قطر حين تسدّ عجز الأمة   
الاثنين 1433/12/14 هـ - الموافق 29/10/2012 م (آخر تحديث) الساعة 9:11 (مكة المكرمة)، 6:11 (غرينتش)
مؤمن بسيسو

 

للمرة الأولى يخترق رئيس دولة عربية قلب الحصار المفروض على غزة، ويتجاوز المعادلات العربية التقليدية التي جعلت غزة منطقة محظورة الدعم الفعلي والإسناد الحقيقي، اللهم إلا من الدعم اللفظي الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، ويتحدى أعواما عجافا من التآمر الدولي والصمت الإقليمي الذي أحال غزة إلى كتلة ملتهبة من الألم والمعاناة.

زيارة أمير قطر لغزة صفعة قوية للسياسة العربية الباهتة والمتهافتة التي ارتضت التبعية والدونية للغرب، ولم تجد حرجا في التساوق مع مشاريعه الهدامة لطمس القضية الفلسطينية

لقد كانت زيارة الأمير القطري إعادة وصل لحبل الود والدفء العربي الذي تهتكت أنسجته طيلة مرحلة الحصار، وإعادة تموضع وتركيز للقضية الفلسطينية في قلب السياسة العربية النظيفة التي تنسجم مع قضايا ومصالح الأمة بكل معنى الكلمة، وصفعة قوية للسياسة العربية الباهتة والمتهافتة التي ارتضت التبعية والدونية للغرب، ولم تجد حرجا في التساوق مع مشاريعه الهدامة لطمس القضية الفلسطينية وذبح الفلسطينيين ومقاومتهم الباسلة تحت حجج واهية ومبررات عقيمة.

قد تكون الاعتبارات الإنسانية والاقتصادية الأعلى صوتا في سياق الزيارة، إلا أن ذلك لا يلغي القوة السياسية والمعنوية الكبرى التي قذفت بها الزيارة في وجه الحصار الشرس المفروض على القطاع منذ ست سنوات، ويفتح كوة واسعة في جدار الموقف الإقليمي والدولي المتواطئ على حصار القطاع.

ولعل في كلمة الأمير القطري أمام النخب الفكرية والسياسية الفلسطينية إبان الزيارة -التي أشاد فيها بصمود غزة، وتأكيده أن غزة قدمت درسا للمتخاذلين وكانت سببا في انطلاق الربيع العربي، وأن دعمها يشكل واجبا إنسانيا وقوميا وليس منّة- ما يشير إلى القيم العروبية الأصيلة التي كرستها الزيارة، وتهافت كل الشبهات والأراجيف التي حاول البعض إلصاقها بها من وحي الحسد والبغض السياسي.

ولئن قطفت حركة حماس وحكومتها ثمرة الزيارة وكانت الأكثر سعادة واستبشارا بها، فإن قطاعات واسعة من الفلسطينيين -وخصوصا من أهالي القطاع المحاصر- لم تكن أقل سعادة في ظل المشاريع القطرية الضخمة التي سيتم ضخّها على المستوى الإنساني والاقتصادي والإنمائي، ولسان حالهم يلهج بالشكر ويصدح بالثناء على الدعم القطري الذي لامس قلوبهم ووعيهم، قبل أن يلامس أرضهم ومنشآتهم وبنيتهم التحتية، في ظل كبوة عربية رسمية تساوقت طيلة الأعوام الماضية مع متطلبات الحصار الدولي المفروض على القطاع.

مع زيارة أمير قطر لغزة تنزاح غمامة سوداء من السماء العربية، وتبدو في الأفق تباشير واثقة لمستقبل واعد يكتسي فيه الموقف العربي الجرأة المطلوبة لنصرة الذين ظلموا دهرا في غزة، ويأخذ بأيديهم إلى سلم الخروج من نفق الأزمات التي تقاطرت عليهم خلال المرحلة الماضية.

لقد كان لأمير قطر فضل السبق في تعبيد الطريق العربية الرسمية إلى غزة، ولن تعترينا المفاجأة إذا ما حمل المستقبل القريب زيارة عربية رسمية إلى غزة من الوزن الثقيل، فقد أضحت التربة خصبة والبذرة مهيأة تماما لنماء موقف عربي جديد تجاه غزة، يجنح إلى الدعم العملي المطلوب لها ويضعها في صلب اهتماماته القومية.

ومع ذلك فإن جرأة البعض في إطلاق موجة النقد والشتائم والتشويه والتحريض ضد الموقف القطري على وجه العموم، وزيارة غزة على وجه الخصوص، بلغت حدا غير مسبوق.
هذه الموجة لم يتولَّ كبرها الإسرائيليون الذين عبروا بوضوح عن غضبهم من الزيارة وتداعياتها المتوقعة، ولا الإدارة الأميركية والدول الأوروبية التي راقبتها بعين الحذر الكبير، بل تولت كبرها جهات فلسطينية وعربية اعتادت قراءة المواقف السياسية بالمقلوب، وأدمنت على رؤية تضاريس الساحة الفلسطينية والعربية من زاوية مصالحها الفئوية والجهوية الخاصة.

يستكثر هؤلاء على قطر لعب هذا الدور السياسي والدبلوماسي الذي يعتبرونه أكبر بكثير من حجمها الجغرافي، وتناسوا أنهم أهملوا غزة ولم يحركوا ساكنا لنصرة أبنائها وأهلها، وربما تآمر بعضهم عليها على مدار سنوات الحصار الماضية، وتجاهلوا أن قطر تحاول اليوم ردم ما تستطيع ردمه من تقصيرهم العميق تجاه أشقائهم المحاصرين في غزة، وسد فجوات التخاذل الكبرى التي اشتركوا في صناعتها على مدار سني الحصار الطافحة بما يشيب له الولدان، وما لا يقرّه دين أو خلق أو منطق أو ضمير.

حين تحركت الدبلوماسية القطرية في اتجاه نصرة غزة تحركت معها الأبواق السياسية والإعلامية الناعقة بالسوء لتشوه جمال المشهد القطري ورشد السياسة القطرية تجاه استنقاذ غزة

وحين تحركت الدبلوماسية القطرية في اتجاه نصرة غزة تحركت معها الأبواق السياسية والإعلامية الناعقة بالسوء لتشوه جمال المشهد القطري ورشد السياسة القطرية تجاه استنقاذ غزة المحاصرة، وتثير في الأجواء أغبرة كثيفة تغطي على درجة وحجم التقاعس والخذلان العربي الرسمي تجاه غزة وأهلها الصامدين.

منذ الإعلان عن نية الأمير القطري زيارة غزة، حاول هؤلاء ليّ عنق الحقائق، ونسجوا أوهاما عن المخاطر والتداعيات السلبية التي تحملها الزيارة على وحدة التمثيل الفلسطيني ووحدة الوطن والجغرافيا الفلسطينية، وبدا أن التدليس قد أضحى السلاح الأمضى لهؤلاء من أجل إحباط الزيارة وحرمان غزة من رحيق الدعم العربي الذي انتظرته طويلا بفارغ الصبر.

لكن قطر مضت في طريقها المرسوم، غير عابئة بشطحات التحريض وغبار المواقف، وقدمت نموذجها الريادي الملهم للأمة جمعاء، وأثبتت عِظَم الفرق بين النظرية والتطبيق، وبين الشعار والواقع.

الموقف الأكثر إيلاما تجسد في ردّ السلطة الفلسطينية في رام الله وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية على الزيارة، فقد ألقى هؤلاء غزة وحصارها ومعاناتها وراء ظهورهم، واستحكمت النعرة الحزبية في عقولهم وتفكيرهم على حساب القيم والأخلاقيات الوطنية الفلسطينية.

لم يدُرْ في خلد هؤلاء أن السياسة حين تقف موقف الضد والنقيض مع الإنسانية فإن على السياسة حينئذ أن تتنحى جانبا، وأن المصالح الفئوية والحزبية حين تتنافس في ميزان التفاضل مع معاناة الناس فإن هذه المصالح تسقط بامتياز، فكيف لو كانت السياسة من المشتبهات التي تضرب الشكوك مصداقيتها، وبلغت المصالح الحزبية دركا هابطا لم يسبق له مثيل؟!

إن تخوفات البعض من آثار الزيارة ليس لها ما يبررها على الإطلاق، فهي تدور في فلك التخمينات والتكهنات لا أكثر، وتعجز عن قراءة الزيارة قراءة سليمة تتساوق مع معطيات وظروف الواقع الفلسطيني والإقليمي والدولي الراهن.

ولعل شبهة تكريس الانفصال والانقسام هي أكثر ما يزعج المتخوفين من الزيارة وما بعدها، وهي مظنة سوء في نظر البعض الذي يتباكى على الوضع الفلسطيني الداخلي ومآلاته المؤسفة، وكأنّ الزيارة سوف تمنح غزة وضعا سياسيا خاصا، وتفتح لها آفاق العمل والانطلاق، وتطوي صفحة الحصار إلى الأبد!

وهكذا، فلو أن كل من يتعاطى السياسة والعمل الحزبي في العالم كان مثلنا نحن الفلسطينيين لخربت السياسة، وأسنت الحياة الحزبية، وسادت الفوضى، وعمّ الاضطراب.

ولا مفر من الاعتراف بأن المبالغة التي تبلغ حد الإزعاج، وتحميل الأمور فوق ما تحتمل، تشكل إحدى سمات العمل السياسي والحزبي الفلسطيني، وبلغة أصح فإنها تشكل داء مزمنا هدّ –ولا يزال- الجسد الفلسطيني المثخن بالأمراض والجراحات.

وبكل موضوعية وإنصاف، فإن كل من يتجرّد من الأهواء السياسية والحزبية فإنه يرى في الزيارة أبعادها الإنسانية والاقتصادية والإنمائية الهامة، ويعاين فيها وجها مشرقا لحالة عربية جديدة وناهضة تحاول الوفاء بواجباتها الدينية والعروبية تجاه غزة المحاصرة، وتخفيف جزء من معاناتها الكبرى وإنقاذها من بعض أزماتها المستعصية قدر الإمكان.

أما الحديث عن الاستثمار السياسي للزيارة الذي تستحثه الدبلوماسية القطرية، وما قيل في هذا الجانب من تحليلات واجتهادات، فإن هذا شأنٌ يخص القطريين وحدهم، وهو –بلا ريب- حق من حقوقهم، ومن العيب أن ننكر على الدبلوماسية القطرية مفاعيلها النشطة في وقت نصمت فيه صمت القبور على المال السياسي المسموم الذي يَرِدُ جيوب السلطة الفلسطينية في رام الله من مزاريب الدول المانحة من جهة، ونتجاهل أبسط أسس وقواعد العمل السياسي والدبلوماسي المعروفة التي تنص على أحقية بل وضرورة سعي الدول لنشر أشرعة عملها السياسي وجهدها الدبلوماسي خارجيا بما يحقق أهدافها ومصالحها من جهة أخرى.

غزة تستفيد اليوم أكثر ما يكون إنسانيا واقتصاديا من زيارة الأمير القطري، ولا يعني ذلك أنها لا تستفيد سياسيا في إطار مغالبتها لمشهد الحصار المضروب، لكن هذه الاستفادة تبقى في المقام الأول رمزية ومعنوية في ظل استمرار التآمر الإقليمي والدولي على غزة، وعدم وجود ما يشير إلى تغيّر جذري أو اختراق جوهري لمعادلة الحصار والعدوان القائمة.

كلّ من يقدم لغزة دعما غير مشروط نصدح في وجهه بآيات الشكر والتقدير والعرفان، فغزة بحاجة إلى كل قطرة دعم عربية وإسلامية

ومن هنا فإن كلّ من يقدم لغزة دعما غير مشروط نصدح في وجهه بآيات الشكر والتقدير والعرفان، فغزة بحاجة إلى كل قطرة دعم عربية وإسلامية، ومن يتباكى على المصالحة الفلسطينية ويتخوف من تعميق الانقسام على إيقاع زيارة أمير قطر فإنه يجانب الصواب، ويخطئ قراءة الواقع، إن كان مشفوعا بحسن النية، أو يجسد إثما حاك في صدره إن كانت نيته في الاتجاه الآخر.

لقد كان بإمكان الرئيس محمود عباس أن يستثمر فرصة دعوة أمير قطر لمشاركته زيارة القطاع كي يحقق انطلاقة حقيقية في مسار المصالحة الفلسطينية، ويقضي على التشرذم الفلسطيني الداخلي، بما يسجل في صحائفه بمداد من ذهب، لكن حساباته –بكل أسف- كانت شخصية وفئوية بامتياز، مما أضاع الفرصة الناجزة وأفسد فرحة إمكان لمّ الشمل وجمع الشتات الفلسطيني في مواجهة التحديات المفروضة.

لقد أثبتت قطر جدارتها في نصرة أشقائها الفلسطينيين، ولن تتوقف عجلة الدعم القطري عن غزة المحاصرة حتى ينتهي الحصار وتزول المعاناة ويعيش الفلسطينيون كراما على أرض وطنهم، وباتت الأنظار معلقة اليوم في اتجاه بقية الدول العربية، وخصوصا الكبرى منها، التي تقترب بشدة من محك الاختبار الأكبر على حدود غزة ومعاناتها الكبرى.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة