صفقة حزب الله بين الواقع والمتوقع   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

* بقلم/ إبراهيم أبو الهيجاء

- الصفقة والوساطة الألمانية
- أسباب تراجع حزب الله
- الأسباب الإسرائيلية
- الأفق

بالنظر العاجل إلى الصفقة المنجزة بين حزب الله وإسرائيل يمكن القول إنها لم تحقق اختراقا جديا للمواقف الإسرائيلية بشأن اشتراطات الصفقة، كما أنها لم تحقق ربع الآمال الفلسطينية التي سمعت الكثير من الوعود.

يقف خلف هذه النتائج عدة أسباب أهمها:
1- ورد عن حزب الله مرارا أن الصفقة التي يتحدث عنها تشمل جميع المعتقلين الفلسطينيين والعرب، ولكن هذه الوعود المسربة أو المذكورة، سجلت تراجعا متواليا، فمن الجميع إلى البعض ذوي الأولوية، انتهاء بتحكم إسرائيلي تام بالأسماء والصفات، ما أدى إلى التالي وحسب المعطيات المتوفرة:

– استثناء الأردنيين والمقدسيين والأهل في الـ 48 والجولان.
- استثناء كل أصحاب الأحكام العالية، وذوي الخلفيات العسكرية.
- استثناء ذوي الأمراض والنساء والأطفال.
- وتمم ذلك بالمؤشرات السلبية التالية:

أ‌- 371 معتقلا من بينهم 60 موقوفا إداريا لفترات لا تتجاوز ستة أشهر.
ب‌- 74.1% من المعتقلين تنتهي محكوميتهم عام 2004، و18.9% تنتهي محكوميتهم عام 2005، و7% تنتهي محكوميتهم عام 2006.
ج- 57 أسيرا من هؤلاء كانوا يقضون فترات اعتقال أقل من عام.
د- 157 معتقلا محكومين بالسجن لمدد لا تتجاوز العامين.
هـ- 78 محكوما لثلاث سنوات و38 محكوما لأربع سنوات و21 أسيرا لفترة خمس سنوات وأربعة أسرى محكومين ست سنوات وتسعة أسرى محكومين لسبع سنوات وأسير واحد محكوم لمدة 11 عاما وتنتهي فترة اعتقاله سنة 2004.

2- أصر حزب الله في البدايات على أن يكون الأسير الفلسطيني (سمير قنطار) أولا حينما رفضت إسرائيل إبرام الصفقة معه، إلا إذا قدمت معلومات جدية حول مصير الطيار الإسرائيلي (رون أراد). والواضح أن حزب الله قبل بالشرط الإسرائيلي، وقبل بالشرط الذي يقول إن مصيره مرتبط بمعلومات عن أراد. وربما الإيجابية الوحيدة في ذلك يمكن أن تكون فعلا، إذا ما كان الثمن المدفوع مقابل (أراد) يتجاوز سمير ومصير الرهائن الإيرانيين الأربعة في صفقة المرحلة القادمة، وهذا ما سيتبدى خلال الأشهر القادمة.


سوريا وإيران على المحك الحقيقي ومساعدتهما في إتمام الصفقة يحسن موقعهما الدفاعي ويخفف من مبررات الهجوم الأميركي عليهما
الصفقة والوساطة الألمانية

الصفقة كما هي وحسب المصادر الألمانية الوسيطة:
- المتوجب على إسرائيل:
1- إطلاق سراح معتقلين على الشكل التالي (23 لبنانيا، خمسة سوريين، ثلاثة مغاربة، ثلاثة سودانيين، ليبي واحد، وألماني واحد). وقد جرى تحديد الأسماء بقائمة محددة ومتفق عليها، بعكس صيغة إطلاق سراح الـ (400) فلسطيني الذين ذكروا بنص عام.
2- الكشف عن مصير 25 مفقودا لبنانيا، وإعادة جثث 59 شهيدا لبنانيا.
3- تسليم خرائط لحقول الألغام الإسرائيلية واللحدية في الجنوب اللبناني والبقاع الغربي.
4- إطلاق سراح سمير قنطار، بعد انتهاء المفاوضات حوله بنجاح.

- المتوجب على حزب الله:
إطلاق سراح العقيد الإسرائيلي (إلحنان تننباوم) والجنود الثلاثة المأسورين عام 2000.

* المرحلة الثانية
1- تشكيل لجان للكشف عن مصير الطيار (رون أراد) والدبلوماسيين الإيرانيين الأربعة الذين فقدوا في لبنان العام 1982.

2- مقابل استيضاح مصير (أراد) وإعادته، يطلق سراح عدد من الفلسطينيين العرب وغيرهم على أساس مفاوضات دون شروط مسبقة مع أي من الأطراف.


حاول حزب الله ممارسة لعبة الغموض في مصير الجنود الثلاثة الذين اختطفهم بحيث يأخذ ثمنا أعلى في الصفقة ولكن قناعة إسرائيل بوفاة الجنود الثلاثة أضعفت المقابل الذي من الممكن أن يأخذه الحزب
أسباب تراجع حزب الله

ورغم هذا التراجع الجلي في شروط ومواصفات وحتى آليات الصفقة، إلا أنه علينا أن نذكر العلل التي أدت بحزب الله إلى هذه التراجعات.

فحزب الله لا يعيش في فضاء معدم، وهو ملزم بمراعاة الحسابات التالية:
1- اللبنانية: فحزب الله رغم تعهده للفلسطينيين بالإفراج عن معتقليهم، إلا أنه أمام التزام أخلاقي تجاه عوائل اللبنانيين الذين يريدون أيضا رؤية أبنائهم دون تعقيدات تؤدي إلى تأخير الإفراج عن أبنائهم -بعد طول صبر- كما أن إقحام حزب الله للفلسطينيين بالصفقة يعد اختراقا وإيجابية لا نستطيع تجاهلها في عوامل الربح والخسارة.

2- السورية: من المعروف أن سوريا حاضنة لمشروع حزب الله المقاوم في لبنان، ولكن سوريا اليوم تتعرض لأقوى التهديدات الأميركية، وعليه فالرضا الأميركي عنها هو رهن بتخليها أساسا عن مشروع الاحتضان والتدخل بالشأن اللبناني، كما نص على ذلك قانون محاسبة سوريا الأميركي كمثال.

3- الإيرانية: التي تشكل الظهير الفكري والداعم المالي والعسكري لحزب الله لديها أيضا مشاكلها بعد انتهاء ضجيج السلاح النووي ومنها:

أ‌- ضغوط الإصلاحيين الداخلية التي تتجه نحو تغيير معادلات السلطة الداخلية والسياسات الخارجية، وعلينا ألا ننكر تمتعها بقوة لا يستهان بها، بل إن تراجع المحافظين لصالح مطالب نواب الإصلاحيين في قضايا الترشيحات البرلمانية دلالة على ما نذهب إليه.

ب‌- إحكام الطوق عليها من كل حدب وصوب حيث الأميركان على حدودها في أفغانستان والعراق، وهي كذلك ليست على علاقة طيبة ببقية جيرانها.

ج- اتهامها بإسناد المقاومة الفلسطينية، واتهامها بالعديد من العمليات التفجيرية ولاسيما تفجير الأرجنتين الذي استهدف المركز اليهودي عام 1994، الذي اعتقل على أثره دبلوماسي إيراني سابق في بريطانيا، ومن المتوقع أن تشمله الصفقة القادمة.

وبناء على ذلك فإن سوريا وإيران على المحك الحقيقي، وتلكؤهما في تأخير الصفقة أو ادعاؤهما أنه ليس لهما صلة يجعلهما في بؤرة الضغوط المتزايدة، ولكن مساعدتهما في إتمام الصفقة بنظرهما يحسن موقعهما الدفاعي، ويخفف من مبررات الهجوم الأميركي عليهما.

4- العراقية: وهنا مربط قياس العلاقات الدولية والتحركات السياسية الآن، وهنا تتقاطع المعادلات التالية:

أ‌- جدية التهديد الأميركي في إعادة ترتيب المنطقة واستباقها بضربات وقائية، وهنا مجمل الأطراف متأنية بخطواتها، تحاول التقليل من خسائرها.

ب‌- استمرار المقاومة يسجل لصالح المقاومة الفلسطينية واللبنانية، وضعفها ينعكس عليها.

ج‌- المصلحة الإيرانية من خلال تحقيق توازن في السلطة المقبلة، في ضوء الثقل الشيعي المتساوق أو الرافض للاحتلال الأميركي، والحاجة الإيرانية لإيجاد موطئ قدم مساند لها وغير متعال على مرجعيتها.

د- المصلحة السورية في إقفال الاتهامات ضدها تجاه إسنادها للمقاومة، رغم حاجتها الأساسية لإبقاء جذوة المقاومة عامل إشغال عنها في العراق، لأن نجاح الأميركان مؤشر خطر، والعكس صحيح، الفلسفة السورية تتبنى هنا التضحية بالأهداف الصغيرة لصالح الأهداف الكبيرة.

5- تغيرات موضوعية تتعلق بحزب الله:

أ‌- فبعد الانسحاب الإسرائيلي من مجمل الأراضي اللبنانية ضعفت مبررات الحزب للمقاومة، وانكمشت حدود ملعبه، وبالتالي أي فعل مقاوم دون مبرر قوي يؤدي إلى رد إسرائيلي يستهدف البنية المدنية اللبنانية الهشة، وسيكون محل نقد واسع من صيغة لبنانية ذات توازنات دقيقة، كل ذلك في بال صانع القرار في حزب الله الذي يدرك حدود مناورته، وصفقة الأسرى تدور في دائرة هذه التوازنات ومعاييرها.

ب‌- حاول حزب الله أن يلعب لعبة الغموض في مصير الجنود الثلاثة الذين اختطفهم، بحيث يأخذ ثمنا من إسرائيل أعلى في الصفقة، ولكن قناعة إسرائيل التي ترسخت بوفاة الجنود الثلاثة أضعفت المقابل الذي من الممكن أن يأخذه الحزب، وبالتالي أثرت على الثمن الإسرائيلي المفترض، في ضوء أن ورقة المساومة الباقية هي عقيد احتياط، استدرج بالإغراء ولم يختطف وهو في مهمة حربية.

كل ذلك أدى إلى تسريع الصفقة بشكل أدى إلى تقليل أرباحها إلى الحد الأدنى، بالنسبة للآمال التي عقدت عليها عربيا وفلسطينيا.


أحد أسباب الحماس الإسرائيلي لإنجاز الصفقة إفلاس شارون السياسي وعجزه الأمني تجاه الانتفاضة وحاجته لإنجاز إنساني بغطاء إعلامي
الأسباب الإسرائيلية
الحماس الإسرائيلي الرسمي لإنجاز الصفقة كان قبل أشهر معدودة تبرره برأينا عدة أسباب:

1- إفلاس شارون السياسي وعجزه الأمني تجاه الانتفاضة وحاجته لإنجاز إنساني بغطاء إعلامي، وقضية الأسرى تشكل دراما جيدة.

2- نزع إسرائيل لمبررات حزب الله في المقاومة التي تشكل قضية الأسرى ثاني مبرراتها، بل إنها تلوح بالانسحاب من مزارع شبعا منذ سنة، بهذه الآلية تتوقع إسرائيل أن تتقلص مقاومة حزب الله إلى درجة التلاشي، وهذا ما سيخفف عسكريا على إسرائيل بتأمين هدوء في الجبهة الشمالية وربما نشر لقوات دولية رادعة.

3- تحييد حزب الله مهم بنظر إسرائيل بناء على ما تقدم، وتتوقع إسرائيل من خلف ذلك أمرين هامين:

أ‌- إقناع الأميركان والأوروبيين بضرورة نزع سلاح حزب الله بالضغط على سوريا ولبنان وإيران، وتحويله إلى منظمة مدنية، نظرا للأرق الذي يسببه الحزب لإسرائيل سواء كنموذج للعرب والمسلمين أو بفعل أنشطته المقاومة المميزة.

ب‌- فصل صراع إسرائيل مع حزب الله عن صراعها مع الفلسطينيين من الزاوية الفكرية والعسكرية، في ضوء تأكد مشاركة الحزب في تطوير الانتفاضة بالمال والتقنية، وهنا الحاجة متسارعة لإغلاق مبررات هذا الباب على حزب الله بأي دافع أو مبرر.

ج‌- إذا استمر حزب الله بعد الإفراج عن الأسرى والانسحاب من مزارع شبعا فإنه -دون شك- سيكون عرضة لضربات أميركية وإسرائيلية، كما أن ضربات إسرائيل لسوريا تشكل ضوءا أحمر، والكلام المسرب أميركيا عن ضرب حزب الله أو سوريا كهدف جديد علينا ألا نقلل من أهميته.

رغم هذه المبررات القوية التي يريد شارون تحقيقها إستراتيجيا، إلا أن تراجعه عن إنجاز الصفقة أتى بسبب الهجمة الشعبية والإعلامية الداخلية والموقف الحكومي المتضعضع تجاه إنجاز الصفقة بميزاتها السابقة التي اشتملت على (سمير قنطار، وشكل أفضل للأعداد والنوعيات الفلسطينية المطلق سراحها).

ولما كانت عقدة سمير قنطار هي الحل، والمرحلة الثانية تتسم بالغموض، كان من السهل على شارون أن يحصل على دعم أكبر رغم التضليل الإعلامي الذي تمارسه إسرائيل عن تنازلات إسرائيلية مهمة.


صفقة تبادل الأسرى اعتراف إسرائيلي أمام المجتمع الدولي بشرعية المقاومة اللبنانية وهذا عامل معنوي للمقاومة الفلسطينية وربما العراقية
الأفق

ما سيجري في أفق المرحلة القادمة مرتبط حسب الصفقة بمعلومات مؤكدة عن مصير الطيار (أراد) أو ربما تبادل جديد، فهل سيكون الثمن أفضل مما جرى الآن من حيث نوعية المفرج عنهم فلسطينيا وعربيا؟

والإجابة لا يمكن المراهنة عليها لعدة أسباب:
1- احتمالية تعقد المفاوضات من جديد لأي سبب فني أو ظرف سياسي.
2- أن حزب الله لا يمتلك سوى ورقة واحدة حتى اللحظة، وهي على أهميتها فإن إسرائيل لن تدفع الكثير مقابلا لها، حتى لو جرى الإفراج عن بعض رموز المقاومة الفلسطينية، وتجربة صفقات تبادل الأسرى مع إسرائيل تشير إلى ذلك.
3- إن الظروف التي يعايشها حزب الله الآن لن تتغير بعد ثلاثة أشهر بالأفق السياسي الذي نراه.

بقي أن نقول إنه بالرغم من كل ما أحاط بالصفقة من تراجعات وإشكاليات فإنها تتسم بعدة إيجابيات أهمها اعتراف الاحتلال الإسرائيلي أمام المجتمع الدولي بشرعية المقاومة اللبنانية، وهذا عامل معنوي للمقاومة الفلسطينية وربما العراقية أيضا.
ــــــــــــــــــ
* باحث وكاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة