البارزاني وإعلان دولة كردستان   
الأربعاء 1433/5/20 هـ - الموافق 11/4/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:36 (مكة المكرمة)، 11:36 (غرينتش)
خورشيد دلي

ألمح رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني في الأشهر الماضية مرارا إلى احتمال إعلان استقلال دولة كردستان، تارة باسم حق تقرير المصير وأخرى على خلفية تفاقم الخلافات المزمنة مع حكومة نوري المالكي.

لكن بغض النظر عن هذه المبررات، فإن إقامة دولة كردية في حقيقة الأمر حلم قومي كردي قديم متجدد، ليس في كردستان العراق وحدها بل في عموم مناطق التواجد الكردي في الشرق الأوسط (العراق وإيران وتركيا وسوريا). ولعل الهاجس الذي يشغل بال القيادة الكردية وتحديدا زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود البارزني، هو متى إعلان هذه الدولة؟ وفي أي ظروف؟ وهل الحلم بات ممكنا على أرض الواقع؟ والسؤال الأهم: ماذا عن العواقب والتداعيات؟

دون شك، البارزاني يفكر بكل هذا مليا، فهو يريد أن يدخل التاريخ كأول زعيم كردي نجح في تحقيق الاستقلال للأكراد في العصر الحديث.

مقومات إقامة دولة كردية
كلما تأزمت العلاقة بين بغداد وإقليم كردستان العراق، تعالت الأصوات الكردية الداعية إلى البحث عن المصير الكردي خارج العراق، الأكراد يعدون ذلك حقا طبيعيا لهم في إطار حق تقرير المصير في حين لا يتوانى البعض عن وضع هذا الخيار في خانة النزعة الانفصالية المضمرة، فيما يسأل أخرون عن جدوى إقامة دولة كردية قومية في زمن تراجع الأيديولوجية القومية لصالح الدولة التعددية الديمقراطية، خاصة أن إقليم كردستان العراق يعيش في وضع دولة حقيقة على الأرض ومشاركة فعالة في السياسة العامة للعراق من بغداد.

ثمة جملة من العوامل باتت تشكل أسبابا ومقومات لإعلان دولة كردستان، ولعل من أهمها تفاقم الخلافات بين حكومة إقليم كردستان والحكومة العراقية, وتجربة الحكم الناجحة في الإقليم, وتوفر الموارد الأولية   

لكن هذا الجدل المتعاظم لا يلغي أو يقلل من أهمية تضافر جملة العوامل التي باتت تشكل أسبابا ومقومات لإعلان دولة كردستان، ولعل من أهم هذه الأسباب والمقومات:

1- تفاقم الخلافات بين حكومة إقليم كردستان والحكومة العراقية على قضايا عديدة، لعل أهمها النفط والمادة 140 بشأن مصير مدينة كركوك والمناطق الحدودية المتنازع عليها، ومؤخرا قضية طارق الهاشمي نائب رئيس العراقي، واللافت في هذه الخلافات هو اللهجة الندية والقوية للقيادة الكردية التي تصر على تحقيق المطالب الكردية دون نقصان، وإلا فإن البحث عن المصير الكردي خارج الشراكة العراقية يصبح أمرا محتما.  

2- تجربة الحكم الناجحة نسبيا في إقليم كردستان العراق، وهي تجربة باتت تغري الأكراد للاستفراد بها بعيدا عن العراق ومشكلاته الداخلية العديدة.

3- توفر الموارد الأولية من نفط وغاز ومياه وعلاقات تجارية قوية مع إيران وتركيا، بما يعطي كل ذلك من الإحساس بالقدرة على الاستقلال وامتلاك مقوماته وممارسة الكيانية.

4- مناخ الثورات العربية التي فجرت مطالبة الشعوب بالحرية وطي صفحة الاستبداد مهما كانت طبيعته وشكله.

5- تجربة استقلال جنوب السودان التي تبدو لأكراد العراق مشجعة ومغرية، خاصة أنها تحققت بموافقة المركز (الخرطوم) والدول الإقليمية المجاورة والمجتمع الدولي دون إراقة الدماء.

في الواقع، هذه العوامل المشجعة، أنضجت المطالبة السياسية لدى الجماهير الكردية بالاستقلال، وما تعاظم دور حركة الاستفتاء ودعمها القوي لهذا الخيار إلا تأكيد على هذا التوجه، ومن يدقق في ظروف تصريحات مسعود البارزاني بشأن حق تقرير المصير للشعب الكردي، سيرى أنها تشكل انعكاسا لتنامي هذا الخيار في الداخل الكردي، إذ بات هذا البعد أمرا أساسيا لمصداقية القيادة الكردية خاصة بعد بروز معارضة قوية للزعامة البارزانية، بما يعني ذلك حضور البعد الانتخابي في مسألة التوجه لإعلان الدولة.

عقبات وخيارات وسيناريوهات 
والحديث عن هذه المقومات والأسباب لا يعني أن الظروف باتت مهيأة لقيام أو لإعلان مثل هذه الدولة، فالثابت أنه رغم انشغال الدول الإقليمية ولا سيما إيران وتركيا وسوريا بقضاياها الخاصة إلا أن قيام مثل هذه الدولة يعني تغيير خريطة الشرق الأوسط وتداعيات مباشرة على أمن هذه الدول وهو ما لا تقبل به.

كما أن الظروف الدولية ولاسيما لجهة العلاقات المتينة لتركيا بكل من الولايات المتحدة والدول الأوروبية تشكل عقبة في وجه الآمال الكردية على الأقل في هذه المرحلة، فضلا عن الرفض العراقي الرسمي لمثل هذا الخيار خشية من تداعيات تفكك العراق إلى مجموعة دويلات وربما الدخول في حرب داخلية مدمرة مع الإقليم.

لكن رغم هذه العقبات فإن الآمال الكردية تبقى حية تبحث عن السيناريو الأفضل وعن السبل الممكنة لتلمس طريق دولتهم، ولعل أهم هذه السبل:

1- خيار الاستفتاء على شكل استلهام أو تكرار لتجربة جنوب السودان بما لهذه التجربة من ميزات إيجابية ومعطيات متوفرة لجهة تراكم الخبرة وتشابه العلاقة مع المركز، ففي العقود الماضية عقد الأكراد سلسلة اتفاقيات مع بغداد، كانت أبرزها اتفاقية مارس/آذار 1958 التي نصت وللمرة الأولى على إقامة حكم ذاتي للأكراد، ومن ثم استفادتهم الكبيرة من إقامة منطقة حظر جوي في شمال العراق بعد حرب العراق الأولى عام 1991 التي منها انطلقت أولى خطواتهم لبناء مؤسساتهم الخاصة.

رغم سهولة إعلان الدولة الكردية, إذ إنه لا يحتاج سوى إلى بيان رقم واحد, ثمة عقبات تحول دون ذلك, كما أنه يبدو الأكثر تكلفة لجهة التداعيات والمخاوف الكثيرة

فكانت الانتخابات التشريعية عام 1992 وتأسيس أول برلمان محلي ومن ثم حكومة محلية، فبقية المؤسسات من جيش وأمن واقتصاد وتعليم، وصولا إلى الدستور الجديد الذي أقر بعراق فدرالي نشأ في ظلاله حكم إقليم كردستان الذي هو في الحقيقة أكثر من فدرالية وأقل بقليل من دولة. وكل هذا يدفع بالأكراد مليا إلى البحث عن خيار الاستفتاء على مصير إقليمهم على أمل تكرار تجربة جنوب السودان في الاستقلال.

2- التوجه إلى الأمم المتحدة على غرار التجربة الفلسطينية لنيل اعتراف أممي بالدولة الكردية، ورغم التعاطف الدولي من خارج المنطقة وتحديدا من أميركا وأوروبا مع القضية الكردية، يدرك الأكراد صعوبة مثل هذا الخيار نظرا لقناعتهم بكثرة عدد الدول العربية والإسلامية التي ستقف في وجه مطلبهم هذا، فهذه الدول تخشى في العمق من موجة حركات لها مطالب بحكومات محلية تتعدد أشكالها، وقد تكون مدخلا لتقسيم دول المنطقة، وعليه تتحفظ على مسألة الاستقلال الكردي دون أن يعني ذلك رفضها للحقوق الكردية في إطار وحدة دول المنطقة التي يتواجد فيها الأكراد. 

3- الإعلان من طرف واحد خاصة إذا تفاقمت الخلافات مع المركز على القضايا الخلافية ولا سيما كركوك والنفط، ورغم سهولة هذا الخيار، إذ إنه لا يحتاج سوى إلى بيان رقم واحد لإعلان استقلال الدولة الكردية، يبدو الأكثر تكلفة لجهة التداعيات والمخاوف الكثيرة.

الاستقلال آت لا محالة
الثابت أن هذه المقدمات والعوامل والأسباب والخيارات تشكل معا ما يشبه عجينة دسمة للتطلعات الكردية في إقامة دولة مستقلة، والثابت أيضا هنا هو أن مسألة إقامة هذه الدولة انتقلت من الأحلام والمستحيلات إلى تلمس طريق الواقع بحكم الظروف والمتغيرات.

ولعل هذا ما يقف وراء قول مسعود البارزاني (إن الاستقلال آت لا محالة)، لكن البارزاني يدرك في العمق أن إعلان استقلال دولة ما في يومنا الراهن، لا يمكن أن يكون دون قرار أميركي (على الأقل هذا ما حصل إيجابا في حالة جنوب السودان وسلبا في حالة فلسطين)، وعليه فإنه يسعى إلى تحقيق ما يشبه القبول الإقليمي والدولي بخيار الدولة الكردية رغم صعوبة ذلك.

على المستوى الإقليمي يدرك البارزاني أن موقف تركيا يشكل الأساس أو المدخل لفتح نافذة في جدار الاتفاق الإقليمي المسبق على منع إقامة دولة كردية في المنطقة، وهو يدرك أيضا أن السياسة في النهاية تعني المصالح، وعند المصالح بات من الواضح أن ثمة كيمياء مشتركة بينه وبين القيادة التركية التي تريد من البارزاني تحقيق مسألتين أساسيتين كمدخل لاعتراف تركي ما بالدولة الكردية كما تقول صحيفة (تودي زمان) التركية.

الأولى: الضغط على حزب العمال الكردستاني لترك السلاح من أجل حل سياسي للقضية الكردية في تركيا وسط حديث عن مبادرة جديدة لرجب طيب أردوغان بهذا الخصوص، على أن يتم ذلك في الدستور الجديد الذي يعد له.

الثانية: إبقاء علاقات اقتصادية قوية مع إقليم كردستان المزدهر.

البارزاني بات يراهن على المؤتمر الكردستاني الشامل في يونيو/حزيران القادم في أربيل عاصمة كردستان العراق بهدف وضع إستراتيجية شاملة لحل القضية الكردية

والمسألتان السابقتان تشيران إلى وعي تركي متعاظم بتطورات القضية الكردية وآفاقها ومخاطرها معا، على شكل قناعة بأن تركيا لن تتمكن في النهاية من وقف مسار التطور الكردي باتجاه الدولة، وربما تطلعا إلى حل لهذا القضية وفقا لرؤية تركيا لمستقبل المنطقة في معركة التنافس على رسم مصير الشرق الأوسط.

بدورها لا ترى القيادة الكردية التي تعتقد أن الموقف التركي هو الجسر الحقيقي  لقرار أميركي إيجابي بهذا الخصوص ضيرا في التوجهات التركية هذه، بل هي مستعدة للقيام بمثل هذا الدور، رغم صعوبة إقناع حزب العمال الكردستاني بترك السلاح دون أن يكون هو على طاولة الحوار في أي حل للقضية الكردية في تركيا.

ويبدو أن البارزاني بات يراهن على المؤتمر الكردستاني الشامل (بمشاركة كل الأحزاب الكردية في العراق وإيران وسوريا وتركيا) الذي سيعقد في يونيو/حزيران في أربيل عاصمة كردستان العراق بهدف وضع إستراتيجية شاملة لحل القضية الكردية.

هذه الإستراتيجية دون شك ستؤكد أن مسألة إقامة دولة كردية مستقلة باتت ممكنة التحقيق، ومن أجل ذلك ستسخر لها كل الجهود والسياسات وتطرح كل الخيارات.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة