/ملغى/ أزمة انتخابات أم أزمة نظام   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ علي العبد الله

ما يزال الاستعصاء السياسي الذي ترتب على رفض ترشيح آلاف المترشحين إلى الانتخابات النيابية ، بمن فيهم ثمانون نائبا إصلاحيا ، بسبب تمسك المحافظين – رغم الاعتراضات والتهديد باستقالات جماعية والدعوة إلى مقاطعة الانتخابات – بموقفهم خاصة بعد الدعم الذي حصلوا عليه من المرشد الأعلى بوقوفه مع إجراء الانتخابات في موعدها ( 20 الشهر الجاري ) وهذا ولّد تشققات في صفوف التيار الإصلاحي ، يمكن أن تزيدها مراجعة ملفات المترشحين الإصلاحيين التي طلبها المرشد الأعلى ، حدةً.

لماذا أخذ المحافظون قرار المواجهة الآن ؟
تتصارع ثلاثة تيارات على مستقبل إيران ،التيار الإصلاحي الذي يمثله الرئيس محمد خاتمي وجبهة المشاركة التي يتزعمها محمد رضا خاتمي (شقيق الرئيس ) الذي يرى الإصلاح والانفتاح من داخل النظام ، وضمن أطره القائمة لتلبية تطلعات الشارع الإيراني بقطاعاته العريضة ، سيما في أوساط الفئات الاجتماعية الدنيا والحرفيين والمثقفين والنساء ، الشباب بعامة (65 % من الشعب الإيراني تحت سن الـ 25عاما ) والطلاب بخاصة ، إلى حكم قادر على تلبية حاجاته المعيشية والاستجابة إلى تطلعاته السياسية والاجتماعية والثقافية والإنسانية ، بعد أن أكد – الشارع الإيراني – في مناسبات كثيرة، تفضيله الانفتاح والاعتدال والواقعية على الانغلاق والانعزال والتشدّد ، فالمجتمع الإيراني ، في رأي هذا التيار ، لن يظل راضيا إلى ما لانهاية بشعارات الثورة واعتباراتها السياسية دون أن تقترن بإنجازات وتطورات تحقق طموحاته المشروعة في حياة آمنة ومزدهرة ،ودون تحسين أوضاعه الحياتية في إطارها الوطني الشامل " على رجال الدين أن يسألوا أنفسهم إلى أي مدى ساهمت الثورة في وضع مزيد من الخبز على مائدة الإيرانيين " كما قال عضو مجلس الخبراء حجة الإسلام القبرماني .
ربط هذا التيار بين الارتقاء بمستوى حياة المواطنين ونوعيتها وبين الإقرار بحق هؤلاء المواطنين في إبداء الرأي والانفتاح الثقافي والفني على العالم الخارجي وتعزيز قدراتهم على التحرك والتفاعل السياسي والاجتماعي ، ونظر بإيجابية إلى دول الجوار والعالم .
والتيار المحافظ الذي يعارض هذه التوجهات الإصلاحية خاصة في بُعدها الداخلي ، ويعتبرها بداية أو وسيلة لتفجير النظام الإسلامي من داخله ، ويرى في التيار الإصلاحي " حصان طروادة " ويحاجج بأن الانفتاح الداخلي ليس إلا " مخلب قط " للعدو الخارجي الذي يتربص بالجمهورية الإسلامية ويبحث عن فرصة لاختراق الصف الوطني والبلاد في آن واحد ، علما أن هذا التيار لا يمانع في التفاهم مع القوى الخارجية على خلفية المحافظة على النظام وتركيبته الراهنة . يتجسّد هذا التيار في تكتل أنصار حزب الله وحركة خط الإمام وتجار البازار وقيادات الحرس الثوري وقوات المتطوعين
( الباسيج ) ،كما يحظى بدعم المرشد الأعلى للثورة الإسلامية .
والتيار الثالث الذي يدعو إلى " التغيير" على قاعدة قلب النظام وإنهاء ما يسميه " نظام الملالي " والذهاب إلى نظام بديل ، ويصف نظام الجمهورية الإسلامية بالنظام الشمولي وولاية الفقيه بـ "البابوية " ، ويشكك في شرعية سلطة رجال الدين ويركز انتقاداته على التيار الإصلاحي ، لأن الصراع على قاعدة الإسلام يمنح – حسب رأيه – المحافظين فرصة أكبر ، لأنهم أقرب إلى حقيقة الإسلام من التيار الإصلاحي من جهة ، ولأنه – التيار الإصلاحي - يتبنى عقيدة سياسية اقتصادية اجتماعية غير صالحة لإخراج إيران من المأزق الذي تعيشه في ظل النظام الشمولي من جهة ثانية . يتمثل هذا التيار ، وهو تيار أقلوي ، في بعض الشخصيات الإيرانية في الداخل والخارج ، وأحزاب يسارية صغيرة .
سيكتشف دارس المشهد السياسي الإيراني أن الصراع بين المحافظين والإصلاحيين يدور على أرضية عقائدية واحدة : الإسلام . فالتياران ينطلقان من قاعدة فكرية واحدة ويختلفان على الأولويات والأساليب والحلول . وهذا أفرز المأزق الراهن ، حيث ولد هذا المأزق من عجز التيارين على الاتفاق على حل وسط مقبول بسبب سعي التيار المحافظ للإبقاء على السلطة تحت سيطرته متذرعا بالشرعية الثورية، واستخدامه المؤسسات التي يسيطر عليها (الجيش ،الحرس الثوري، مجلس صيانة الدستور، مجمع تشخيص مصلحة النظام والقضاء ) في تكريس سلطاته ، ورفعه فزّاعة معاداة الإسلام في وجه العملية الإصلاحية ، وبسبب تحرك التيار الإصلاحي الحذر والمتردد ، واعتماده الحوار والنَفَس الطويل ، ورفع لواء الشرعية الدستورية، وإرادة الشعب ، في الضغط على التيار المحافظ لتحقيق وعوده الإصلاحية ، ترتب عليه أخذ عملية الإصلاح التي ينتظرها الشارع الإيراني بفارغ الصبر ، وتيرة شديدة البطء ، وهذا أثار سخط هذا الشارع ، رغم أن أكثريته باتت ،ومنذ فترة غير قصيرة ، راضية بنظام الجمهورية الإسلامية كإطار عام للحكم ، وأساس لإدارة البلاد ، وقبلت بمؤسساتها وأنظمتها وقوانينها ( كان حجم المشاركة في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والمحلية في المرتين السابقتين واضح الدلالة ) . لقد أدخل تصلّب المحافظين وتردّد الإصلاحيين البلاد في حالة جمود واستعصاء سياسي ترتب عليها إحباط كبير في الشارع الإيراني ، لذا جاء انفجار التظاهرات التي خرجت في طهران وشيراز قبل عدة أشهر احتجاجا على خصخصة التعليم الجامعي والشعارات التي رفعها المتظاهرون ضد المرشد الأعلى للثورة : الموت ، ومطالبة رئيس الجمهورية بالاستقالة ( يتندر الإيرانيون على رئيس الجمهورية ويطلقون عليه وصف السيد الخجل لكثرة تكراره بأنه يشعر بالخجل لأنه لم يستطع أن ينفذ تعهداته الإصلاحية ) تعبيرا عن هذا الإحباط وعن التطلع إلى تغيير شامل وسريع .
لقد مر الصراع بين التيارين في منعطفات كثيرة دون أن يحسم أيا منهما المعركة لصالحه ، وقد أخذ الصراع بينهما بعدا جديدا بعد احتلال الولايات المتحدة لكل من أفغانستان والعراق وتحريضها الإيرانيين على إسقاط النظام ، وهذا عزز موقف المحافظين وقدم لهم ذخيرة لقصف الدعوة والتيار الإصلاحيين ، حيث أعطى سعي الإدارة الأميركية إلى إحداث تبديل في خريطة الشرق الأوسط وإقامة شرق أوسط جديد بالدعوة إلى إسقاط الأنظمة القائمة ، المحافظين ذريعة للتصلب في وجه مطالب الإصلاحيين إلا أنه – التواجد الأميركي – لم يمنحهم أسبقية على التيار الإصلاحي بسبب عجزهم عن إقناع الشارع الإيراني بخطابهم الوطني في ظل الشرخ الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والافتقار إلى المصداقية .
لكن وفي الوقت نفسه قاد تردد الإصلاحيين إلى فقدان بعض صدقيتهم السياسية والذي تجلى في مقاطعة المواطنين الإيرانيين للانتخابات المحلية في شهر شباط 2003
( شارك فيها11% في طهران ) كتعبير عن فقدان الثقة بالنظام ككل وبوعود التيار الإصلاحي ، وخسارة الإصلاحيين لهذه الانتخابات . وقد جاء فتح الإدارة الأميركية لملف التسلح النووي الإيراني ليزيد موقف الإصلاحيين تعقيدا وحراجة ، حيث خدم الضغط الأميركي تيار المحافظين وعزز توجهاته المتشددة بذريعة إعطاء الأولوية للتصدي للضغط الخارجي ، ما جعل بعض المحللين يتوقع أن ينهزم الإصلاحيين في الانتخابات البرلمانية ما لم يحققوا في الأسابيع القليلة القادمة إنجازات هامة ( مجلة نيوزويك 9/12/2003 ) غير أن نجاح الإصلاحيين في التعاطي مع ملف التسلح النووي الإيراني وفي تحاشي مجابهة عسكرية مع الإدارة الأميركية شديدة المحافظة والعدوانية ، والزلزال الذي ضرب مدينة بم والذي كشف فوائد الانفتاح على العالم الذي عكسته المساعدات العاجلة والكبيرة ، حسّن صورة الإصلاحيين وعزز فرص فوزهم في الانتخابات البرلمانية القادمة ، وهذا أثار حفيظة المحافظين الذين فتحوا معركة مع التيار الإصلاحي عبر تشويه صورة عناصر هذا التيار عن طريق رفض ترشيح ثمانين نائبا من نواب البرلمان الحالي وآلاف المترشحين الجدد بدعوى وجود شبهات في ذمتهم المالية بالإضافة إلى معاداة الإسلام ، على أمل دق إسفين بين التيار الإصلاحي والشارع الإيراني الذي يعاني من مصاعب معيشية كبيرة .
غير أن تفجير الأزمة من قبل تيار المحافظين ، بهدف إرباك الإصلاحيين ومنعهم من إجراء حملة انتخابية ناجحة تقودهم إلى الفوز بالانتخابات ، في ظل انحياز قطاعات واسعة من الشعب إلى التيار الإصلاحي ( حوالي 70% من المجتمع الإيراني ) على خلفية معارضته لتوجهات التيار المحافظ ، فالأجيال الشابة تريد شيئا آخر غير ما يطرحه المحافظون حول الإسلام وحماية الثورة ، وإعطاء أولوية لمجابهة الخارج وتأجيل كل الملفات المعاشية والخدمية ، ورفض ولاية الفقيه يتزايد في أوساط طلاب المدارس الدينية في قم ( 9 من كل عشرة طلاب يرفضون نظرية ولاية الفقيه حسب رواية الدكتور فالح عبد الجبار – قناة أبو ظبي 11/1/2004 ) حتى بات يخشى أن ينقلب المجتمع الإيراني ضد الإسلام ويحقق التحذير الذي أطلقه حجة الإسلام القبرماني حين قال :" إذا كان البعض يعتبر أن الكنيسة هي السبب في تحويل الإيطاليين إلى ملحدين بسبب ما كانت تمارسه من تشدد وانشغال عن مطالب الحياة ، فإننا نخشى أن يأتي يوم نسمع فيه نفس النغمة المرعبة من جانب مسلمي إيران " .
أثار تفجير المحافظين للأزمة تساؤلا حول حصافة هذه الخطوة حيث لم يستبعد محللون متابعون للوضع الداخلي في إيران أن ينقلب الوضع ضد تيار المحافظين ، لأن عدم التراجع عن قرار لجنة الترشيحات سيزيد الفجوة بين التيارين اتساعا من جهة ويعمّق عزلة المحافظين شعبيا ويزيد من التفاف الإيرانيين حول التيار الإصلاحي من جهة ثانية ، والتراجع عن القرار سيقود إلى خسارة المحافظين للانتخابات البرلمانية التي ستقود إلى خسارتهم للانتخابات الرئاسية عام 2005 بالضرورة ، بينما ذهب آخرون إلى احتمال انهيار السلطة الدينية في إيران بفعل انفجار الغضب الشعبي .
لقد قام نظام الجمهورية الإسلامية وفق هيكلية من مؤسسات عديدة : مجلس صيانة الدستور ، مجلس الخبراء ، مجمع تشخيص مصلحة النظام ، مجلس الشورى ....الخ توازن بعضها بعضا ولكن مرتبة المرشد الأعلى وصلاحياته الواسعة أنهت السمة الديموقراطية - خاصة وأن موقفه الحالي يتطابق مع موقف المحافظين وهذا رجّح كفتهم في كل الصراعات مع الإصلاحيين الذين يناصبهم العداء - وهذا خلق تناقضا بنيويا في النظام الإيراني شكله ديموقراطي ومضمونه ثيوقراطي.
ــــــــــــــــــ
كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة