المعاني في توقيف الشيخ رائد صلاح في لندن   
الخميس 1432/8/6 هـ - الموافق 7/7/2011 م (آخر تحديث) الساعة 19:58 (مكة المكرمة)، 16:58 (غرينتش)
علي بدوان


الحركة الإسلامية تحت العين الإسرائيلية
الانتفاضة الأولى ودورها
تيارا الحركة الإسلامية في الـ48

شكّلت شخصية الشيخ رائد صلاح ودوره المحوري المتقدم داخل الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1948 عامل قلق كبير لدى سلطات الاحتلال "الإسرائيلية" وأجهزة الأمن في الدولة العبرية، انطلاقاً من الدور المتعاظم للحركة الإسلامية الفلسطينية داخل مناطق العام 1948 والدور الاستثنائي النشط والفعّال للشيخ رائد صلاح في صفوف الناس هناك.

ومن هذا المنطلق لم يأت اعتقال وتوقيف الشيخ رائد صلاح في لندن من فراغ، بل جاء في سياقات مكشوفة ومعروفة من عمليات التحريض التي كالتها له "إسرائيل" في الداخل الفلسطيني وصولاً للتحريض عليه في العالم الغربي وتقديمه باعتباره حالة "إسلاموية" متطرفة، تهدد الأمن القومي لكل بلد يزوره.

"
الحركة الإسلامية داخل فلسطين المحتلة عام 1948 التي نهضت وتطورت، كانت وما زالت تحت العين "الإسرائيلية" التي ترصد وقائع عملها ونشاطاتها
"
الحركة الإسلامية تحت العين الإسرائيلية
في البداية لا بد من القول بأن الحركة الإسلامية داخل فلسطين المحتلة عام 1948 التي نهضت وتطورت وتعاظمت بتسارع مفاجئ، كانت وما زالت تحت العين "الإسرائيلية" التي ترصد وقائع عملها ونشاطاتها، وتتدخل في أحيان كثيرة لإضعاف مهامها وعملها وسط الفلسطينيين، فأقدمت أكثر من مرة على اعتقال الشيخ رائد صلاح.

كما تنظر إليها أجهزة أمن الاحتلال بريبة كبيرة متخوفة منها، ومعتبرة إياها قنبلة موقوته جديدة "على شاكلة حركة حماس" في عموم المناطق المحتلة عام 1967وفق تعبير المصادر الأمنية "الإسرائيلية".

لقد جاء هذا الهلع "الإسرائيلي" من نمو الحركة الإسلامية وبروز دور بعض قادتها مثل الشيخ رائد صلاح، وليد رؤية سياسية وأمنية "إسرائيلية" بعد سنوات طويلة من نكبة الوطن الفلسطيني، حين نهضت تلك الحركة منذ أواسط سبعينيات القرن الماضي بعد أن اعتقد قادة "إسرائيل" بأن سياسة "الأسرلة" قد نجحت في محو الهوية الوطنية والإسلامية لأبناء الشعب الفلسطيني داخل فلسطين المحتلة عام 1948.

فإرهاصات تطور الإسلام السياسي وأشكاله التنظيمية في فلسطين 1948 تواصلت لتحقق نقلتها النوعية الأولى أوائل السبعينيات من القرن الماضي، حيث تضافرت عدة عوامل أدت إلى تصاعد التيار الإسلامي هناك، فبدأت مقدمات الفعل التنظيمي والتأطيري لقوى وتيارات الإسلام السياسي تظهر بوضوح حرب يونيو/حزيران 1967، ووقوع الاتصال المباشر ما بين أبناء الوطن المحتل بين ضفتي الجزء الأول المحتل عام 1948 والجزء الثاني الذي جرى احتلاله عام 1967، حيث وجد عدد كبير من شباب وفلسطينيي الداخل المحتل عام 1948 حوافز منشطة للتوجه إلى الدراسة في الكليات الإسلامية في الضفة الغربية مثل كلية الشريعة في الخليل التي تخرج منها الشيخ رائد صلاح، والمعهد الديني في نابلس والذي تخرج منه الشيخ عبد الله نمر درويش، أحد أقطاب وأعمدة التأسيس في الحركة الإسلامية داخل مناطق 1948.

كما كانت حرب العام 1967 في الوقت ذاته بداية للعمل التنظيمي الحقيقي للإسلام السياسي داخل فلسطين المحتلة عام 1948، وهو العمل الذي بدأ يتجسد عملياً على أرض الواقع منذ العام 1972، فقد تشكلت النواة الأولى له في قرية كفر قاسم بمنطقة المثلث وسط فلسطين على يد الشيخ عبد الله نمر درويش الذي يعتبر بحق المؤسس الأول والميداني للحركة الإسلامية بعد النكبة داخل حدود فلسطين المحتلة عام 1948.

فانتشرت خلايا وبذور الحركة الإسلامية في أكثر من مكان من أرض فلسطين المحتلة عام 1948 وخصوصاً في منطقة المثلث كقرى كفربرا، وجلجولية وطيبة المثلث، ومن ثم نحو منطقة اللجون في مدينة أم الفحم، وبلدة باقة الغربية، وبلدة جت، وبلغت عمليات التكوين التنظيمي أوجها مع اندلاع أحداث يوم الأرض الأول في 30 مارس/أذار 1976 في الجليل، وسقوط عشرات الشهداء، فبات الحدث إجمالا نقطة تحول ليس في صعود تيارات العمل السياسي والتنظيمي الإسلامي بل وشكل انتقالة نوعية لأبناء فلسطين داخل مناطق 1948 التي سعت من حينها لتنظيم نفسها ورفع مستوى نضالها ضد سياسات الدولة الصهيونية العنصرية، فولدت الحركة الإسلامية في أجواء التمييز والظلم، كما جاء ميلادها متزامناً مع تعاظم الصحوة الإسلامية في العالم العربي والإسلامي.

"
تعاظم دور الحركة الإسلامية خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي في النقب وعموم الجنوب الفلسطيني، ووصل زحف انتشار تنظيمات التيار الإسلامي نحو مدينة الناصرة وبعض قرى الجليل
"
وفي العام 1977 عقد أول مؤتمر إسلامي داخل أرض فلسطين المحتلة عام 1948، وتقرر فيه المطالبة بتحرير أملاك الوقف الإسلامي، وحق الطائفة الإسلامية في إدارة شؤونها وتعيين القضاة في المحاكم الشرعية.

وفي هذه الأجواء التي ترافقت مع تراجع دور التيارات اليسارية بشكل عام، وارتفاع وتيرة ودور تيارات الإسلام السياسي واصلت الحركة الإسلامية انتشارها، وليتعاظم دورها خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي في النقب وعموم الجنوب الفلسطيني، وليصل زحف انتشار تنظيمات التيار الإسلامي نحو مدينة الناصرة وبعض قرى الجليل.

الانتفاضة الأولى ودورها
وقد شكل انطلاق الانتفاضة الفلسطينية الأولى نهاية العام 1987 رافداً جديداً في اندفاع تيارات العمل الوطني الفلسطيني بما في ذلك تيار الإسلام السياسي داخل مناطق 1948، خصوصاً وأن الانتفاضة الفلسطينية حملت معها صعوداً هائلاً للتيار الإسلامي المقاوم في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة عبر انطلاقة حركتي حماس والجهاد الإسلامي.

فأسهمت الحركة الإسلامية في فلسطين 1948 في دعم صمود الشعب الفلسطيني وانتفاضته في المناطق المحتلة عام 1967، وزادت من مشاركتها والتصاقها بالنضال الفلسطيني في الانتفاضة الثانية التي اندلعت في 28/9/2000 ووقعت حينها أحداث الجليل التي سقط فيها (13) شاباً من خيرة الشباب الفلسطينيين من أبناء الجليل والمثلث والنقب، مما زاد في منسوب الوعي لدى الجماهير العربية وشكل نقلة نوعية في العمل السياسي.

وتميزت هذه المرحلة والتي استمرت إلى العام 1996 بالنشاط غير المحدود والامتداد الكبير للحركة الإسلامية الفلسطينية داخل فلسطين المحتلة عام 1948، وتحت قيادة واحدة وموحدة أثبتت جدارتها في كل مجال.

كان من نتائج العمل في تلك المرحلة وضع دستور الحركة الإسلامية الذي تكفل بوضعه إضافة إلى رئيس الحركة وقتها الشيخ عبد الله درويش، كل من الشيخ رائد صلاح وكمال خطيب، والذي بموجبه تم انتخاب مجلس شورى الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني، والذي تشكل من سبعة وعشرين عضواً، إلى أن وقعت تطورات وتحولات سياسية في مسار وبرنامج ورؤية الحركة الإسلامية قبيل انتخابات 1996 للكنيست الإسرائيلية، يمكن أن يطلق عليها انشقاقاً في صفوف الحركة، فقد أبدى عبد الله نمر درويش ضرورة الإسهام الفلسطيني بالنضال بالطرق السلمية المتاحة أمام فلسطينيي 1948 تجنباً لقمع وبطش الاحتلال، فطرح قيام ما أسماه بـ"التيار المعتدل للحركة الإسلامية".

"
الانتفاضة الفلسطينية حملت معها صعوداً هائلاً للتيار الإسلامي المقاوم في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة عبر انطلاقة حركتي حماس والجهاد الإسلامي
"
ففي حين بدأت الحركة الإسلامية في فلسطين 1948 ببحث ملف الانتخابات البرلمانية للكنيست الإسرائيلية من زاوية المشاركة من عدمها، وحساب النتائج المتمخضة عن المشاركة من المقاطعة، وهو الأمر الذي كان يؤجل البحث فيه منذ العام 1989 وفق إجماع جميع المصادر المتابعة، انتهى البحث بعقد مؤتمرعام الحركة الإسلامية في فلسطين 1948 حضرته قيادة الحركة الإسلامية وبضمنها الشيخان رائد صلاح وكمال خطيب، وانتهت النقاشات والمداولات في هذا الاجتماع بإجراء التصويت الذي اتفق على أن يكون الحكم الفصل في الموضوع وباتفاق الجميع.

فخرجت النتيجة بفارق بسيط لمصلحة خوض الانتخابات البرلمانية في إطار قائمة موحدة، حيث اجتمعت القيادة كلها بعد ذلك في بيت الشيخ عبد الله درويش، وتعاهدت على حمل القرار وتنفيذه وبذلك شارك البعض بالانتخابات البرلمانية التي اختلفت فيها آراء الفقهاء بين محلل ومحرم، وبين مشجع لخوض غمارها وداع لمقاطعتها والامتناع عنها.

تيارا الحركة الإسلامية في الـ48
إلا أن تفاعلات الموضوع كانت أكبر من قرار لمؤتمر عام للحركة تم اتخاذه بفارق بسيط في الأصوات، فأعلن الشيخ رائد صلاح ومعه ثلاثة من أعضاء مجلس الشورى القطري للحركة الإسلامية داخل فلسطين 1948 من أصل سبعة وعشرين عضواً، بإعلان الافتراق عن الحركة الإسلامية التي يترأسها الشيخ عبد الله نمر درويش بدعوى اعتراضهم على مسألة المشاركة في انتخابات الكنيست الإسرائيلي.

فامتلأت صفحات جريدة "صوت الحق والحرية" والتي هي جريدة الحركة الإسلامية الأم في حينه، بإعلان قيام "ثورة تصحيح"، سيطرت من خلالها مجموعة الشيخ رائد صلاح على كل الجمعيات والمؤسسات الإغاثية والصحفية والعلمية والمالية للحركة الإسلامية الأم، بينما بقيت "جمعية الأقصى لرعاية الأوقاف والمقدسات" والتي كان يترأسها الشيخ كامل ريان، وهي الجمعية الوحيدة التي انحازت لموقف الشيخ عبد الله نمر درويش.

إلا أن الشيخ رائد صلاح سارع بعد حين وقام بتأسيس "مؤسسة الأقصى" وذلك في العام 2001 وهي المؤسسة التي لعبت وما زالت دوراً كبيراً في حماية المسجد والدفاع عن قضية الأقصى.

وعليه، ومنذ العام 1996 وحتى اليوم، باتت الحركة الإسلامية داخل حدود فلسطين 1948 تشتمل على تيارين، التيار الأول بات يدعى بـ"الجناح الجنوبي" ويمثله الشيخ عبد الله نمر درويش، وهو تيار براغماتي اتخذ طريقاً ديمقراطياً في النضال السلمي، فامتنع عن الاحتكاك بسلطات الاحتلال الصهيوني.

والتيار الثاني والمعروف باسم "الجناح الشمالي" وهو التيار الأكثر فعالية وحضورا وتأثيرا وسط الناس فيقوده الشيخ رائد صلاح ومركزه مدينة أم الفحم.

وقد أصبح الشيخ رائد صلاح الذي يتمتع بشعبية كبيرة ليس بين ظهراني السكان العرب في "إسرائيل" فقط بل أيضاً لدى خارجها بسبب نشاطه القوي لحماية مقدسات الإسلام في القدس القديمة وعن الأوقاف والمساجد والمقابر الإسلامية داخل مناطق فلسطين 1948 التي تعرضت وما زالت للاعتداء عليها من قبل سلطات الاحتلال.

"
أنشأ الشيخ رائد صلاح العديد من المشاريع تحت عنوان بناء "مجتمع عصامي متكامل" يملك أمور حياته ومؤسساته بيديه، ويتحرر من مخاطر الضغط الذي يقع عليه من طرف المؤسسة الإسرائيلية
"
كما استتبع الشيخ رائد صلاح حضور تياره الشمالي وسط الناس عبر "لجنة الإغاثة العليا" التي ترعى أكثر من عشرين جمعية ومؤسسة قطرية مثل مؤسسة (الأقصى لإعمار المقدسات الإسلامية) التي ترعى شؤون الأوقاف والمقدسات الإسلامية عامة، وشؤون المسجد الأقصى خاصة، وجمعية (اقرأ) التي ترعى شؤون الطلاب الجامعين، وجمعية (سند) التي ترعى شؤون الأمومة والطفولة، ومؤسسة (مسلمات من أجل الأقصى) التي ترعى دور المرأة المسلمة تجاه المسجد الأقصى المبارك، ومؤسسة (حراء) التي ترعى الأجيال الصغيرة والكبيرة، ومؤسسة (النقب للأرض والإنسان) التي ترعى هموم الناس في النقب، ومؤسسة (عكا وقراها) ومؤسسة (حيفا زهرة الكرامل) ومؤسسة (يافا) ومؤسسة (اللد والرملة) ومؤسسة (لجنة الإغاثة الإنسانية للعون) التي ترعى كفالة الأيتام في الضفة الغربية وقطاع غزة، ومؤسسة (الفجر) التي ترعى شؤون الأدب والشعر والنشيد الإسلامي، وجمعية (البلاغ) التي ترعى شؤون الإعلام الإسلامي.

وجميعها مشاريع تقع تحت ما يسميه الشيخ رائد صلاح "بناء مجتمع عصامي متكامل" يملك أمور حياته ومؤسساته بيديه، ويتحرر من مخاطر الضغط الذي يقع عليه من طرف المؤسسة الإسرائيلية، فسعى للبحث عن تمويل لمشروعات الحركة من خلال البديل الإسلامي، مثل إحياء الوقف الإسلامي، وإحياء باب الوصية وفكرة الثلث.

وتابع التيار الشمالي في الحركة الإسلامية من حضوره وسط الناس عبر إقامة كلية الدعوة والعلوم الإسلامية التي حصلت على تمثيل لها في رابطة الجامعات الإسلامية واتحاد الجامعات العربية.

أخيراً، إن توقيف الشيخ رائد صلاح في لندن، ورفض السماح له بالمشاركة في الفعالية التي كان مقرراً وجوده داخل قاعاتها، يؤكد في جانب منه على الدور الكبير المتنامي للحركة الإسلامية داخل "إسرائيل"، وعلى الدور الاستثنائي للشيخ رائد صلاح الذي بات رمزاً فلسطينياً وعنواناً للصمود داخل "معدة الكيان الصهيوني العبري" في فلسطين المحتلة عام 1948.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة