الهوية المأزومة بين العصبة والدولة   
الخميس 1428/2/26 هـ - الموافق 15/3/2007 م (آخر تحديث) الساعة 14:25 (مكة المكرمة)، 11:25 (غرينتش)


قامت الدولة الوطنية العربية كبديل عن الدولة القومية التي يقوم فيها الانتماء على أساس ثقافي حضاري تاريخي بحيث تجد كل العصبيات ذاتيتها داخلها ويصبح الانتماء المذهبي والطائفي موضوعا خارج الانتماء السياسي، لأنه لا يحقق مكاسب سياسية في إطار التنافس على السلطة.

"
لم تقم الدولة القطرية على الأساس القومي الذي يفترض المساواة في الحقوق أمام القانون والحريات السياسية والديمقراطية وتداول السلطة مثل ما عليه الحال في الدولة الوطنية في الغرب، بل قامت على أساس عصبوي طائفيا كان أو عشائريا
"
فقد استطاع الغرب تصفية مشروع الدولة القومية وضرب كل القوى التي كانت تدافع عنه وفي مقابل ذلك قام بتهيئة كل الظروف الداخلية والخارجية لتكريس ظاهرة الدولة القطرية وتجذيرها وقومنتها رغم افتقادها للهوية الثقافية والحضارية خارج هوية الأمة، مما جعل هذه الدولة في نهاية المطاف دولة قابلة للتفكيك ولتفريخ دويلات أخرى بعدد ما تضمه من طوائف ومذاهب وجهات إذا ما قرر الغرب وأملت عليه مصالحه ذلك.

لقد نشأت هذه الدولة نتيجة لالتقاء مشيئة القوى الأجنبية وطموحات الزعامات المحلية، فكانت بحجمها وحدودها لا تمثل حقيقة اجتماعية وثقافية حضارية لجماعة تسعى إلى تحقيق ذاتها داخل حيز جغرافي تعتبر ما يقع خارجه هو الآخر المختلف عنها، بل كانت تمثل فقط تقاطع مصالح قوى الغرب التي اقتسمت المنطقة.

كما أن تلك الحدود كانت هي الحد الأقصى الذي سمحت مصالح هذه القوى للزعامات المحلية أن تمارس نفوذها عليه.

ولهذا فإن الكثير من هذه الدول ظهرت كممتلكات لأسر حاكمة وليست كتجسيد لطموحات جماعة وطنية لها إقليم يحمل اسما وعلما وتاريخا يميزها عن جيرانها.

لم تقم هذه الدولة على الأساس القومي الذي يفترض المساواة في الحقوق أمام القانون والحريات السياسية والديمقراطية وتداول السلطة مثل ما عليه الحال في الدولة الوطنية في الغرب، بل قامت الدولة القُطرية على أساس عصبوي طائفيا كان أو عشائريا، أي أن الدولة كانت أداة في خدمة سلطة العصبة.

ومن هنا كان تسييس الطائفة والعشيرة، وبالتالي اتخذ التنافس على السلطة طابعا عصبويا ولم يتخذ طابع التنافس بين تنظيمات سياسية ينتمي إليها الفرد نظرا لاقتناعه بأطروحاتها المتعلقة بكيفية الحكم وتسيير المجتمع.

وترتب على ذلك انتفاء مفهوم الأغلبية والأقلية بالمعنى السياسي لأن الأغلبية والأقلية بالمفهوم العصبوي تتحددان بالانتماء وليس بالاقتناع الطوعي وبالتالي فهما ثابتتان لا يطرأ عليهما تغير يسمح بتداول السلطة.

لقد أدى تسييس العصبة إلى أن تبحث كل عصبة ترى نفسها أقلية من منظور عصبوي طائفيا كان أو مذهبيا، عن دولة وسلطة خاصة بها كلما مد لها الغرب يد العون واقتضت مصالح هذا الأخير تفعيل بعض المتغيرات التابعة لإستراتيجيته في المنطقة.

فمنذ القرن التاسع عشر أعلنت القوى الأوروبية الكبرى حمايتها للأقليات الدينية العربية غير المسلمة، فأدى ذلك إلى خلق شعور عام لدى المجتمع بأن هذه الأقليات تنتمي إلى مجتمعات الغرب العدو الذي يمارس سياسة الاستعمار والإذلال للعرب.

كما أدى هذا التصرف من قبل الغرب إلى خلق شعور لدى هذه الأقليات بأنها تعيش في محيط معاد لها وليس لها من يحميها منه سوى الغرب.

"
مفهوم الأغلبية والأقلية بالمعنى السياسي غائب في الدولة القُطرية لأن الأغلبية والأقلية بالمفهوم العصبوي تتحددان بالانتماء وليس بالاقتناع الطوعي وبالتالي فهما ثابتتان لا يطرأ عليهما تغير يسمح بتداول السلطة
"
لقد فشلت الدولة التي يسميها بعضهم الدولة الوطنية، في تكوين ثقافة وطنية تصلح لأن تكون بوتقة تنصهر داخلها التمايزات والاختلافات الطائفية والمذهبية والجهوية، فظلت هذه الدولة تتوكأ على عكازين.

أولهما يتمثل في ما تنتقيه من تراث الأمة بما يتناسب مع توجهات نظامها الحاكم، فكان ذلك بمثابة تفتيت للتراث القومي وتحويله إلى جثة محنطة يقتطع منها من يريد ما يشاء، ولم تجر عملية إعادة بث روح وحقن دماء جديدة وتفعيل على المستوى الكلي سياسيا واجتماعيا لهذا الجسم الثقافي الواحد.

فمن المعروف أن النظام الثقافي العربي ترعرع وازدهر في ظل نظام كلي مفتوح على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي رغم تعدد الحكام وأصحاب النفوذ على امتداد الرقعة الجغرافية المعروفة الآن باسم العالم العربي.

فهذا النظام يشمل أمة مترامية الأطراف جغرافيا، مختلفة التضاريس والمناخات، ثرية بالتمايزات واختلاف المعتقدات، بينما يشكل وعاء اللغة والمفاهيم والمخيال والطموحات نظاما مرجعيا تتماهى معه هذه الاختلافات فتؤطر تفاعلاتها وإبداعاتها.

وبالتالي فإن مثل هذا النظام لا يستطيع أن يعمل بمعزل عن كلية دائرته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

وكان قيام هذه الدولة لأسباب متعلقة بمصالح القوى الغربية وطموحات الزعماء المحليين، بمثابة قطع لهذا التواصل الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، فأدى إلى خنق هذا النظام وضموره وتكلسه، ولم يعد قادرا على أن يمد الثقافة السياسية القومية بما تحتاجه لبناء هوية ثقافية قومية تتعرف فيها الجماعة على نفسها وتتماهى معها كل التمايزات والمعتقدات الطائفية والعصبوية.

أما العكاز الثاني الذي اتكأت عليه هذه الدولة ثقافيا فيتمثل في انفتاحها النسبي والإجباري على ثقافة الغرب، محاولة أن تأخذ منها ما لا يتعارض مع مصلحة النظام السياسي وما هو ضروري لبقاء مؤسسة الدولة التي فرضها الغرب كآلية لضبط حركة الجماعات التي كان يسيطر عليها ويعزل بعضها عن بعض إبان مرحلة الاستعمار العسكري المباشر.

مضى أكثر من نصف قرن على نشأة هذه الدولة ودخلت عصر العولمة وهى لا تحمل هوية تذوب وتنصهر في بوتقتها كل العصبيات المكونة لتركيبتها الاجتماعية إلى جانب أن السلطة فيها تحتكرها العصبة الغالبة.

ولهذا فإنه بمجرد أن تلوح في أفق الشواطئ القريبة أساطيل الغرب ويعلن أن مصالحه لم تعد تقتضي اﻹبقاء على هذه العصبة أو تلك في السلطة، فإن العصبيات الطائفية أو الجهوية الأخرى التي كان يساورها الإحساس بالظلم من قبل العصبة القابضة على السلطة، تنتهز انفراج هذه الكربة لا لتستولي فقط على السلطة داخل الدولة، بل لتحاول تأسيس دولة خاصة بها، وذلك باعتبار أنها لا تريد أن تكرر تجربة العصبة التي كانت قبلها في السلطة في إطار الدولة نفسها نظرا لأن هذه الدولة لم تكن بالنسبة للجميع سوى مكان تتجاور فيه العصبيات بحكم الواقع الذي فرضته مدافع الحرب العالمية الأولى أو ما قبلها من غزوات الغرب في الأجزاء الأخرى من المنطقة.

"
من المنطقي أن تفكر كل عصبة في إقامة دولة تتحرر فيها من سيادة العصبة الأخرى ما دام قيام الدول وانهيارها في المنطقة ليس له علاقة بالتاريخ والجغرافيا والثقافة، بل له علاقة بمشيئة الغرب أولا وتطلعات العصبة ثانيا
"
ولهذا فهي لا تمثل حقيقة تاريخية سياسية وثقافية اجتماعية يحس هؤلاء أنها مقصورة عليهم دون جيرانهم ويتماهون معها بمختلف عصبياتهم، بل ما هي في الواقع إلا حيز جغرافي واسم لإحدى الجهات تم اقتطاعه من الفضاء العام وتعيين حدوده حسب المقتضيات الإستراتيجية وقانون الصراع بين الغزاة الذين يستحلون أرضا لا مالك لها، حسب تعبيرات اتفاقية برلين التي نظمت في القرن التاسع عشر قواعد الغزو والفتح والاستيلاء بين قوى الغرب الكبرى التي انطلقت بوارجها ومدافعها عبر كرة أرضية مباحة بيابسها ومياهها وكل مخلوقاتها الحية.

لقد تم حشر عدد من العصبيات الطائفية والمذهبية التي تتسلط إحداها على الأخريات كلما شاء لها الغرب ذلك، فيتحول المكان إلى دولة تمارس فيها هذه العصبة امتيازات السيادة والسلطة في مواجهة البقية.

ولذا يصبح من المنطقي أن تفكر كل عصبة في إقامة دولة تتحرر فيها من سيادة العصبة الأخرى طالما أن قيام الدول وانهيارها في المنطقة ليس له علاقة بالتاريخ والجغرافيا والثقافة، بل له علاقة بمشيئة الغرب أولا وتطلعات العصبة ثانيا.

لقد قامت الدولة القطرية العربية على تقطيع وتفتيت الفضاء الجيوسياسي والثقافي التاريخي للجماعة الكبرى الذي يستوعب تمايزاتها، كما أسست هذه الدولة ثقافة وطنية هشة وسلطة مستمدة من الولاء العصبوي الطائفي أو الجهوي، وظلت تسير ثقافيا على عكازين خشبيين مستعارين وتذود عن نفسها سياسيا بسيف العصبة، فتأزمت هوية الفرد داخلها حتى انفصمت عرى العلاقة بينها وبينه ولم يجد أمامه سوى أن يزداد تخندقا داخل عصبته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة