التغيير القادم   
الأحد 1427/12/10 هـ - الموافق 31/12/2006 م (آخر تحديث) الساعة 10:47 (مكة المكرمة)، 7:47 (غرينتش)
توجان فيصل


القول الشائع بأن "الحاجة أم الاختراع" ليس مجرد مثل أو حكمة, بل هو حقيقة علمية, ولهذا دخل على العلوم والاختراعات ذاتها. وفي العالم العربي الآن حاجة ماسة وملحة للإصلاح. وحين يتعذر الإصلاح فإن الحاجة الماسة تغدو للتغيير. والتغيير السياسي ليس بحاجة لأي اختراع, بل لشيء من التعديل والتوفيق لتجارب المجتمعات البشرية عبر التاريخ كله.

ومجموعة خيارات الإصلاح أو التغيير هذه يتم تدارسها الآن في العالم العربي وعلى مئات المنابر كما في الغرف المغلقة يوميا.

فذاك هو جوهر كافة الأحاديث والنقاشات الدائرة في شؤون كبرى ساخنة لا تقل عما يجري في العراق وفلسطين ولبنان, كما في شؤون باتت "تقليدية" -بل ويتهمها البعض بأنها "ستاتيكية"- من مثل نقاشات وقرارات المؤتمر القومي الإسلامي, وخطابات الحكام العرب الأشبه بالتعاويذ التي تتحدث عن "الإصلاح" فقط لدرء خطر التغيير عنهم, تماما كما كان كهنة الحكام في السابق يقومون بشعائر بديلة أشهرها تقديم الأضاحي من الحيوانات, أو حتى من الآدميين الأضعف, لتحاشي أن يصل غضب الآلهة للنخب أو للجميع بمن فيهم النخب.

"
قبل بضع سنوات, كانت بيانات المؤتمر القومي الإسلامي تلقى التهليل الشعبي لأنها تلمس في آن وترين حساسين: العروبة والإسلام, ولكن هذه المرة علت تساؤلات عن جدوى انعقاد هذا المؤتمر إن لم يقدم حلولا عملية ملموسة على الأرض
"
وسنتوقف قليلا عند المؤتمر القومي الإسلامي, الذي هو أقدم محاولة إصلاح جمعية عربية لم تحبط نهائيا بعد, لأن ما يواجه به هذا المؤتمر الآن هو مؤشر هام على موضوعنا اليوم, وهو التغيرات في توجه الشارع.

فقبل بضع سنوات, بل وإلى ما قبل بضعة أشهر, كانت بيانات هذا المؤتمر تلقى التهليل الشعبي لأنها تلمس في آن وترين حساسين, أو بالأحرى مقدسين, عند الجماهير العربية: العروبة والإسلام. ولكن هذه المرة, علت تساؤلات عن جدوى انعقاد هذا المؤتمر إن لم يقدم حلولا عملية ملموسة على الأرض.

وهذا التساؤل حول جدوى المؤتمر الذي بات يرقى إلى الاتهام, بعضه جائز وبعضه في غير محله.

فحين يطرحه رجل الشارع المحايد أو المثقف أو السياسي المستقل, هو جائز لأنه يحاول أن يزن القدرة العملية للطروحات القومية والإسلامية على إخراجه من الواقع العربي المرير.

ولأن المجموعة التي تنادت لتأسيس هذا المؤتمر اختارت لنفسها هذا الاسم الكبير, فإنها تبدو وكأنها اختارت أن تنصب نفسها بديلا شعبيا لمؤسسة رسمية أخرى قائمة على نفس المساحة الجغرافية السياسية, وهي "مؤتمرات القمة العربية" (الجامعة العربية) وهي مؤتمرات تقييمها لدى الشارع العربي أصبح ما دون الصفر لأنه يعكس سياسات الأنظمة العربية التي يأس الشارع من إصلاحها.

ولكن حقيقة المؤتمر القومي الإسلامي غير هذه, فآخر ما يملكه هذا المؤتمر هو القدرة على الفعل بحكم طبيعته النخبوية وغير محددة شروط العضوية أو التزاماتها من جهة أخرى. فهو في حقيقته أقرب لناد للكبار (مقاما كما سنا, وماليا إلى حد بعيد إذ لا يستطيع الذهاب إليه "إلا من استطاع إليه سبيلا") يصدر بيانا بشأن الأوضاع العربية يعيد تأكيد "الثوابت" العربية الإسلامية.

ولكن تصاعد مساءلته من قبل الشعوب إلى ما يشبه المحاكمة مؤشر هام جدا على أن هذه "الثوابت" هي التي باتت موضع تساؤل ومحاكمة.

فالقدسية التي كانت قائمة للشعارات القومية والدينية بدأت تتساقط أمام الامتحان الحقيقي على الأرض. والطريف أن هذا الامتحان الشعبي الذي يسقط القدسية هو أكثر "أصولية " من أي طرح ديني أو قومي, كونه يعيد تلك الطروحات إلى أصولها التي جعلت الشعوب العربية تتبناها, والتي لا تقل عن تقديم الخلاص للأمة (تحرير, عدالة, مساواة.. الخ) على الأرض وليس في السماء.

وحين تصبح هذه الطروحات أيقونات معلقة في السماء وعلى العرب والمسلمين أن يموتوا في سبيل بلوغها لا أن يعيشوا بها, يبدأ التساؤل عاجلا أو آجلا عن جدواها.

والتساؤل العربي جاء "آجلا" بأكثر مما يجب, لهذا فهو ينذر بزخم تغييري أكبر مما يتوقع, أو يتأمل, الآمنون إلى مراكز قواهم الحالية.

"
حين تصبح  الطروحات القومية والدينية لخلاص الأمة أيقونات معلقة في السماء وعلى العرب والمسلمين أن يموتوا في سبيل بلوغها لا أن يعيشوا بها, يبدأ التساؤل عاجلا أو آجلا عن جدواها
"
ولأن الحاجة الضاغطة بهذا الحجم يمكن أن تؤدي بصاحبها إلى حال من التهور, أو تغري البعض باستباقه بعنف يغير موازين القوى لصالحها, فإننا بحاجة إلى أن تبدأ كل النخب بتقصي وتحليل كافة إرهاصات التغيير الآتي لتجنب أية خسارة جمعية لصالح منافع قطاعية.

وهنا أتوقف عند موقفين لفريقين مختلفين في مصر، أحدهما ورد في سياق نقد وجهه للمؤتمر القومي الإسلامي من يمثل إلى حد بعيد الفكر الإستراتيجي للدولة, وهو الدكتور عبد المنعم سعيد رئيس مركز الدراسات الإستراتيجية في "الأهرام" (وبهذا قد أكون أستجبت لطلب الدكتور سعيد بالتخصيص بدل التعميم).

والثاني, الاستعراض العسكري الذي قام به قبل أيام شبيبة من الإخوان المسلمين من طلبة الجامعات داخل حرم جامعة الأزهر واكتشاف بعض الأسلحة والذخائر في نزل للطلاب بالقرب من الجامعة. أي أننا نتحدث عن مثال من مصر أبرزته بعض الأحداث الأخيرة, ولكنه قابل للتعميم على أكثر من دولة عربية.

فالدكتور سعيد, في حوار على فضائية "الجزيرة" ضمه مع اثنين من أقطاب المؤتمر القومي الإسلامي, الدكتور هاني خصاونة من الأردن (قومي) والدكتور فهمي هويدي من مصر(إسلامي).. اتهم المؤتمر بالقصور عن تقديم حلول عملية, وحين طولب بالبديل قدم حلا من عنده يقوم على "دولة المواطنة".

ونحن لا نختلف مع الدكتور سعيد في طلب دولة المواطنة (بل ولا نختلف مع الكثير غير هذا مما قاله), فهذا بالذات ما تطالب به كامل القوى السياسية والاجتماعية في العالم العربي, ولا يعيق تحقيقه سوى الأنظمة الحاكمة التي تجرد المواطن من أهم حقوقه المواطنية, والتي هي حق الترشح لكافة المناصب العامة وحق انتخاب مرشحيه لهذه المناصب بنزاهة ودون تزوير لإرادته.

ولكن حقوق المواطنة هذه ليست من اختصاص المؤتمر القومي الإسلامي تحديدا, وإن أمكن إيراده كتوصية ضمن ما يعزز تحقق إرادة وسيادة الشعوب العربية.

فلا توجد "مواطنة عربية" تصدر جواز سفر عربيا وتستتبع حقوقا متساوية لحامليها.. فتلك يلزمها تحقق وحدة عربية "عضوية" وليس مجرد تكافل وتضامن عربي مما يطالب به المؤتمر ويعد لهذا حالما وهاربا من الواقع إلى الشعارات.. فكيف إن قرنت "بمواطنة إسلامية" مستحيلة, مما يعني وجوب الفصل بين القومي والإسلامي في المؤتمر!!

الحقيقة أن ما طرحه الدكتور سعيد هو استبدال لحظي (لحظة مجادلة القومي والإسلامي, أو لحظي بمعنى مرحلة تاريخية قومية صعبة) للانتماء القومي بانتماء قطري (مصر أولا والأردن أولا.. الخ).

وهي كلها طروحات لم تقدم شيئا على طريق إحقاق حقوق المواطنة وفي مقدمتها الحقوق السياسية, إضافة إلى أن الدول التي طرحتها لا تلبث أن تعود إلى -أو هي تظل ولا تنقطع عن- الحراك النشط خارج حدودها القطرية وباسم الحرص على المصالح العربية العليا, أو الحرص على مصالح "القطر" كونه مرتبطا مصيريا بأمته.. الخ.

وهو حراك يستجلب في كثير من الأحيان غضب أنظمة وشعوب عربية أخرى أو قطاعات منها, أو غضب المعارضة الداخلية, القومية والإسلامية منها بالذات!!

"
إذا كان حسن نصر الله قد جدد الأمل بظهور قيادة تغيير عربية منضبطة ومسؤولة بعد عبد الناصر, فإن شخصه هو والحالة التي توفرها ديمقراطية لبنان أمر غير متيسر بذات القدر لكافة الدول العربية
"
واستسهال تكرار طرح هذه الحقوق في أدبيات الدولة, أية دولة, مع استمرار تغييبها في الإجراءات الفعلية على الأرض, هو ما يشجع قطاعات تؤمن بالعنف السياسي على طرح نفسها كبديل.

وهذا ما فعله الإخوان المسلمون في عرض جامعة الأزهر الذي لا يمكن أن يكون دون علم بعض زعاماتهم على الأقل, ولا أن يكون قرارا لحظيا أرعن اتخذته مجموعة شباب خارج أساليب الجماعة المقبولة. فالأمر تطلب تحضيرا وعدة عرض, كما أن العرض عكس تدريبا سابقا عليه, ناهيك عن الأسلحة التي ضبطت!!

ثم إن لهذا الحدث تاريخ. ففي أواخر الأربعينيات وبداية الخمسينيات كان هنالك مخطط مماثل يستثمر (أو يعالج, حسب رأي الإخوان وقناعتهم) حال الحكم حينها.. ولو لم تسبق حركة "الضباط الأحرار" حركة "الإخوان", ودونما صدفة بل ولتخوف مشروع لدى الضباط الأحرار من انفلات الوضع إلى عنف وفوضى كما تثبت الوثائق والشهادات.. لتغير تاريخ مصر والمنطقة لما هو اسوأ.. ولمن لا يتصور الأسوأ عليه أن يتصور نجاح سيناريوهات الاغتيالات البديلة!!

والأدهى أننا نعرف كشعوب أن إسرائيل دخلت على خط الاغتيالات الآن بعد أن باتت تتجول بحرية أكبر, ولا نستبعد أن تستثمر تهورات كالتي شهدناها في عرض جامعة الأزهر.

وإذا كان السيد حسن نصر الله قد جدد الأمل بظهور قيادة تغيير عربية منضبطة ومسؤولة بعد عبد الناصر, فإن شخصه هو والحالة التي توفرها ديمقراطية لبنان -ولو على طريقتها وبمشاكلها الخاصة- أمر غير متيسر بذات القدر لكافة الدول العربية.

لهذا فهو يبقى مثالا يحتذى للقيادات و"معيار جودة" لدى الشعوب, ولكنه, حتى اللحظة, غير قابل للتصدير ولا للاستنساخ!!

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة