دارفور.. والعسل القطري   
الأحد 11/6/1434 هـ - الموافق 21/4/2013 م (آخر تحديث) الساعة 13:15 (مكة المكرمة)، 10:15 (غرينتش)
كمال الجزولي

"باستثناء الدعم القطري لم يكن هنالك دعم مالي يمكن الاعتداد به" هكذا لخص متحدث أممي فضل حجب اسمه جملة مخرجات مؤتمر المانحين الدولي لإعادة إعمار وتنمية دارفور الذي انعقد بالدوحة طوال يومي 7 و8 أبريل/نيسان (د ب أ؛ 8 أبريل/نيسان 2013م).

فبالإضافة إلى مبادرتها المعلنة، عام 2010م، بإنشاء بنك لتنمية دارفور برأسمال قدره مليار دولار، تعهَّدت دولة قطر، أيضاً، في هذا المؤتمر، بنصف مليار دولار، ضمن الـ3.69 مليارات دولار التي أمكن جمعها فيه، شاملة، حسب وكالة الأنباء القطرية، تعهُّد الحكومة السودانية بـ2.65 مليار دولار، وفقاً لوثيقة الدوحة المبرمة مع "حركة التحرير والعدالة" في يوليو/تموز عام 2011م، مما أكد عليه البيان الختامي للمؤتمر.

فإذا أخذنا في الاعتبار أن مسودة إستراتيجية تنمية الإقليم كانت قد استهدفت، أصلاً، جمع 7.5 مليارات دولار، لأدركنا، إذن، فحوى عبارة المتحدث الأممي.

(1)

وفي الحقيقة فإن دولة قطر لم تكتف بالدعم المالي، فحسب، بل ألقت بثقلها الدبلوماسي، أيضاً، لتضمن للمؤتمر مشاركة 400 مندوب من أربعين دولة، فضلاً عن عدد مقدر من المنظمات المانحة والهيئات الدولية. ومع ذلك كله قطع المتحدث الأممي المشار إليه بأن "المحصلة الختامية تدعو للإحباط"، حيث إن "الدول الكبرى والغنية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة واليابان، لم تقدم شيئاً" (المصدر).

لقد تعهَّدت ألمانيا، مثلاً، بستين مليون يورو، وبريطانيا بـ13 مليون يورو سنويا للسنوات الثلاث القادمة، بينما اكتفى الآخرون بإعلان الدعم السياسي للسلام في دارفور دون أن يفصحوا عن أيِّ تعهُّد بمبالغ محددة (وكالات، 8 أبريل/نيسان 2013م). أما الدول العربية الغنية، كالسعودية والكويت والإمارات، فقد كانت مشاركتها "اسمية بشكل لافت" وعموماً فإن "مبلغاً يقل عن مليار دولار ليعكس غياب (الإرادة السياسية) لدى الدول المانحة" على حدِّ تعبير المتحدث الأممي (د ب أ، 8 أبريل/نيسان 2013م).

خلق "الإرادة السياسية" لدى المانحين الدوليين والإقليميين ليس من مهام الدبلوماسية القطرية، وإنما هو، في المقام الأول، من أوجب واجبات الدبلوماسية السودانية

خلق هذه (الإرادة السياسية) لدى المانحين الدوليين والإقليميين ليس من مهام الدبلوماسية القطرية، وإنما هو، في المقام الأول، وبطبيعة الحال، من أوجب واجبات الدبلوماسية السودانية.

على أن د. مصطفى عثمان إسماعيل، مستشار الرئيس السوداني ووزير المجلس الأعلى للاستثمار، أكد، على العكس من ذلك، أن بلاده تعول على "علاقات دولة قطر العربية والإسلامية والإقليمية والدولية الواسعة" في إنجاح المؤتمر (الراية القطرية، 8 أبريل/نيسان 2013م).

ولإدراكه، على ما يبدو، لعمق أزمة حكومته مع المجتمع الدولي، عزا د. إسماعيل هذا التعويل إلى كون المجتمع الدولي، كما قال "يخلط بين السياسة وبين الأمور الإنسانية والتنموية" مع ذلك أضاف، في تناقض منطقي لا يخفى، أن "الصراع في دارفور قد اقترب من نهايته.. لعدة عوامل منها.. أن هذا المجتمع الدولي يريد تحقيق السلام والتنمية في دارفور" (المصدر).

بعيداً عن هذا الارتباك فإن التفسير الحقيقي لإحجام المجتمع الدولي الرسمي عن أيِّ إسهام يعتد به تجاه حل أزمة الإقليم وتنميته إنما يتجلى في ما وجَّهته، في اليوم الثاني للمؤتمر، دول مثل كندا وألمانيا والسويد والاتحاد الأوروبي، من انتقادات صريحة لدور الحكومة السودانية السالب، على وجه الخصوص، داعية إياها للالتزام بشروط محددة لا يمكن، بطبيعتها، أن تكون غير سياسية، كما تطالب حكومة السودان، وهي شروط سبق لنفس هذه الدول أن قاومتها ردحاً طويلاً من الزمن، لكنها عادت، في ما يبدو، للإقرار بها تحت ضغط شعوبها إزاء الفشل المستمر في التوصل إلى حل للأزمة المستعصية التي ما تنفك، وفقاً لقرارات مجلس الأمن الدولي المتعاقبة، تتهدد الأمن والسلم الدوليين.

(2)

لقد سبق أن أطلق يان إلياسون، مبعوث الأمم المتحدة الخاص لمحادثات سلام دارفور، قبل سنوات، وصف "الحلقة المفرغة" على عملية صناعة السلام التي ظلت مستمرة في الإقليم منذ ما قبل أبوجا، دون أن تبلغ نجاحاً يؤبه له (الأيام، 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2007م). وفي تعليقنا، وقتها، على ذلك الوصف قلنا إن إلياسون لم يجرؤ على الاعتراف بأن نظرتهم هم، كميسرين ووسطاء، للمشكلة وحلها، هو السبب المباشر لـ"فراغ" تلك "الحلقة" (الرأي العام، 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2007م).

فعلى سبيل المثال كانت الحركات ترى ضرورة التمهيد للتفاوض بما يؤكد الإرادة السياسية لدى السلطة، ويتجاوز وهدة التجارب الفاشلة. وكانت تندرج، ضمن ذلك التمهيد، حزمة من المطلوبات، كنزع سلاح الجنجويد، وإعلان العفو العام، وإطلاق الحريات والحقوق، ونحو ذلك، مما لا يُتصور، عقلاً، أن يخضع للتفاوض المفتوح، بطبيعته، على احتمالات القبول والرفض.

بعد هذا، وليس قبله بأية حال، ينفتح الطريق أمام حزمة القضايا السياسية التي تصلح، بطبيعتها، لأن تشكل أجندة التفاوض، كالترتيبات الأمنيَّة، وقسمة السلطة والثروة، والمشاركة في الحكومة المركزيَّة، ووضعية الإقليم ما بين الوحدة والتقسيم، وما إلى ذلك.

لكن الوسطاء كانوا يصرون، دائماً، على فهم هذه المسألة البسيطة فهماً يصادر، بكلِّ المعايير، على المطلوب، حيث يخلطون بين قضايا الحزمتين، وهو ما استطرد إلياسون في التعبير عنه بقوله، تعليقاً على شروط التمهيد: "إذا نظرت إليها، سترى أنها، بدرجة أو بأخرى، هي نفس النتائج التي نريد التوصل إليها عن طريق التفاوض، بمعنى أنه إذا كان من الممكن تنفيذ هذه الشروط المسبقة، فلسنا، إذن، في حاجة إلى تفاوض" (المصدر).

شروط المانحين تدل بوضوح على أنه لم تعد ثمة فرصة كي تعوِّل حكومة السودان على أيَّة مساهمة في إعمار دارفور يمكن أن تأتيها من معظم المجتمع الدولي

أما الآن، فقد أضحى المجتمع الدولي، على ما يبدو، أكثر استعداداً لأن يدرك ما لم يكن قادراً على إدراكه في ذلك الوقت. فأبرز شروطه التي طرحها على الحكومة السودانية، من خلال مؤتمر المانحين مؤخراً، تتلخص في إنهاء حالة الطوارئ في الإقليم، وإطلاق مبادرة للحوار القائم على الثقة مع كل القوى السياسية، وقوى المجتمع المدني، لتيسير مخاطبة مشكلات السودان بصورة شاملة، بما في ذلك دارفور، إذ ثبت أن الحلول الجزئية لا تجدي، وإلى ذلك وقف العنف، وتنفيذ الالتزامات الحكومية تجاه السلام والتنمية، والامتناع عن إعاقة عمل المنظمات الدولية في مجال العون الإنساني، وفي مراقبة المشاريع التي يتم تنفيذها، وبوجه عام توفير أكثر الظروف ملائمة لتطبيق إستراتيجية تنموية مناسبة في الإقليم (د ب أ، 9 أبريل/نيسان 2013م).

جملة هذه الشروط تتجه، بوضوح تام، صوب التعبير عن أنه لم تعد ثمة فرصة كي تعوِّل حكومة السودان على أيَّة مساهمة في إعمار دارفور يمكن أن تأتيها من معظم المجتمع الدولي، رغم نجاح الدبلوماسية القطرية في استقطابه إلى المؤتمر، ما لم تجر ترتيبات على الأرض تجعل السلام الشامل والعادل يعم كل أرجاء الإقليم، بمشاركة الأطراف السودانية كافة، وبما يمكِّن من توفير الحماية للمدنيين، ويضمن عودتهم إلى قراهم، ويسهِّل عمل المنظمات الإنسانية على هذا الصعيد، بل ويضع حداً، قبل ذلك كله، للمواجهات المسلحة التي لا تنتطح عنزان في كونها أضحت تتفاقم بشكل واضح، في الآونة الأخيرة، لدرجة أنْ صرَّح عبد الله علي مسار، وزير الإعلام السابق، والنائب، حالياً، في برلمان النظام، بتوقعه، مؤخراً، سقوط نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، وإحدى أكبر مدن الإقليم، في أيَّة لحظة، كونها، كما قال، محاصرة بالحركات المسلحة من خارجها، في حين تعاني من الانفلات الأمني داخلها، لافتاً إلى أن القوات المسلحة خسرت، في بعض آخر معاركها في الإقليم، أكثر من 350 جندياً، بينما لا يزال مصير سبعين آخرين مجهولاً (سودان تريبيون، 4 أبريل/نيسان 2013م) وأيضاً لدرجة أنْ كشفت ميليسا فليمنغ، الناطقة باسم المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، عن اندلاع موجة جديدة من العنف خلال الشهرين الماضيين، أحرقت، في إثرها، قرى بكاملها، وفرَّ 74 ألف لاجئ إلى تشاد (رويتر، 15 أبريل/نيسان 2013م).

(3)

لكن أكثر الارتباكات مفارقة للمنطق، في تعبير الوزير السوداني عن موقف حكومته من اجتذاب الدعم الخارجي لإعمار دارفور، هي محاولته، على ما يبدو، تجاوز المجتمع الدولي، بقوله "نحن نعول أساسا على الدول العربية، والإسلامية" (الراية القطرية، 8 أبريل/نيسان 2013م) إذ إن ذلك قول تكذبه الحقائق على الأرض من أكثر من وجه.

فمجلس وزراء الصحة العرب، مثلاً، بكل قضه وقضيضه، لم يستشعر ذرة حياء في إعلان دعمه، قبل ست سنوات، "لتحسين الأوضاع الصحية في دارفور"، كما قال، بمبلغ لم يتجاوز الخمسين ألف دولار أمبركي (أخبار اليوم، 21 فبراير 2007م).

وكي ندلل، في حينه، على عدم جدية ذلك "الدعم"، افترضنا، جدلاً، أن من يحتاجونه هم، فقط، المُجبرون على اللواذ بمعسكرات النزوح، وأن تعدادهم مليونا نسمة، وفق أحدث إحصائيَّات الأمم المتحدة آنذاك (يناير/كانون الثاني 2007م)، وأن ما يحتاجه الواحد منهم هو، فقط، حبَّتا "أسبرين" لتسكين الصداع "عند اللزوم"، وأن هذا "اللزوم" لا يقع سوى مرة في العمر، ولأن ثمن هاتين الحبَّتين 66 جنيهاً، فقد أثبتنا، بحسبة بسيطة، أن العجز في ذلك "الدعم"، ولو بما يُذهب صداع الفرد الواحد مرَّة في العُمر، يبلغ، بالضبط، ثلث المبلغ المتبرَّع به، أما إذا حاولنا استخدام ذلك المبلغ في تنفيذ مقترح الجامعة العربيَّة بإنشاء مراكز صحيَّة في الإقليم، فإنه لن يكفي، بأيَّة حال، لتشييد 193 مركزاً صحياً، بعدد المعسكرات، حيث إن بناء مركز واحد، ولو من "القش"، سوف يحتاج إلى أكثر من 500,000 جنيه (الرأي العام، 15 مارس/آذار 2007م).

وبعد أكثر من سبعة أشهر من ذلك، أعلنت الدول العربية، مجتمعة، من خلال ما عُرف، وقتها، بـ(المؤتمر العربي لدعم ومعالجة الأوضاع الإنسانيَّة في دارفور)، عن جملة مساهماتها النقديَّة والعينيَّة والفنيَّة لتلك الغاية النبيلة بما لا يتجاوز الـ250 مليون دولار، وهو رقم يتضاءل خجلاً أمام ميزانية أية منظمة طوعية عالمية تعمل في السودان (الأيام، 3/11/07).

ما لم يتخلص الذهن العربي من توهم "مؤامرة صهيونية" وراء قضية دارفور، فسيبقى مكبلاً، على الدوام، بهاجس عقله "الساخن"

ومنذ ذلك الحين لم يشهد الموقف العربي الرسمي إزاء قضية دارفور تحسناً يذكر. لقد قدر لي الإسهام في عدد من الفعاليات التي انتظمت، خلال العقد المنصرم، حول هذه القضية في عدة عواصم عربية، بمشاركة مفكرين، وكتاب، وفنانين، وباحثين، وأساتذة جامعات، ورجال إعلام، وقادة تنظيمات سياسية ومدنية أخرى.

وكانت الشكوى ترتفع، في كل مرة، حول الموقف العربي السالب من قضية الإقليم المنكوب. وكان رأيي، في كل هذه المرات، أنه، ما لم يتخلص الذهن العربي من توهم "مؤامرة صهيونية" وراء هذه القضية، فسيبقى مكبلاً، على الدوام، بهاجس عقله "الساخن" في متخيَّله الذاتي، بدلاً من الانفتاح على الحقائق "الباردة" للقضية في واقعها الموضوعي.

(4)

يبدأ الاحتياج للدعم الخارجي لإعمار وتنمية دارفور، فقط عندما يتهيَّأ الإقليم داخليَّاً لاستقبال هذا الدعم. والإقليم لن يتهيَّأ لذلك إلا بحزمة إجراءات وعمليات هي، بطبيعتها، سياسية، وعلى رأسها التوصل إلى تسوية لكل أزمات البلاد، وضمنها دارفور، بمشاركة جميع القوى، ودون إقصاء لأحد.
ومن ثمَّ فإن المسؤولية عن هذه الإجراءات والعمليات المطلوبة إنما تقع، بالأساس، على كاهل حكومة السودان التي ينبغي أن تبادر إلى هذه التسوية، لا على كاهل أصدقائها الذين تريد أن تلعق "عسلهم" كله، وفي مقدمتهم دولة قطر، حتف أنف حكمة مستعربي السودان الذين يحذرون في بعض أمثالهم قائلين: إن أخاك إذا كان "عسلاً" فلا تلعقه كله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة