبر/أيلول 2001م في علاقتنا بالعالم وعلاقته بنا؟ الفهم يستدعي الحديث عن المفاهيم، وما أكثر المفاهيم التي استخدمت في هذا التاريخ: الجهاد، العدالة، حرب الأفكار، الحرية، الإرهاب.

لكن الإحالة إلى المفاهيم أضحت ضربًا من الإحالة إلى معضلات للفهم، ومن ثم التفاهم!. ألم يقل كل من ديفد فروم وريتشارد بيرل: "ليست كلماتنا مقنعة, وهذا ليس فقط لأن السكان في الشرق الأوسط لا يصدّقون ما نقوله, لكن أيضاً لأننا, نحن وهم, لا نتفق على معنى الكلمات التي تشكل قاموسنا الأخلاقي.

فالأميركان وأهل الشرق الأوسط قد يوافقون مثلاً, على أن من الخطأ قتل حياة إنسانية بريئة. لكننا لا نتفق على من هو البريء ومن ليس كذلك"؟!. لكن الأمر في الواقع لا يقتصر على المفاهيم فثمة اعتبارات سياسية تسهم في التباس تلك المفاهيم، هي نفسها التي أجهزت على ما تبقى من مرجعية القانون الدولي ومجلس الأمن، وإعلان حقوق الإنسان، ومعاهدة جنيف، وهذا عامل آخر في الالتباس، يضاف إلى الافتراق في الكونين المفهوميين لنا ولهم.

صليبية بوش وجهاد بن لادن أحالا إلى الزج بالدين في قلب الصراع، ليكثر الحديث عن صراع الحضارات وحوارها والحوار المسيحي-الإسلامي. لكن هذا كله قائم على افتراق مفهومي بين الصليبية والجهاد كليهما.

فالصليبية ذات مقاصد خيّرة ومقبولة لدى المحافظين الجدد والإنجيليين، في حين أنها تثير ذكريات أليمة وظالمة لدى المسلمين، وتحيل إلى شكل من الاستعمار القديم باسم الدين. بالمقابل فُهم "الجهاد" على أنه حرب دينية موجهة ضد الغرب، فثار الجدل حوله في زمن الإصلاحيين الإسلاميين وحتى الآن، تحت صيغة أنه دفاعي لا هجومي، ليأخذ شكل مقاومة الاستعمار الذي عرفوه، وعرفه الفلسطينيون والآن العراقيون.

وكان لافتًا التجاذب الذي حُفّ به المفهومان بين المسيحيين تجاه "صليبية بوش" وبين المسلمين تجاه "جهاد بن لادن"، فقد وقفت كنائس "الخط الرئيس" البروتستانتية والكاثوليكية والأرثوذكسية ضد الحرب على العراق، في حين وقف سواد علماء المسلمين ضد جهاد بن لادن، مما عنى أنه كانت هناك معركة حول المفهومين نفسيهما، ضد خطف الدين وجره عنوانًا لمعركة بين خصمين.

مقاربة العلاقات الدولية ثقافيًّا/دينيًّا

إذا كان ارتباط المنظور الثقافي بالعولمة أذكى الاهتمام بدور الخطاب الديني، فإن أحداث 11 سبتمبر وخطاب القاعدة والخطاب الأميركي أعاد الدين (الإسلام تحديدًا) إلى جوهر الصراع
بدا الملمح الثقافي- الديني طاغيًا في تحليل حدث 11 سبتمبر/أيلول ورمزيته، على الأقل في الرؤية الغربية، وتحديدًا الأميركية، من بدء الحديث عن "الفاشية الإسلامية" و"الأصولية الإسلامية" و"الإرهاب الإسلامي"، مرورًا بالسؤال الأميركي العريض: "لماذا يكرهوننا؟" الذي أحال المسألة إلى عداوة "للعالم الحر" كما عبر جورج بوش الابن مرارًا، وانتهاء بالممارسات الأميركية حول "نشر الديمقراطية في البلدان العربية والإسلامية" و"تأهيل" المسلمين ثقافيًّا ليكونوا ديمقراطيين، و"تغيير" مناهج التعليم لنشر ثقافة التسامح والحرية.

طغيان الملمح الثقافي ربما يكون نتيجة سيادة المنظور الثقافي في التحليل السياسي في ظل العولمة والحديث عما سمي بـ "صراع الحضارات" بحيث يتم التركيز على دور الأفكار والقيم في التفاعلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وعندما قويت الكتابات الغربية في اهتمامها بالقيم والأفكار وتأثيرهما على السلوك السياسي، صارت الغلبة لهذا المنظور.

وإذا كان ارتباط المنظور الثقافي بالعولمة أذكى الاهتمام بدور الخطاب الديني، ليصبح تحليل الخطاب الديني حقلاً معرفياً أصيلاً في مجال العلوم السياسية، فإن حادث 11 سبتمبر/أيلول وخطاب القاعدة والخطاب الأميركي المتمركزين حول ثنائيات حدية تبسيطية (إيمان/كفر) و(خير/شر)، والممارسة الأميركية، أعادت الدين (الإسلام تحديدًا) إلى جوهر الصراع، وأنعشت المخيلة الغربية المشبعة بفوبيا "التهديد الإسلامي"، الذي يمثل لها (نوعًا من التقهقر والعودة إلى أزمنة غابرة) -بحسب ما ذكره أوليفيه روا- بالاتكاء على رمزية الحدث البالغة وإيحاءاته المساندة لذلك التصور.

ألم تشهد الحرب الأميركية في أفغانستان بروز حرب ثقافية حول وضع المرأة الأفغانية وصُوّرت القاذفات الأميركية وكأنها تقصف "اللانسوية الإسلامية"؟ وصٌوّر النموذج الأفغاني كما لو أنه يمثل الإسلام وجميع المسلمين!.

الأبعاد الثقافية والإستراتيجية للصراع مع "الصحوة الإسلامية" تعود –بحسب رضوان السيد- إلى مطلع الثمانينيات في كتابي الروائي نايبول (بين المؤمنين) الذي دعا إلى تصعيد ذلك النزوع العدواني تجاه الإسلام باعتباره خطرًا على الاستقرار والتعايش في العالم، وإدوارد سعيد (تغطية الإسلام) الذي نبه إلى خطورة تلك العدوانية الثقافية والإستراتيجية على المسلمين.

كما بدا ذلك في أطروحة "أنثربولوجيا الإسلام" التي قادها أرنست غلنر في (أصولية الإسلام التأسيسي) وكليفورد غيرتز في (تشرذم الإسلام وفوضاه الضاربة) في العقود الثلاثة الأخيرة.

الدين مَرْكزًا .. وموظَّفًا!

كثرة المؤتمرات عن حوار الحضارات والأديان ونفي وجود صدام بين الحضارات بعد أحداث سبتمبر إنما يعكسان في حقيقة الأمر تعميمًا لمفهوم صدام الحضارات، وأن هذا المفهوم يسكن عقول الجميع
لقد صُوّر الإسلام في السنوات الأخيرة على أنه "شرير" ومؤذ، ومثير بطبيعته للاضطرابات والمشاكل، لكثرة البلاد الإسلامية التي تشكل مسرحًا للعنف، ومن ثم كان الإسلام هو المقصود بالمجادلة في كتاب هنتنغتون حول صراع الحضارات الذي هو تصنيف بحسب الدين، ونظرية هنتنغتون في جوهرها "بنت الجهاد العصري" بحسب الأنثربولوجي إيمانويل تود.

أحداث سبتمبر/أيلول كانت لحظة فارقة؛ فقد غذت تلك الصورة، وبلورت الأبعاد الثقافية للتغيير الإستراتيجي الغربي - الأميركي تحديدًا - الهادف لمحاصرة الانتشار الإسلامي وفرض رؤى ثقافية في عالمه ومرجعياته، ومن ثم كان الحديث عن الإسلام المعدل، والإسلام المعتدل، والإسلام الليبرالي، في الخطابات السياسية، وفي اهتمام مؤسسات البحث الأميركية، وركزت مبادرات الإصلاح الأميركية وقمة الثماني الأخيرة -يونيو/حزيران 2004- على العالم الإسلامي تقريبًا، وكان تحدث كليفورد غيرتز عن "مراقبة الإسلام".

إن كثرة المؤتمرات عن حوار الحضارات والحوار بين الأديان، ونفي وجود صدام بين الحضارات بعد أحداث سبتمبر/أيلول إنما يعكس في حقيقة الأمر تعميمًا لمفهوم صدام الحضارات، وأن هذا المفهوم يسكن عقول الجميع، وخصوصًا عقول صانعي المبادرات والسياسات تجاه المنطقة الإسلامية.

بدا -بعد تصفية (الإلحاد) الشيوعي الذي آمن الإسلاميون الجهاديون بدورهم في دحره، والتفتوا إلى رأس الكفر الأميركي، في مقابل نمو النزوع الديني لدى أميركا، وصعود اليمين ونشاط "المولودين من جديد" (الإنجيليين الجدد)- أن العلاقة بين أميركا والإسلاميين متجهة إلى الصدام، وكانت حرب الخليج الثانية بداية لبروز هذا الصدام، حيث شهدت الحرب بروز خطاب إيماني في مواجهة التحالف الدولي لما سُمي بـ "تحرير الكويت"، فكانت قلوب الشعوب مع العراق وسيوف أنظمتهم مع التحالف.

وما نشأ عن الوجود الأميركي بعدها من مشكلات دينية متأزمة أبرزها وأحدّها مشكلة شرعية هذا الوجود في الجزيرة العربية، وقيام إستراتيجية "القاعدة" على طرده.
ما يجمع بين حربي الخليج الثانية والثالثة هو حضور الدين فاعلاً، وبشكل حاد ومتدرج في حدته بحسب شكل التحديات وسياقاتها المركبة (سياسيًّا ودينيًّا، داخليًّا وخارجيًّا)، الأمر الذي أدى إلى عودة الدين إلى مركز الصراع في الحرب الأخيرة التي برز فيها الدين من الطرفين هذه المرة.

ربما يصعب الفصل الحاد بين أصالة التوجه الديني وبين استتباعه لأغراض مصلحية، وإذا كان صدام أسهم في استتباعه بشعاراته المكثفة في حرب الخليج الثانية، فإن إخلاص بن لادن وضع الإسلام والعالم الإسلامي في معضلة حقيقية، بينما تشكك البعض في اليسار الأميركي المتدين الذي شكل جماعة ضغط لمواجهة نفوذ اليمين المحافظ قائلاً: "إن الإدارة تتلاعب بالديانة بمستويات لم يسبق لها مثيل ومثيرة للغضب".

في الحقيقة لا يمكن الجدال في تدين بوش، فثمة كلام "كثيف" حول "تدينه" و"النفحة الإيمانية" لخطاباته ومواقفه. ويقول آلا ليشتمان (المؤرخ المتخصص في شؤون الرئاسة الأميركية): "الربط بهذا الشكل بين الدين والسياسة أمر لا سابقة له لرئيس".

ومع ذلك من التبسيط المخلّ الحديث عن حملة مسيحية من أجل الصليب، كما هو العكس في حملة من أجل قتال الصليبيين واليهود مع بن لادن. وفهم تركيبة الحرب ودوافعها بالغ التعقيد، فقد أظهر استطلاع فبراير/شباط 2003م أن نسبة الأميركيين المتدينين المؤيدين للحرب على العراق أعلى من النسبة العامة في المجتمع مع أن الإنجيليين المحافظين ليسوا أكثر من ثلث المسيحيين، ومع أن الكنائس الأميركية ما عدا الاستثناء المعمداني الجنوبي عارضت الحرب. مما يعني أن هناك تداخلات سياسية واقتصادية وإعلامية وذاتية تتدخل في صنع الرأي العام.

العودة للمرجعيات التقليدية!
إنه من المفارقة حقًّا أن يتم تكثيف الإيقاع الديني هذا وتأثيره، في الوقت الذي تُقدّم أميركا نفسها على أنها راعية العالم الحر، وتحمل الديمقراطية للعالم الإسلامي، وفي الحين الذي تشهد تراجعًا عن القيم الليبرالية للمواطن الأميركي، كتراجع الحريات وشعارات المساواة وحقوق الإنسان وعودة التمييز والازدواجية، مع تراجع مهم في مبدأ الفصل بين الدين والدولة في أميركا من خلال السياسات المحافظة داخليًّا التي اتخذتها إدارة بوش، من خلال حملات قوية للدفاع عن الزواج، وإقامة مدارس غير مختلطة، والدفاع عن اعتماد قسم الولاء يوميًّا في المدارس، بعد أن كانت محكمة في كاليفورنيا اعتبرته مناقضا للدستور لتضمنه إشارة إلى الله (سبحانه).

واعتبر بوش قرار المحكمة "سخيفًا" مؤنبًا القضاة الذين وصفهم بالتشكيك في البعد الروحي للولايات المتحدة، وقال: "نحتاج إلى قضاة يتمتعون بحسن التقدير ويفهمون أن قوانيننا مصدرها الله !! هؤلاء القضاة هم الذين أنوي تعيينهم"، وأضاف "نستمد حقوقنا من الله كما يؤكد إعلان استقلالنا". كما شجع على قصر التربية الجنسية للطلاب على شرح فوائد عدم إقامة علاقات.

تراجع الفصل بين الدين والدولة داخليًّا، ترافق مع عودة الوصل بينهما خارجيًّا كما سبقت الإشارة، مع تراجع خارجي للقيم الأميركية التي يسعى لنشرها، كما تبدّى من ممارسات سجن أبو غريب والاحتلال الأميركي للعراق، والموقف من اتفاقيات حماية البيئة، والاستعانة بالمرتزقة للتهرب من مرجعية القانون، كما تم خلق استثناءات واسعة أمكن لها أن تبرر كل خروج عن المرجعيات كاتفاقية جنيف مثلاً.

أليس غريبًا إذن أن الإدارة الحالية التي تدافع عن العالم الحر وتسعى –حسب المعلن- لرسم العالم الإسلامي على صورتها الخارقة تعود هي نفسها إلى مرجعيات تقليدية داخليًّا وخارجيًّا ؟! وعبثًا يحاول مفكرونا وسياسيونا إقناعها بالمرجعيات الدولية والاتفاقات المعروفة!.

التركيز على العالم الإسلامي

لا يمكن القول إن المحرك الوحيد للسياسة هو العقيدة المسيحية, أو إن من يصنع السياسة الخارجية هم معتنقوها فقط، فثمة علمانيون من أهل لوبيات المصالح يريدون السيطرة على العالم
استنفار المشاعر الدينية ووصل الدين بالسياسة كما يحصل مع إدارة بوش، والتركيز على العالم الإسلامي، لن يقنع المسلمين بأن إسلامهم غير مستهدف، ومع الإنجيليين الجدد والدعم السخي لشارون تزداد الأمور تعقيدًا، فكيف نفهم ذلك؟

يبدو واضحًا هجوم هؤلاء للسيطرة على السياسات الخارجية لأميركا خاصة في الشرق الأوسط، وطارق متري يعيد ذلك للرسالية الأميركية من جهة، والنهوض اليميني الديني على مشارف نهاية الأزمنة: انهيار الاتحاد/الإلحاد الشيوعي، وضرورة الانتصار للمسيح مع فرصة توفر قوة الهيمنة والإقبال على خلاصية المسيح.

لكن لا يمكن القول في اعتقادي: إن المحرك الوحيد للسياسة هو تلك العقيدة المسيحية، كما لا يمكن القول إن من يصنع السياسة الخارجية هم معتنقوها فقط، في الوقت الذي لا يُنكر تأثيرهم؛ فثمة العلمانيون من أهل لوبيات المصالح ممن يريدون السيطرة على العالم.

التركيز على العالم الإسلامي الآن -بعد سقوط الاتحاد السوفياتي- تحت راية "الحرب على الإرهاب" يعتبر – بحسب إيمانويل تود - الشكل الرسمي الأخير لـ "العسكرية الصغيرة المسرحية"، وهناك ثلاثة عوامل تفسر هذا التركيز على محاربة الإسلام وتصويره خطرًا، يعود كل عامل منها إلى تراجع في أحد الموارد الإمبريالية الأميركية هي:
- تراجع العمومية الأيديولوجية يقود إلى ظهور عدم تسامح تجاه قضية المرأة في العالم الإسلامي.
- هبوط الفاعلية الاقتصادية يؤدي إلى تركيز التفكير الإستراتيجي الأميركي على النفط العربي.
- نقصان القدرة العسكرية لأميركا يجعل من العالم الإسلامي شديد الضعف هدفًا سهلاً ومفضلاً.

نخلص من هذا إلى أن الصراع مع أميركا يأخذ بعدًا أعمق من مجرد الصراع الديني العقدي، وله المظهر الكريه للصراع الثقافي، والمقلق أن هذا العامل أخذ بعدًا مركِّبًا للعلاقات الدولية. وبين لبس المفاهيم وافتراق المرجعيات وأفاعيل السياسة وتعقيدات الدين وشعاراته كيف يمكن الفهم والتفاهم؟
ــــــــــــــــــ
كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة