غوانتانامو.. عار الكوكب   
الأحد 1436/3/14 هـ - الموافق 4/1/2015 م (آخر تحديث) الساعة 16:01 (مكة المكرمة)، 13:01 (غرينتش)
روبرتو ماسكارو

اختارت الولايات المتحدة -وهي دون شك دولة عظمى- أن تسلك طريقا ديمقراطيا لا يتوافق مع نموذجها الأصلي، فيما أصبحت فرنسا الإمبراطورية الأكثر قوة على وجه الأرض، بجيش بدا أنه لا يقهر، وصاحب مواقع إستراتيجية في كل الكوكب.

غير أنه -وخلال القرن العشرين- ظلت الولايات المتحدة في حروب دائمة كالحرب العالمية، فالحرب الاستعمارية، ثم حروب النهب والسيطرة على الموارد الطبيعية خاصة البترول الذي ما زال هدفا قائما تحت أشكال سياسية ومبررات مختلفة.

بهذه الطريقة نما اقتصاد الإمبراطورية، وتطورت تكنولوجيا الولايات المتحدة لحد كبير، حتى أصبحت تمتلك الأسرار المحفوظة وبراءات الاختراع الأكثر قيمة، والتي تعتبر ضمانات قوتها العالمية غير المتكافئة، جنبا إلى جنب مع قوتها العسكرية.

في الوقت ذاته، فإن الشعب الأميركي يعاني من سمعة سيئة خارجيا وارتباك داخلي في بلده، هذا الشعب الذي ناضل ويناضل من أجل تساوي الحقوق، ومن أجل التضامن ضد العنصرية والتمييز، ومنح الحقوق بطريقة متساوية للأطفال والبالغين والمسنين، كي تتمتع شعوب العالم بهذه الحقوق.

لقد دعا العالم الديمقراطي بوضوح للتضامن مع الولايات المتحدة حين تسبب إرهابيون بهجمات 11 سبتمبر، وقد كان تضامنا عالميا ذلك الذي شجب الحدث المأساوي.

كان لدى الولايات المتحدة أكثر من فرصة لإظهار أنها دولة تحترم المبادئ بعكس الإرهابيين، وإحدى هذه الفرص وآخرها كانت معتقل غوانتانامو، فقد وعد أوباما بإغلاق هذا المركز التوقيفي غير القانوني، حيث يرسل المشتبه بهم كي لا تطالهم يد العدالة الأميركية التي ستعلن أن توقيفهم غير قانوني، وأن وسائل اعتقالهم وتعريض المساجين للتعذيب لأكثر من عقد كلها أمور تنافي القانون، والأدهى من ذلك أن أراضي غوانتانامو هي جزء من كوبا، وهي محتلة بطريقة غير قانونية، حيث تحولت إلى أرض اللا أحد في مكان "لا يحدث فيه شيء".

ما قامت به الحكومة الأميركية هو توجيه إهانة مزدوجة لكل من البلدان العربية وتلك التي لها مواطنون مساجين، ومن ناحية أخرى للشعب الكوبي، إذ أبقت على هذا السجن المشين الذي يعتبر عارا على الإنسانية والمدنية

ما قامت به الحكومة الأميركية هو توجيه إهانة مزدوجة لكل من البلدان العربية وتلك التي لها مواطنون مساجين، ومن ناحية أخرى للشعب الكوبي، إذ أبقت على هذا السجن المشين الذي يعتبر عارا على الإنسانية والمدنية.

هذا السجن يحوي مساجين أبرياء باعتراف الجميع، والآن تسعى الحكومة الأميركية لتوزيعهم في أنحاء العالم، في محاولة لتجريم جنسيات أخرى في المعتقل الهمجي المسمى غوانتانامو.

الدول التي قبلت استقبال هؤلاء المساجين حاولت تخفيف الألم التعسفي والظالم، وفي الوقت نفسه أضاءت بعض أنوار الأمل، إذ أظهرت بعض الحكومات منطقا يقضي بأن على هذا المعتقل أن ينتهي كما وعد الرئيس الأميركي أوباما دون أن يفي بوعده، ربما يكون ذلك نقطة في بحر العدالة قد تخفف من المأساة وتمنح تفاؤلا محتملا بوقف العنف.

الأوروغواي، هذا البلد الصغير في أميركا الجنوبية والذي كان شعبه ضحية الاستبداد المدني العسكري الذي استخدم العنف وسيلة رئيسية في الترهيب أعلن رئيسه السابق موخيكا على الملأ أنه لن يقبل بالشروط التي تحاول الولايات فرضها، والتي من ضمنها التزام المحررين بعدم مغادرة أراضي الأوروغواي خلال عامين، وعلى العكس من ذلك ستكون لهم الحرية بالتنقل داخل وخارج البلاد كما يحلو لهم.

وفي ما يتعلق بغوانتانامو قالت حكومة الأوروغواي إن هذا المكان ليس بسجن بل إنه "عش اختطاف"، ودللت على ذلك بقولها "يفترض أن يكون السجن خاضعا لنظام حقوقي، ولوجود مدع عام، ولقرارات قاض ما أيا كان، أو لأي مرجعية قضائية، لكن أيا من هذا لا يوجد هناك".

وأضافت "نحن جزء من العالم المنهوب والجريح، ننتمي للأغلبية العظمى، لا يجب علينا ولا نريد أن ننسى ولا أن نضيع هذا المنظور، كي ننظر للحقائق المجردة والقاسية التي تطرق بقوة أبواب ملايين الضمائر".

ثمة مناسبة صالحة الآن للمناداة بدعم رفع الحظر الظالم وغير المبرر على كوبا التي كان بطلها القومي قنصلا في الباراغوي، والأرجنتين والأوروغواي ونيويورك، ولتحرير أوسكار لوبيس ريفيرا، وهو مناضل مستقل بورتوريكي عمره سبعون عاما، وسجين سياسي في الولايات المتحدة منذ ثلاثين عاما، وأحد السجناء الـ12 ممن كانوا في زنزانة منفردة.

وأيضا تحرير أنطونيو غيريرو، ورامون لابانيينو، وجيرارد إرناندس، وهم سجناء كوبيون في أميركا منذ 16 عاما.

بقي في غوانتانامو 136 سجينا، نصفهم أعلنوا أنهم أبرياء من قبل السلطة الغامضة التي تحولت لحكومة إمبريالية للولايات المتحدة. نأمل أن تعترف البلدان الأخرى بخطورة هذه القضية وتلتزم حتى يختفي هذا العار عن الكوكب.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة