تنقل الأفراد بين المسيحية والإسلام في مصر   
الثلاثاء 1429/2/20 هـ - الموافق 26/2/2008 م (آخر تحديث) الساعة 7:56 (مكة المكرمة)، 4:56 (غرينتش)


عادل لطيفي

تتبع الرأي العام المصري والعربي في الأشهر الأخيرة موضوع تغيير بعض المصريين لديانتهم للخروج منها أو العودة إليها، مما بدا وكأنه مسلسل متواصل يضع المجتمع المصري والدولة المصرية خاصة أمام واقع لا يمكن تجاوزه.

"
حرج السلطات المصرية من تحرك الأفراد بين هذا الفضاء العقائدي أو ذاك يعود إلى ما يمكن أن يدخله ذلك من اضطراب على مستوى الخطوط والحدود الفاصلة بين المجموعات الاجتماعية
"
وقد بدت الدولة منزعجة من هذا المستجد نظرا لطبيعة الرهانات التي تدور حوله والتي تمس من قريب مواطن التوازن داخل هذه المؤسسة وداخل المجتمع.

يستوقفني هذا الحدث الذي لم يأخذ حظه من اهتمام الكتاب والمهتمين، على حد معرفتي، وذلك لعمق المغزى الذي تحيل عليه قضية تغيير الأفراد لدينهم داخل مجتمع ما خاصة إذا تعلق الأمر بمجتمع عربي ذي أغلبية مسلمة.

تفاصيل الأحداث كما نعلم مرتبطة بقرار بعض الأفراد المصريين بتغيير ديانتهم الأصلية، المسيحية القبطية للدخول في الإسلام ثم عودتهم فيما بعد عن هذا القرار.

ودخول القضية معتركا قانونيا أفضى مؤخرا إلى إقرار حق هؤلاء في ترك الإسلام والعودة إلى وضعهم الديني الأصلي مع النص على هذا التحول في بطاقة الهوية، أما الجانب الآخر من الحدث فيتمثل في رفض هذا القضاء إصدار بطاقات هوية تنص على الهوية المسيحية لأصحابها ذوي الأصول الإسلامية.

إن السؤال الأول الذي يطرح نفسه هنا يتعلق بشرعية الغطاء القانوني الذي أخذته هذه القضية، فإلى أي مدى تعد قناعات الفرد العقائدية مسألة قانونية خاضعة لإجراءات الإدارة وقراراتها؟

مثل هذا الدور يبقى متوقفا على قدرة هذه الأطر الإدارية والقانونية على تحديد ماهية القناعة الدينية ذاتها، وهذا أمر غير مؤكد وأكاد أقول إنه مستحيل على أرض واقع مجتمعي مصري وحتى عالمي معقد.

فالاعتقاد الديني هو في جانبه الأكبر علاقة بين الفرد وذاته ثم بين هذا الفرد ورموزه الدينية العليا التي تعطي قوة للاعتقاد، لكن هذا لا يعني عدم وجود أبعاد أخرى لأن الدين ظاهرة اجتماعية بالتأكيد وهي نظرة شاملة إلى العالم وإلى المجتمع.

مقابل هذا فإن دور الدولة، كالمجتمع المصري ومجتمعات الإسلام عموما، يبقى قبل كل شيء موجها نحو تنظيم العلاقة بين الأفراد داخل المجتمع، وهذا يتوقف على قدرة جهاز الدولة على التعامل مع الأفراد في سياق حيادي، أي في سياق انتمائهم لهوية وطنية قانونية، أي في النهاية وضعية.

المشكلة الأكثر تعقيدا هنا تكمن في هذه المفارقة في العلاقة بين القانون والمعتقد، حيث يبرز المعتقد رهينة القرار القانوني الذي هو في النهاية ثمرة قرار سياسي.

قد يرد على هذه الملاحظة بأن من واجب الدولة، وبخاصة في الفهم الإسلامي الشائع، تنظيم الحياة الدينية والدنيوية في آن أي أنها جزء من المعطى الديني ذاته.

وفي هذه الحالة يُطرح سؤال ملح حول الهوية الدينية التي ستأخذها هذه الدولة في ظل مجتمع متعدد التركيبة الدينية، مثل حال مصر وأغلب بلدان المشرق العربي وعالم الإسلام، لأن مثل هذا الدمج يتطلب انصهار القانون الديني مع القانون الوضعي، وهذا غير مسلَّم به إلا في ظل اعتبار قانون التفوق العددي والديمغرافي لفئة دينية على حساب أخرى مع ما ينجر عن ذلك من إقصاء.

فهل بالإمكان تطبيق ذلك في لبنان أو في مصر أو في العراق أو في إيران؟ النتيجة إلى حد الآن بارزة، إما دولة طوائف مثل حال لبنان وواقع العراق، وإما دولة الإقصاء والتهميش مثل حالة إيران ومصر.

يفسر العجز الحالي للدولة، كما لاحظنا في الحالة المصرية، بغياب سياسة حقيقية لترسيخ المواطنة بأبعادها المحايدة وذلك على حساب الخصوصية العقائدية للمجموعات.

مثل هذا الغياب مرتبط بدوره بهشاشة مشروعية الدولة التي لا ترتكز على سند جماهيري من خلال الممارسة السياسية المباشرة للمجتمع. وهذا بعد يتجاوز حالة مصر لينسحب على مجمل الفضاء العربي.

إن غياب مثل هذه المشروعية الجماهيرية والاجتماعية يفسر إلى حد ما الموقع الذي تأخذه الدولة في هذه القضية على أنها الحكم الأعلى بين المجموعات الاجتماعية، ودور الحكم هذا، مع ما يتبعه من أيديولوجيا أبوية، يحجب تلك الثغرة في مستوى مشروعية الدولة والقائمين عليها.

بهذا المعنى تشكل الهياكل التقليدية للمجتمع، مثل القبيلة والطائفة والمذهب، قاعدة مهمة للدولة، فهي تمكنها من لعب دور الحكم وبالتالي تسهيل مراقبة المجتمع ومكوناتها.

وفي هذا السياق يمكننا أن نرجع حرج السلطات المصرية من تحرك الأفراد بين هذا الفضاء العقائدي أو ذاك إلى ما يمكن أن يدخله من اضطراب على مستوى الخطوط والحدود الفاصلة بين المجموعات الاجتماعية.

أضف إلى ذلك أن هذا الغموض قد يحمل في طياته بذور فتنة قد تهدد الأمن العام، هذا المفهوم العزيز على الطبقة السياسية العربية الحاكمة. وفي هذا تهديد لتوازن تقليدي يشرع لتدخل الدولة وتحكيمها.

نشير في نهاية هذا الاستعراض إلى أبعاد قضية تغيير هؤلاء الأفراد لديانتهم، وإلى أن تتابع الأحداث ومختلف ردود الفعل تبين عجز المجتمع ذاته عن التعاطي مع تنوعه الثقافي والديني.

وربما يعود هذا إلى عدم فاعلية الثقافة العليا النوعية في مصر، كما هي الحال في العالم العربي، في العمق الاجتماعي وذلك لبقائها منتوجا نخبويا يصعب على العامة الوصول إليه.

كما يعود عدم فاعليتها إلى تقليدية النظم التعليمية وبرامجها التي تركز عادة على تجانس المجتمع في سياق بناء مواطن حبيس ولاؤه للدولة الحزب والدولة الشخص، وهذا يتطلب بالطبع حصار كل ثقافة نوعية نقدية وحرة.

"
تراجع الدور الوظيفي للمسجد والكنيسة يشجع الأفراد على الخروج من سلطة المؤسسة الدينية الذي يتخذ شكل خروج تام عن الدين، لكن الاتجاه المستقبلي سيكون نحو التقليص من قوة الانتماء الجماعي الطائفي والديني لصالح مجتمع مبني على العلاقات البراغماتية المفتوحة
"
يحيلنا النقاش حول مسألة تغيير الأفراد لديانتهم على إشكالية مجتمع الحداثة والعولمة وتأثيراته على الحركية الاجتماعية داخل الفضاء الديني.

والمقصود بالحداثة هنا ليس مفهومها الغربي ذلك الذي ينظر إلى الآخر من خلال نظارات أوروبية بيضاء، بل المقصود تلك الحداثة في بعدها التاريخي أي تلك الحصيلة الشاملة لتراكم التجربة الإنسانية وللذكاء الإنساني الذي بدأ انبثاقه الفعلي في الشرق القديم وحط رحاله اليوم في غربي أوروبا وأميركا الشمالية واليابان، مع ما يدور في فلك هذه المجموعات.

فهذه الحداثة التاريخية واقع ملموس في كل المجتمعات بما فيه المجتمعات العربية.

أعتقد أنه في ظل هذا الواقع الحداثي الجديد والمعقد تعد حركية الأفراد داخل الفضاء الديني وكذلك حركية هذا الفضاء ذاته مسألة طبيعية غير مرتبطة بوضعية هذه المجموعة أو تلك. فقد فقدت أغلب المؤسسات الدينية، وفي كل الفضاءات تقريبا، بعدها الوظيفي المؤسساتي لصالح الدولة أو لصالح المجتمع، وهذا بارز في مجال التعليم والصحة وغيرها من مجالات الحياة العامة.

وبالعودة إلى الحالة التي تهمنا، فإن تراجع الدور الوظيفي للمسجد والكنيسة يشجع الأفراد على الخروج من سلطة المؤسسة الدينية الذي يتخذ شكل خروج تام عن الدين.

لكن هذا لا ينفي التصاعد الحالي للمرجعية الدينية، سواء في شكل مؤسسة أو في شكل سلطات، مثلما نراه من حضور مكثف للدعاة والأئمة والأساقفة وغيرهم.

هذه العودة هي حسب رأيي رد فعل طبيعي على فشل الدولة الوطنية في الحالة العربية، فشل سياسي واجتماعي وثقافي، ولد الرغبة في العودة إلى الرموز القوية للمجتمع.

لكن الاتجاه المستقبلي هو دون شك اتجاه نحو التقليص من قوة الانتماء الجماعي الطائفي والديني لصالح مجتمع مبني أكثر على العلاقات البراغماتية المفتوحة، وأنا أتحدث هنا على الحضور الاجتماعي للدين لا حضوره السياسي.

ربما كان تنقل هؤلاء الأشخاص بين دين وآخر بمثابة التعبير عن هذه البراغماتية التي تحظرها الدولة كما يحظرها المجتمع، وفي هذه الحالة بالذات تكون مختلف المؤسسات المشرفة على الإيمان، مثل الدولة والأزهر والكنيسة، غير مواكبة لهذا التطور التلقائي والعفوي، وكذلك المحدود، للمجتمع حيث يتعامل الأفراد أكثر فيما بينهم بمعزل عن صرامة الانتماء الفئوي والطائفي.

الحديث هنا بالطبع عن مؤشرات تغير اجتماعي لا عن واقع فعلي مهيمن.

لقد أدى اليوم واقع الحياة البشرية المطبوع بنمط العيش الحضري وبالتأكد التدريجي لمكانة الفرد، بالإضافة إلى العولمة وسهولة الاتصال بين الفضاءات الثقافية وبين الأفراد، إلى ترسيخ مفهوم التعددية الدينية، وهو ما أدخل نوعا من النسبية على مستوى مفهوم الحقيقة المطلقة لكل دين.

لقد تم التدرج باتجاه ترك مفهوم الحقيقة المطلقة نحو الإقرار بوجود حقائق أخرى قابلة حتى لتقاسم نفس الفضاء الجغرافي.

في هذه الحالة تساهم التعددية الدينية في تسريع نسق البعد الفردي للدين كما تعطيه بعدا بشريا قادرا على التخفيف من صرامة التعليمات ومن صرامة مؤسسات الرقابة العقائدية.

"
من المفارقة أن يقرر جهاز قضائي ما بقاء شخص أو مجموعة على دين دون آخر في ظل القول بحرية المعتقد، ما قد يخلق الكثير من الإشكالات والمخاوف في ظل الاستغلال الفاضح واللاتاريخي لمفهوم الردة
"
إن حركية الأفراد بين الأديان وحتى بين المذاهب في حالة مصر، هي في بعض مستوياتها مؤشر على هذا التدرج من الطابع المطلق نحو الطابع النسبي.

وعادة ما يؤدي هذا التحول نحو النسبية إلى زيادة دور البيروقراطية الدينية في تسيير شؤون المعتقد، وهذا واضح من خلال الحضور المكثف للمؤسسة الأزهرية وللمؤسسة الكنسية القبطية، لكننا للأسف نجهل حجم مثل هذا التحول وكذلك دوافعه الاجتماعية بسبب قلة الدراسات في العالم العربي حول هذا الموضوع شبه المحرم.

مصر ليست حالة فريدة بل هي نموذج تمثيلي لواقع المجتمعات العربية الأخرى ذات التركيبة الدينية المتعددة.

مقابل ذلك نعلم على الأقل من الحالة المصرية أن من بين أسباب هذه الحركية الدينية داخل الوطن المصري، هناك رغبة في الهروب من صرامة الناموس الكنسي الصارم في مسألة الطلاق.

كما تجاري هذه الحركية انفتاح جزء من المجتمع على أنماط زواجية أكثر عقلانية ومبنية على فكرة الاختلاط.

مثل هذا التطور على مستوى الممارسة الاجتماعية للفاعلين الأفراد وبالأخص من جانب الشباب المسلم والمسيحي، يكشف عن تأخر الهياكل السياسية والدينية الرسمية بالمقارنة مع عمق التحول الاجتماعي.

تعد بطاقة الهوية من بين أكثر مؤشرات تأخر، أو حتى تخلف، هذه الهياكل الرسمية، إذ من الغريب اليوم أن تتم الإشارة إلى دين الفرد على وثيقة رسمية للدولة في ظل دستور تدعو مادته الخامسة والأربعون إلى حرية المعتقد.

ومن المفارقة أيضا أن يقرر جهاز قضائي ما بقاء شخص أو مجموعة على دين دون آخر في ظل القول بحرية المعتقد. وقد بدا واضحا تخبط الإدارة من خلال السماح لمجموعة من الأقباط بالعودة إلى المسيحية مع الإشارة إلى هذه "الإقامة المؤقتة" في رحاب الإسلام على بطاقة الهوية.

وهذا ما قد يخلق الكثير من الإشكالات والمخاوف في ظل الاستغلال الفاضح واللاتارخي لمفهوم الردة. وفي نفس الوقت يرفض نفس هذا الجهاز حق مواطنين مصريين آخرين كانوا قد اختاروا المسيحية دينا بعد الإسلام، في الحصول على بطاقة هوية تشير إلى اختيارهم الجديد.

إن على الدولة المصرية، كما على العديد من الدول الأخرى التي تخفي عجزها عن إدارة تنوعها المذهبي والديني والطائفي وراء تجانس وهمي، أن تلغي هذه الإشارة إلى الانتماء الديني على بطاقة الهوية.

ذلك أن هذه الإشارة متعارضة مع ما تدعيه من حرية المعتقد، كما أن مثل هذا الإجراء الإداري يجعل الانتماء الطائفي منافسا حقيقيا للمواطنة.

والحل النهائي يتمثل إذن في رفع الدولة يدها عن مسألة الاعتراف بالقناعات الدينية للأفراد والالتزام بإدارة شؤونهم على قاعدة المواطنة لا على قاعدة انتماء من الصعب إثبات حدوده وماهيته.
__________________
كاتب تونسي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة