صراع المحاور في غزة   
السبت 1430/1/21 هـ - الموافق 17/1/2009 م (آخر تحديث) الساعة 15:27 (مكة المكرمة)، 12:27 (غرينتش)

 

خالد المعيني

الاصطفافات الجديدة
إعادة إنتاج عناصر الصراع
المحاور والتنافس الإيراني/التركي
مستقبل النظام الرسمي العربي

قد يبدو للوهلة الأولى أن ما يجري في غزة ليس سوى معركة عسكرية محدودة بين حماس وإسرائيل، والحقيقة أن هذه المواجهة أعمق من ذلك بكثير وما هي إلا بوابة لانطلاق صراع إقليمي وفق خطوط تقسيم جديدة، قد تكون شرارته العسكرية الأولى بدأت في غزة ولكن ساحات تأثيره ستمتد سياسيا واقتصاديا ودبلوماسيا لتشمل منطقة الشرق الأوسط برمته.

فمنذ انطلاق ما يسمى الحرب العالمية على "الإرهاب" عام 2000 تم تصنيف الدول والحركات السياسية والمسلحة وفق المقياس الأميركي الجديد "من ليس معنا فهو ضدنا"، وهكذا اصطفت الدول والحركات بل وحتى المنظمات الدولية على هذا الأساس.

وجاء احتلال أفغانستان وغزو العراق بتلك الطريقة الفجة وإعدام رئيسه ليشكل درسا بليغا عجل في رص الاصطفاف وخاصة الحكومات العربية المترددة التي باتت تستجدي عطف إسرائيل ووساطتها لنيل رضا القوة العظمى والأولى في العالم.

"
صبت الاصطفافات الجديدة مباشرة في صالح إسرائيل فقد حيدت بذلك الكثير من دول المواجهة العربية تحت بند الحرب على الإرهاب وحددت إمكانية التعاون أو العمل ضد مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل
"
الاصطفافات الجديدة

صبت الاصطفافات الجديدة مباشرة في صالح إسرائيل فقد حيدت بذلك الكثير من دول المواجهة العربية وجيوشها تحت بند الحرب على الإرهاب وحددت إمكانية التعاون أو العمل ضد مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل.

هذه الدول شكلت فيما بعد حاضنة عربية دافئة لإسرائيل لبلورة وقيادة محور جديد في المنطقة أطلق عليه وروج له على أنه محور دول الاعتدال، كما ضمنت تصنيف الدول المتمردة وحركات المقاومة السياسية المسلحة ضدها على أنها في صف الإرهاب وداعمة له.

انسجاما مع هذا السياق ألبست الحرب في العراق ثوبا مذهبيا ليشكل النموذج الأولي، وفي لبنان ألبست الحرب نفس الثوب، واليوم في فلسطين أصبح هذا التقسيم أمرا واقعا حيث يتضح من تصريحات رموز هذا المحور أو ذاك تطور المفاهيم ووضوح أطرافه وحسم المواقف سياسيا واقتصاديا وعسكريا.

هذا الانقسام الحاصل على مستوى الأنظمة السياسية والنخب سيشمل بعد أن تكتمل وتنضج ملامحه نمطا جديدا من التحالفات والحروب بالنيابة والانقلابات في المستقبل، وكذلك استقرار مواقع وأدوار كل من إيران وتركيا في هذا المحور أو ذاك.

إعادة إنتاج عناصر الصراع
يعد إضفاء الطابع المذهبي على المحاور محاولة مدروسة بعناية من خلال إعادة تفكيك العناصر السابقة للصراع العربي/
الصهيوني وإعادة إنتاجه بمعادلة جديدة تتغير فيها البوصلة والأولويات وتختلط فيها الأوراق، وتزيد من الانقسام العربي والإسلامي وتشويش الرؤى لصالح كفة إسرائيل.

ففي العراق حيث اختبر النموذج الأولي لصراع المحاور بنجاح من خلال تطبيقه على المقاومة العراقية التي انطلقت كرد فعل طبيعي على الغزو والعدوان، نجد أن أنظمة الاعتدال العربية تخلت عن هذه المقاومة لصالح المشروع الأميركي الإسرائيلي ولم تتدخل في العراق إلا انسجاما مع إشارات وتوقيتات الاحتلال في عدم ترك الساحة لإيران، والحقيقة أنها ساهمت من حيث تدري أو لا تدري في خنق مقاومة الشعب العراقي وتكريس مشروع الاحتلال الأميركي ظاهريا والإيراني باطنيا.

وفي لبنان حاولت إسرائيل من خلال تنشيط بعض الواجهات المحلية بلورة ذات النموذج فباء بالفشل الذريع من خلال هزيمة الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان بفعل صمود وبسالة المقاومة الوطنية اللبنانية.

المحاور والتنافس الإيراني/التركي
اليوم في غزة تأتي كثافة العنف وقسوة الحرب لتحرج أطراف المحاور الرئيسية منها والثانوية. 

فمحور التطبيع (الاعتدال) يواجه حاليا أياما عصيبة وغضبة شعبية وسياسية عارمة قد تطيح ببعض رموزه، ودول هذا المحور على الرغم من أنها تجازف بوضعها وتقف على فوهة بركان داخلي فإنها تراهن على سرعة إسرائيل في الإطاحة برأس حماس لصالح حليفها وشريكها المتمثل في السلطة الفلسطينية. 

"
تركيا الباحثة عن دور وهوية تجد في قيادة دول الاعتدال فرصة تاريخية مؤاتية لمواجهة النفوذ الإيراني المتسارع في منطقة تعدها لاعتبارات تاريخية ومذهبية مجالها الحيوي
"
وكذلك يراهنون على إحراج أطراف المحور الآخر بأنظمته وحركاته السياسية والمسلحة واختيار مدى مصداقية الشعارات والمواقف والأفعال. 

فالموقف الإيراني الذي يعد حجر الزاوية في محور الممانعة والمقاومة حاليا يتسم فيما يخص العراق بالضبابية والحيرة ويثير كثيرا من علامات الاستفهام حيث يقترب هذا الموقف من السلوك الانتهازي والنفاق السياسي. 

ففي الوقت الذي تدعم فيه إيران حركات المقاومة في لبنان وفلسطين ضد الاحتلال الإسرائيلي نجدها في العراق تضع يدها في يد "الشيطان الأكبر" وتعقد الصفقات على حساب مصالح الشعب العراقي لإسناد عملية الاحتلال السياسية والدفع في اتجاه تقسيم العراق من خلال دعم تنظيمات وأطراف تم تصميمها وتصنيعها إيرانيا تتبنى الفدرالية والدستور الذي يعد وصفة جاهزة لتقسيم وتفتيت العراق.

ويأتي الدخول التركي الفاعل على خط هذه الأزمة ليعطي سياسة المحاور عمقاً ويجعلها أشد وضوحاً.

فتركيا الباحثة عن دور وهوية تجد في قيادة دول الاعتدال فرصة تاريخية مؤاتية لمواجهة النفوذ الإيراني المتسارع في منطقة تعدها لاعتبارات تاريخية ومذهبية مجالها الحيوي، ولتعويض مشروع اندماجها الأوروبي المتعثر.

وهي في هذا التوجه الجديد تمتلك أوراقا حقيقية، ابتداء من تحالفها الإستراتيجي مع الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل إلى نموذج إسلامها المقبول غربيا ومرورا بظرف التردي والانقسام العربي، إضافة إلى أن تركيا تتحكم في أحد أهم مفاتيح الصراعات القادمة بعد النفط وهو المياه التي تحتاجها كافة الأطراف على حد سواء، الأمر الذي سيجعل دخولها إلى المنطقة أمرا مرحبا به.

"
من الواضح أن حرب غزة (...) ستعطي بنتائجها غير المباشرة زخما ودفعا لتعميق سياسة المحاور في المنطقة وستخلق اصطفافات جديدة ونشوء حركات سياسية أخرى
"
مستقبل النظام الرسمي العربي

وعدا ذلك، ففي الصف العربي باتت هناك ضرورة ملحة للاستجابة لمتطلبات الصراع بخصائصه الجديدة حيث لم تعد الآليات والوسائل والمؤسسات العربية الرسمية البالية قادرة على استيعاب الحراك الشعبي، مما يستوجب بلورة مرجعية عربية واضحة لمحور الممانعة والمناهضة والمقاومة على كافة المستويات الشعبية والحكومية وإيجاد هياكل جديدة تؤطر ذلك وتنسجم معه.

لأنه من الواضح أن ما سينجلي عنه غبار المعركة في غزة وبصرف النظر عن أهداف إسرائيل المباشرة المتمثلة في محاولة استعادة هيبة الجيش الإسرائيلي الضائعة في حرب يوليو/تموز 2006, فإنها ستعطي بنتائجها غير المباشرة زخما ودفعا لتعميق سياسة المحاور في المنطقة وستخلق اصطفافات جديدة ونشوء حركات سياسية أخرى من رحم ملايين العرب الذين لم يفاجئوا الأعداء بل أيضا الأصدقاء بحجم التوحد والغضب الذي يؤشر على مدى الاحتقان والغليان الذي تشعر به هذه الملايين من جهة، ومدى الهوة والفجوة بينها وبين الأنظمة وحكامها ومؤسسات النظام الرسمي العربي المهترئة التي ذبحت وشردت ملايين الأبرياء في فلسطين والعراق ولبنان من خلال صمتها أو تعاونها أو تهاونها.

وأخيرا في وسط النار والدم والعنف والركام والضحايا من الواضح أن فجرا جديدا ينبلج، فالقيمة العليا في الصراعات الكبرى ليست في حجم الأسلحة ونوعها فتلك ميزة مؤقتة، بل إن القيمة الحقيقية تكمن في الإرادة التي تضغط على الزناد.



ــــــــــــ
كاتب عراقي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة