هل ينقذ سوريا مؤتمر وطني؟   
الجمعة 15/6/1426 هـ - الموافق 22/7/2005 م (آخر تحديث) الساعة 14:41 (مكة المكرمة)، 11:41 (غرينتش)






















أكرم البني

مع استمرار حالة الاستعصاء في مسار الإصلاح وتسارع التطورات الإقليمية والضغوط الخارجية ارتفعت الأصوات من مختلف الفئات السياسية والثقافية السورية الداعية لعقد مؤتمر وطني بصفته مدخلاً لا بد منه لإنقاذ المجتمع من تفاقم أزمات تهدده وتحديات تعترضه.

وفكرة المؤتمر الوطني ليست جديدة، إذ سبق وطرحت في محطات مختلفة من التاريخ السوري ربطاً باشتداد الظروف التي تمر بها البلاد وعمق مأزقها، وغالباً ما تناولها خطاب المعارضة كلما ازدادت الأوضاع سوءاً أو نما شعور بحالة العزلة والحصار أو بتوجس من ارتباك مواقف النظام وقلق من أن تفضي سياساته الضيقة إلى مزيد التراجع والتردي.

فبعد انهيار ما عرف بدول المنظومة الاشتراكية أثيرت فكرة المؤتمر الوطني على أمل أن يتولى رسم مخرج آمن للمجتمع السوري بعيداً عن انهيار مماثل، تكرر الأمر بعد أحداث سبتمبر/أيلول عام 2001 ثم فور الحرب على العراق واحتلال أرضه بأفق أن يضع مثل هذا المؤتمر البلاد في منأى عن مصير مشابه.

"
شيوع الدعوة لمؤتمر وطني واتساعها يرتبط اليوم بمدى صعوبة الظروف التي يمر بها النظام والمجتمع على حد سواء، وضعت سوريا في دوامة أزمة تزداد تفاقماً، بين استمرار العجز عن تلبية حاجات المجتمع ورهانات سياسية خارجية مربكة وفاشلة
"
واليوم تعود حليمة لعادتها القديمة ويلتقي على هذه الدعوة طيف واسع من قوى المعارضة السورية القومية والدينية وعديد من منظمات المجتمع المدني، ولأول مرة تعلن جماعة الأخوان المسلمين مطلع شهر أبريل/نيسان المنصرم في ما سمي النداء الوطني للإنقاذ "الدعوة إلى مؤتمر وطني شامل لا يستثني أحداً، ولا يلغي أحداً، يمثل كل التيارات والأطياف، والطوائف والأعراق، داخل الوطن وخارجه، لبناء الكتلة الوطنية الصلبة التي تتحمل العبء الوطني بكل أبعاده".

وحمل النداء مطالب ديمقراطية متنوعة أهمها "إلغاء المادة الثامنة من الدستور ووضع قانون للأحزاب وتحديد موعد لإجراء انتخابات حرة نزيهة " في الوقت ذاته تقريباً، وفي السابع عشر من شهر أبريل/نيسان -ذكرى يوم الاستقلال- كرر التجمع الوطني الديمقراطي -وهو تنظيم المعارضة الرئيس داخل البلاد- دعوته القديمة "لعقد مؤتمر وطني، دون أن يستثني أحداً بما في ذلك الحوار مع جماعة الأخوان المسلمين بصفتهم جزءا من النسيج السياسي السوري" ربطاً مع مهام ديمقراطية عن الحريات والتعددية وتداول السلطة اعتاد أن يطرحها الطيف المعارض، ناهيكم عن أن العديد من المقالات والدراسات الناقدة للوضع السوري تناوبت على المطالبة بمؤتمر وطني كفاتحة لإنقاذ البلاد مما وصلت إليه.

إن شيوع الدعوة لمؤتمر وطني واتساعها يرتبط اليوم بمدى صعوبة الظروف التي يمر بها النظام والمجتمع على حد سواء، جراء تراكم أخطاء في السياستين الداخلية والخارجية وضعت سوريا في دوامة أزمة تزداد تفاقماً، بين استمرار العجز عن تلبية حاجات المجتمع وعن فتح الأفق أمام التغيير بفشل أولوية الإصلاح الاقتصادي والإداري وتفشي ظواهر التخلف والفقر والفساد بصورة لم يسبق لها مثيل، وبين رهانات سياسية خارجية مربكة وفاشلة أفضت إلى سحب القوات العسكرية من لبنان وانحسار الوزن الإقليمي السوري إلى أدنى درجاته منذ عقود.

لكن المطالبة بمؤتمر وطني لا تقف على أرض واحدة ولا تستدعيها أسباب واحدة، فلدى بعض القوى المعارضة دافع صادق ولنقل إستراتيجيا من تبني هذه الفكرة، ليس فقط بسبب توافقها الأيديولوجي قومياً والسياسي وطنياً مع كثير من المبادئ المعلنة للنخبة الحاكمة، وإنما أيضاً بسبب قناعتها بوجود مصلحة ودور رئيس لهذه النخبة في عملية التغيير المنشود، وتالياً رهانها على تحول منتظر يمكن أن يجريه النظام السوري صوب الانفتاح على المعارضة والاعتراف بدورها كشريك طرداً مع تأزم المجتمع واشتداد حال الحصار.

وتعزز هذا الخيار مناهضة هذه القوى لأي شكل من الإملاءات الديمقراطية الخارجية، ليغدو المؤتمر الوطني عندها أشبه بضرورة داخلية لإصلاح شامل وإعادة بناء الوحدة الوطنية وقوى المجتمع وقدراته على أسس راسخة في ظروف تصاعد التهديدات والضغوط، مستبقة مشروع الإصلاح الخارجي ومعترضة أهدافه المغرضة.

من جهة ثانية ثمة من يؤكد على ضرورة إدراج قوى النظام في عداد مكونات المؤتمر الوطني، ليس لأنه يراهن على احتمال مشاركتها، وقد قطع الأمل نهائياً من إمكانية أن تلعب النخبة الحاكمة دوراً في مشروع الإصلاح الديمقراطي، بل لغرض تكتيكي، هو إحراج هذه النخبة وفضح عمق المصالح الأنانية والخاصة التي تقف وراء سياساتها وممانعتها للتغيير، وأساساً الإفادة من هذه الدعوة للتعبئة حول المهام الديمقراطية التي يفترض أن تشكل جوهر برنامج المؤتمر وأهم موضوعاته.

ويبدو أن أصحاب هذا الرأي على يقين بأن السلطة لن تتنازل وتقبل أي مشاركة سياسية، وحتى حوارية بأي حال، وإذا قبلت كاحتمال ضعيف جداً يشكل قبولها نقطة في صالح المعارضة وكأنها بداية معلنة لفك احتكار حزب البعث للسلطة، بينما يرجحون العكس أي استمرار رفض السلطة وممانعتها، طالما تعتبر نفسها سلطة مكتفية بذاتها، لا قيمة بنظرها لمن هم خارجها، هي العالمة بكل شيء، والقادرة لوحدها على إنجاز كل شيء، ولها الحق في كل شيء، بدليل إصرارها على تغييب الآخرين وازدراء دورهم رغم الظروف العصيبة التي تمر بها البلاد والتفرد عبر مؤتمر الحزب الحاكم في وضع ما تراه مناسباً من حلول للأوضاع التي صرنا إليها, وأيضاً بدليل أنها لم تظهر أي تغيير في قناعاتها لا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ولا بعد احتلال العراق، ولا بعد انسحاب قواتها من لبنان وانحسار دورها الإقليمي.

"
في مقابل دعاة المؤتمر الوطني ثمة موقف رافض للفكرة من أساسها، ويجد أصحاب هذا الرأي أن ليس من مصلحة المعارضة المشاركة في مؤتمر وطني حتى لو قدمه النظام على طبق من ذهب لأنها معارضة ضعيفة
"
إذ توقع الكثيرون منطقياً أن يشكل انسحاب القوات العسكرية من لبنان نقطة تحول تشجع السلطات السورية على تنشيط مسار الإصلاح السياسي والاهتمام جدياً بالوضع الداخلي وبحاجات الناس وحقوقهم، لكن يبدو أن الأمور سارت خلافاً للمنطق وثمة بداية تحول لإحياء الأساليب القديمة في إدارة المجتمع وضبط أنشطته، أو لنقل خيارا أمنيا تنجز حلقاته ويتقدم ببطء في مواجهة خيار التغيير والإصلاح لضبط قواعد اللعبة وإبقائها تحت السيطرة تماماً خوفاً من أي اهتزاز في الوضع الداخلي، بما في ذلك ردع جديد للنشاطات المدنية والسياسية، أهم تجلياته إغلاق منتدى الأتاسي للحوار والاعتقالات غير المبررة التي طالت عدد من النشطاء الحقوقيين والسياسيين، وما التلويح باستخدام القبضة الحديدية في عصر الانفتاح والانفراجات إلا دلالة على عمق المصالح الخاصة التي لا تزال تدفع السلطات للسير عكس المنطق وضد السياق الطبيعي لما هو مطلوب وطنياً في معالجة أزماتنا وأمراضنا المزمنة.

في مقابل دعاة المؤتمر الوطني ثمة موقف رافض للفكرة من أساسها، ويجد أصحاب هذا الرأي أن ليس من مصلحة المعارضة المشاركة في مؤتمر وطني حتى لو قدمه النظام على طبق من ذهب لأنها معارضة ضعيفة غير قادرة على تحقيق مشاركة فاعلة أو التأثير على قراراته ونتائجه.

فماذا يعني المؤتمر الوطني وما هي فرص نجاحه إذا صارت الكتلة الرئيسة فيه للنظام وشركائه في الجبهة، هل يغدو عامل تغيير أو إنقاذ أم يصب الماء في طاحونة النظام ويشكل غطاءاً شرعياً لتعزيز سلطانه؟ أليس من المرجح أن ينحرف المؤتمر عن أهدافه الديمقراطية وينحو في ضوء ارتفاع حرارة الضغوط الخارجية صوب مزايدات وطنية تمنح الأولوية لتوحيد الصفوف في مواجهة الهجمة الإمبريالية، كذا.. وما يعنيه ذلك من ضرورة الدفاع عن بقاء سياسات السلطة واستمرارها بأي ثمن؟. وأيضاً ألا يساعد الوزن المادي والمعنوي الكبير للنظام في المؤتمر على فرض شروطه وتصنيفاته تجاه القوى المرشحة للمشاركة مطيحاً ببعضها وتالياً بهدف المصالحة الوطنية الشاملة الذي يتطلع الكثيرون لإنجازه، ما قد يشق صفوف المعارضة ويزيد من ضعفها ضعفاً في التنطح لمهامها الديمقراطية؟

ثم بأي عصا سحرية يمكن التوفيق بين قوى متنوعة وتختلف جذرياً على ماهية موضوعات المؤتمر وطابع أهدافه، فبينما يحمل بعضها برنامجاً شاملاً للتغيير يصل إلى حد إقرار تحولات ديمقراطية تتضمن تعديل الدستور السوري وإلغاء المادة (8) منه التي تحصر قيادة البلاد بحزب واحد هو حزب البعث، بما في ذلك تعديل نصوص تتعلق بصلاحيات رئيس الجمهورية، ثمة من لا تعنيه هذه المطالب الديمقراطية ويوافق على هذه الفكرة لدواعٍ وطنية محضة تقضي فقط برص الصفوف في خندق مواجهة التحديات الخارجية والأخطار الداهمة.

طبعاً يصح طرح التساؤلات السابقة في ضوء احتمال أن يهتم النظام بمثل هذا المؤتمر حتى لو سخره لدعم سياساته الخاصة، لكن الأرجح أن نلمس استمرار إهمال إن لم نقل ازدراء المسؤولين السوريين لفكرة المؤتمر الوطني، فهم لا يجدون أي دواعٍ لمصالحة وطنية وليس ثمة حاجة عندهم لمثل هذه النقلة التشاركية مهما تواضعت النقاط التي سوف تثار فيها، بل ينصحون من يجد نفسه متحمساً للمشاركة في معالجة أزمات المجتمع ومشكلاته الالتحاق بركب السلطة "على العمياني" ودعم سياساتها "الوطنية والقومية" التي يتربص الأعداء للنيل منها.

لقد "نفض البعض يده" من السلطة وفقد الثقة بدورها ووعودها الإصلاحية بعد مراوحة في المكان دامت سنين وسنين، لكن حتى وإن صح اليوم المثل القائل "مكره أخاك لا بطل" وأن النظام السوري بات مجبراً أكثر من أي وقت على التغيير، فإن الأهم في رأي هؤلاء هو التركيز على مرحلة تمهيدية تسبق المؤتمر إذا كان ثمة حاجة حقيقية لعقده، تتسم بالعمل لتحقيق بعض المطالب الديمقراطية وفي القلب منها رد المظالم إلى أهلها وإطلاق الحريات العامة لبناء عتبة من الثقة والاطمئنان بين الناس والسياسة، فلن تكون لمؤتمر وطني أي فاعلية في مجتمع فرغ من قواه الحية، وأنهكته صنوف القهر والإقصاء.

"
الإصلاح الحقيقي وحتى المؤتمر الوطني الناجح لا يمكن أن يتحققا إلا في حال تكوين قوة سياسية ضاغطة تحمل مشروعها الديمقراطي المستقل، كطريق رئيسة لفرض التنازلات السياسية والاجتماعية الحقيقية على نخبة وصائية
"
ويدفع أصحاب هذا الرأي موقفهم خطوة كبيرة إلى الأمام بالقول إن ما يهدد المجتمع ليس التحديات الخارجية التي يجري المبالغة في رسم مخاطرها، بل أن ينهار البناء الداخلي بفعل الفساد والاستبداد ونظام التمييز والامتيازات وتفاقم ظواهر الاحتقان الاجتماعي والتذرر الوطني، ما يمنح الأولوية لمعركة التغيير الديمقراطي وليس لأي شيء آخر، وتالياً يخطئ من يعتقد بأن الشعار الذي يرفع اليوم حول المؤتمر الوطني سوف يفضي إلى إحراج النظام في مسألة الإصلاح والتغيير لأن الأمور سوف تنقلب على المعارضة بقدر ما تغذي الوهم بإمكانية الإصلاح من داخل النظام وتعطل التفكير في دفع المجتمع نفسه إلى أخذ هذه المسؤولية على عاتقه والانخراط بنفسه في معركة التغيير الديمقراطي.

إذاً، ألا يصيب كبد الحقيقة من يعول بداية على مؤتمر وطني يشمل قوى المعارضة السورية فقط وباستبعاد صريح للسلطة وحلفائها، لسبب بسيط أن هؤلاء لا يجمعهم اليوم أي جامع عميق مع مشروع التغيير الديمقراطي الذي ترفعه المعارضة، خاصة وأنها لا تزال معارضة ضعيفة ومشتتة والأجدى -كي تقوى ويشتد عودها- المبادرة إلى توحيد صفوفها أولاً وتوسيع نفوذها ودورها المستقل على المستوى الوطني ثانياً.

وطبعاً لا يمكن لهذا الهدف أن يتحقق وتتحول المعارضة بذاتها إلى قوة فاعلة تحوز ثقة المجتمع ويحسب حسابها في معادلة الصراع الداخلي وفي رسم السياسات العامة، دون أن تتحرر من عقلية التعويل والرهان على غير المجتمع وقواه الحية ودون اعتماد إستراتيجية جديدة في التغيير تقطع فيها مع النظام الحاكم وتكف عن استجدائه، خاصة وأن أمام عيونها عقودا من تجريب المناشدات من أجل الإصلاح دون جدوى وسنوات من المماطلة واستمرار الممانعة في تغيير عقلية الحكم وسياساته.

إن الإصلاح الحقيقي وحتى المؤتمر الوطني الناجح لا يمكن أن يتحققا إلا في حال تكوين قوة سياسية ضاغطة تحمل مشروعها الديمقراطي المستقل، كطريق رئيسة لفرض التنازلات السياسية والاجتماعية الحقيقية على نخبة وصائية اندمجت مصالحها مع الحكم وكرست نفسها مالكة لمؤسسات المجتمع وثرواته.

ثم من قال إن مواجهة الأخطار الخارجية تستدعي التماهي مع سياسات النظام التي قادتنا إلى ما نحن فيه؟ ألم تؤكد التجارب التاريخية والمحن التي مررنا فيها أن التصدي الأنجع للتحديات الماثلة أمام الوطن تتطلب تحرير السياسة من السيطرة الأحادية والقبول بدولة المواطنة والمساواة والعدالة وتكافؤ الفرص، وتستدعي تالياً احترام تكوينات المجتمع السوري وحقوقها، بما في ذلك تنمية حضور المجتمعين الأهلي والمدني وتعزيز دورهما وتشابكهما في النسيج الوطني العام والبناء أساساً على ضرورة وجود سلطة ومعارضة. لكل منهما برنامجه الخاص وطرائقه في التفكير والتعبئة والعمل وحق إدارة الحكم ومراقبته؟

والنتيجة، أن الدعوة إلى مؤتمر وطني دون مناخ الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وسيادة القانون لن تكون عامل إنقاذ للبلاد ولا من يحزنون، بل هي أشبه "بفت الخبز خارج الصحن" ويغدو الإصرار عليها مجرد هدر للجهود والقوى وحرف الأنظار عن المهمة المركزية، مهمة انتصار الإصلاح السياسي والتغيير الديمقراطي. ــــــــــــــــــ
كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة