سوريا في قائمة الاستهداف الأميركي بعد العراق   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

ياسر الزعاترة*

- إفشال المشروع الشرق أوسطي
- بـدايـة التهـديـدات
- لبننـة العــراق
- خطأ سوري أم تحليل صائب؟
- عناصر المقاومة السورية للهجوم
- مستقبـل المواجهـة

من المؤكد أن الذين صاغوا الحرب على العراق بسبب ثأرهم الكبير مع النظام العراقي أولاً، وبسبب إرادة استثمار التغيير لصالح المشروع الصهيوني في المنطقة ثانياً، هم أنفسهم الذين يدقون طبول الحرب هذه الأيام ضد سوريا، أولاً لأن لهم ثأرهم الذي لا يقل أهمية مع النظام الحاكم، وثانياً لأن استثمار التغيير في بغداد لن يتحقق على الأرض إلا بتغيير مماثل في دمشق، إن لم يكن في ذات النظام ففي سلوكه السياسي خلال المرحلة القادمة. فما هي حقيقة الثأر؟ وما هي إرادة الاستثمار وكيفيتها؟

إفشال المشروع الشرق أوسطي

لا حاجة إلى التذكير بأن ما يحرّك اللوبي الصهيوني داخل الإدارة الأميركية كان ولايزال مرتبطاً بهواجس الدولة العبرية الأمنية والسياسية المستقبلية. وعندما نعود قليلاً إلى الوراء سنتذكر أن سنوات ما بعد حرب الخليج الثانية وانهيار الاتحاد السوفياتي قد أخرجت إلى العلن مشروع "الشرق أوسطية" القائم على إنجاز تسوية مع الفلسطينيين تكون مقدمة لاختراق إسرائيلي للمنطقة يتوج بزعامتها لها على نحو يجعلها الدولة الأكثر قوة وتماسكاً في محيط من الدول الضعيفة.

بيد أن المفاجأة التي لا يبدو أن حسابات الصهاينة قد أدركتها تماماً هي قدرة الوضع العربي والفلسطيني على تجاوز هذا المطب وإفشال المشروع.


سوريا كان لها دورها الفاعل في إفشال مشروع الشرق أوسطية من خلال روح الرفض لعملية التسوية
وإذا كان التماسك الذي أبداه محور القاهرة-الرياض-دمشق قد ساهم مساهمة فعالة في ذلك، فإن بغداد كانت ركناً أساسياً من أركانه، وذلك حين رفض النظام العراقي الدخول في لعبة الشرق أوسطية رغم العرض المغري الذي قدم له بمقايضة العقوبات بالتعاون الإقليمي مع تل أبيب كمحطة للالتفاف على المنطقة بوجود التحالف الإستراتيجي مع تركيا.

وقد انقضت ولاية كلينتون الأولى والثانية ومحاولات إنجاز "الشرق أوسطية" متواصلة، في حين لم يخضع كلينتون لمطالب اللوبي الصهيوني -لا سيما في ولايته الثانية- بمهاجمة العراق لإخضاعه.

عندما بدأت ولاية بوش وتبدى حجم التحالف القوي بين اللوبي الصهيوني الذي انتقل عدد من أهم رموزه من الحزب الديمقراطي إلى الجمهوري مع اليمين المسيحي المهيمن على الحزب وصقور الإدارة من تجار النفط ودعاة إنشاء إمبراطورية عسكرية أميركية تهيمن على العالم بالقوة.. عندما حصل ذلك عاد مشروع الحرب على العراق إلى الواجهة، وكان أن جرى استغلال هجمات 11 سبتمبر/ أيلول للدفع على نحو أسرع باتجاه إنجازه.

سوريا بالمقابل كان لها دورها الفاعل في إفشال مشروع الشرق أوسطية، من خلال روح الرفض لعملية التسوية ومن خلال دعم حزب الله وإنجاز انتصار الجنوب في منتصف العام 2000، كمقدمة لانطلاق الانتفاضة الفلسطينية التي ساهمت قوى المقاومة المدعومة من دمشق في تفعيلها على نحو واضح، لتغدو أهم تهديد وجودي للدولة العبرية، ولتكون نهاية اللعبة ليس إفشال المشروع المذكور، وإنما إنشاء تهديد لم تعرفه تل أبيب في تاريخها كله.

من هنا يمكن القول إن إنجاز التغيير المطلوب في العراق على ذلك النحو السريع كان لابد أن يتبعه تهديد واضح لسوريا لسبب بسيط هو أن استثمار ذلك التغيير لا يمكن أن يتم إذا لم تخضع سوريا وتكف عن تعطيل التسوية المطلوبة تحت عنوان مبدئي هو "خارطة الطريق" التي تتصدرها محاربة "الإرهاب"، والتي لا يمكن إنجازها من دون ضرب بنى "الإرهاب" الذي يتخذ من دمشق عنواناً أساسياً له، ثم قبول النظام السوري لنمط تسوية يناسب المرحلة الجديدة.

بـدايـة التهـديـدات


ما إن انتهت الحرب على العراق حتى انطلقت تهديدات واشنطن وتبارى مسؤولوها كصدى للإملاءات الإسرائيلية
يمكن القول إن التهديدات لدمشق قد بدأت قبل انتهاء الحرب على العراق من خلال دعوى المساعدة العسكرية السورية لنظام صدام حسين، والحال أن تلك الدعوى لم تكن سوى ذريعة للتعبير عن الغضب الأميركي على سوريا لمواقفها القوية من ملف الأزمة عربياً ودولياً. ثم جاءت قصة المتطوعين الذين فتحت لهم دمشق الباب للذهاب إلى العراق لتزيد الطين بلة.

ما إن انتهت الحرب على العراق حتى انطلقت التهديدات، وتبارى المسؤولون الأميركيون -كصدى للإملاءات الإسرائيلية- في بث رسائل التهديد الواضحة لدمشق، من مساعد وزير الدفاع بول وولفويتز إلى الوزير نفسه دونالد رمسفيلد، إلى الرئيس جورج بوش والناطق بلسان البيت الأبيض آري فليشر صاحب التصعيد الأوضح بوصفه سوريا بأنها "دولة مارقة وإرهابية"، وصولاً إلى "الحمامة" وزير الخارجية كولن باول.

أسباب التهديد والمطالب المترتبة عليه توالت واحدة تلو الأخرى، سواءً ما اتصل منها بالدولة العبرية وهواجسها، أم ما اتصل بالمنطق الأميركي. ويوماً بعد آخر كانت قائمة التهم تكبر شيئاً فشيئاً، ويمكن تلخيصها في التالي:

  • إرسال متطوعين سوريين ومن دول عربية أخرى إلى العراق.
  • الدعوة إلى تنفيذ عمليات "انتحارية" ضد قوات التحالف، وإرسال مناظير للرؤية الليلية إلى العراق.
  • توفير ملجأ لقادة النظام العراقي ولعدد من العلماء العراقيين.
  • تخزين جزء من أسلحة العراق المحظورة في سوريا.
  • تطوير أسلحة كيميائية وبيولوجية وصواريخ بعيدة المدى.
  • دعم حركات المقاومة: حزب الله، حماس، الجهاد الإسلامي.

ويلاحظ هنا أن معظم التهم كانت ذات صلة بالهواجس الإسرائيلية، بيد أن ثمة سببا كبيرا آخر لم يذكر صراحة في السياق العام لأحاديث المسؤولين الأميركيين.

"لبننـة العـراق"


ازداد غضب الأميركيين على سوريا أكثر حين تبين أنها تسعى وبالتشاور مع حزب الله للتخطيط لكيفية إلحاق الفشل بالأميركيين في العراق
لم نكن بحاجة إلى أي تصريح من أحد أو إشارة من مسؤول أو محلل أميركي أو إسرائيلي لندرك السبب الأهم في الحملة على سوريا من الزاوية الأميركية، غير أن الخبير الإستراتيجي الإسرائيلي المعروف زئيف شيف ربما كان الوحيد الذي أشار إلى ذلك السبب مباشرة بقوله "وقد ازداد غضب الأميركيين أكثر فأكثر حين تبين أنه حتى بعد هزيمة صدام حسين، يواصل السوريون –وبالتشاور مع زعيم حزب الله حسن نصر الله أيضا- التخطيط لكيفية إفشال الأميركيين في العراق والمس بهم.

وحسب المفهوم السوري السائد الآن ينبغي العمل على لبننة العراق، بمعنى الدفع باتجاه عمليات إرهابية -وانتحارية- ضد القوات الأميركية في العراق، توقع فيها الخسائر، بحيث يشبه الاحتلال الأميركي للعراق السيطرة الإسرائيلية في جنوب لبنان". ويضيف شيف قائلاً "ومع ذلك، ليس معروفاً ما إذا كانت هذه التصريحات تتزامن وخططا ميدانية لدى السوريين أو لدى حزب الله".

يشار هنا إلى أن وزير الدفاع رمسفيلد تحدث عن إلقاء القبض على مجموعات تابعة للسوريين تحاول دخول العراق حاملة أموالا ومنشورات تدعو إلى مقاومة الاحتلال الأميركي. وبرغم أن هذه القصة لا تبدو مؤكدة فإنها كانت التعبير الأبرز عن إشارة أميركية لسوريا بأنها تلعب بالنار، وأن ثمن ذلك السلوك سيكون كبيراً، بل كبيراً جداً. مع ضرورة الإشارة إلى أن تسريب الدوائر الأميركية لهذا الخبر سبق مجمل التهديدات التي صدرت عن القادة الأميركيين، ما ينطوي على تأكيد بأن هذا الهاجس كان المحرك الأساسي للهجوم السريع على دمشق، حتى قبل أن ينجلي غبار المعارك في العراق.

خطأ سوري أم تحليل صائب؟

بشار الأسد يلقي كلمته
في القمة العربية الأخيرة
تذهب بعض الدوائر الإسرائيلية ومعها دوائر عربية إلى أن الذكاء قد خان السوريين هذه المرة، فراهنوا على الحصان الخاسر حين اعتقدوا بإمكانية فشل المعركة الأميركية في العراق. والحال أن هذه الرؤية لا تبدو صحيحة، إذ لا يعقل أن تكون القيادة في دمشق قد اعتقدت أن معركة الولايات المتحدة في العراق ستمنى بالفشل، كما أن الحديث عن سبب شعبي وقف وحيداً وراء الوقفة السورية لا يبدو مقنعاً، فسوريا ليست السويد، وكان بإمكانها أن تكرر موقف عام 1991 لو أرادت ومن دون أن يسبب ذلك خللاً أمنياً داخلياً، حتى لو كان الرفض الشعبي واسعاً.

واقع الحال هو أن الدبلوماسية السورية أدركت أن دورها بعد العراق قادم لا محالة، حتى لو وقفت على الحياد، ذلك أن مطالب ما بعد العراق هي صهيونية الوجه واليد واللسان ولن تكون سوريا إلا جزءا من المرحلة الجديدة، وعليها بالتالي أن تحوّل مسارها وتخضع لشروط الاختراق الصهيوني للمنطقة.

من الواضح أن السوريين أرادوا الوقوف إلى جانب العراق والأمة عموماً كي تكون فرصتهم في المقاومة لما بعده أفضل، وأملاً في إطالة مدة الحرب وصولاً إلى جعلها أكثر كلفة، بحيث يتردد الأميركان في تكرارها مع آخرين. أما الأهم فهو التأسيس لحالة أخرى في العراق بعد الاحتلال تقوم بالفعل على "لبننة" البلد، لأن هذا المسار هو الوحيد القادر على إشغال الأميركان عن مد عدوانهم نحو سوريا وما بعدها، لا سيما وأن هذه المقاربة هي ذاتها المقاربة الإيرانية، ولعل ذلك هو بالضبط ما أدى إلى حياد شيعي في المعركة لا شك أنه ساهم في صمود مناطق الجنوب على ذلك النحو المفاجئ.

عناصر المقاومة السورية للهجوم


المقارنة بين المعادلة السورية والعراقية لا تبدو صحيحة نظراً للفارق الكبير
ربما كان من المبكر الحديث عن هجوم أميركي عسكري على دمشق، بيد أن انطلاق التهديدات وصولاً إلى العقوبات الدبلوماسية والاقتصادية لابد أن يعني أن الهجوم العسكري يمكن أن يتبع، ولذلك فإن التعامل مع الموقف ينبغي أن يأخذ ذلك بعين الاعتبار.

إن أهم عنصر في مقاومة سوريا -إضافة إلى الحنكة الدبلوماسية- هو ذاته الذي كان سبباً رئيسياً في إفشال مقاومة العراق ممثلاً في حالة الاشتباك الداخلي لنظام صدام حسين مع قوى الشعب، إذ إن من العسير القول إن نسبة كبيرة من العراقيين كانت تقف إلى جانب النظام أو تحارب معه بقوة وقناعة. ولذلك فإن الأصل في السلوك السوري هو الاعتبار بما حدث وإجراء مصالحة داخلية شاملة.

صحيح أن المقارنة بين المعادلة السورية والعراقية لا تبدو صحيحة نظراً للفارق الكبير، إلا أن ذلك لا ينفي أن الشارع السوري لا يبدو راضياً عن سياسة الحكم الداخلية وإن قدّر سياسة بلاده الخارجية. ومن هنا فإن المطلوب هو مصالحة حقيقية، لا سيما وأن جماهير الشعب السوري جاهزة للوقوف في صف بلدها على نحو حاسم إذا ما جرى مد يد التعاون إليها.

هناك الجانب العربي والإقليمي في المواجهة، ذلك أن وضع سوريا العربي هو أفضل بكثير من وضع العراق، غير أن الوضع العربي الذي مر بحالة عجز واضحة في تعامله مع أزمة العراق لا يبدو مؤهلاً لنقلة كبيرة في التعامل مع التهديدات بحق سوريا، وإن بدا لقاء الرياض بين دول الجوار للعراق معقولاً كخطوة أولى.

بيد أن الأمل يبقى معقوداً على تحرك مصري سعودي لإسناد دمشق، لا سيما وهما تدركان أنهما برسم التهديد أيضاً. ونتذكر أن تقرير "راند" الشهير قال في ختامه إن "العراق هدف تكتيكي، السعودية هدف إستراتيجي، مصر هي الجائزة".

أما الموقف الإقليمي فإن إيران ستكون الأكثر قوة على صعيد إسناد الموقف السوري، سواءً لجهة تطابق الاتهامات للبلدين، أم لجهة الخوف من اليوم التالي بعد دمشق. ويبقى الموقف التركي الذي غالباً ما سيكون أقرب إلى "الحياد الإيجابي" لصالح سوريا منه إلى مواقف محسومة.

دولياً، يمكن القول إن الدول الكبرى التي عارضت الحرب على العراق ستقف ذات الموقف مع سوريا، خاصة حين يتضح الجشع الأميركي في توزيع كعكة العراق. بيد أن جهداً عربياً لتعزيز جبهة المناهضة لاستهداف سوريا يبدو ضرورياً، وإلا فإن الموقف الدولي قد يكتفي بالمواقف السياسية من دون تقديم الدعم الحقيقي لسوريا في مواجهة نوايا استهدافها.

مستقبـل المواجهـة


القول بانطلاق مقاومة ضد الأميركان في العراق لا يبدو حلماً، نظراً لقوة الدفع السورية الإيرانية والعربية الشعبية الرافضة والمعادية للولايات المتحدة
من المؤكد أن مستقبل المواجهة سيعتمد بشكل أساسي على سيناريو العراق بعد الاحتلال، ذلك أن نجاح الولايات المتحدة في تهدئة الأوضاع سيعني ضربة لسوريا. غير أن المرجح حسبما تشير معظم التقديرات أن تتورط واشنطن في المستنقع العراقي، لأن الشيعة بقيادتهم الدينية والسنة كذلك لن يقبلوا الاحتلال، خاصة أنه لن يمنحهم حقهم، فكيف إذا أضاف إلى سياسة النهب وتنصيب الأتباع، مطالب تغيير هوية العراق وجعله محطة لانطلاق المشروع الصهيوني باستهداف سوريا وباقي الدول العربية.

إن القول بانطلاق مقاومة ضد الأميركان في العراق لا يبدو حلماً، نظراً لقوة الدفع السورية الإيرانية والعربية الشعبية الرافضة والمعادية للولايات المتحدة. وإذا كانت المقاومة العراقية ستغدو حقيقة واقعة، فإن المقاومة الفلسطينية ستتعزز أيضاً لأنها الأصل ومصدر الإلهام، لا سيما وأن مشروع خارطة الطريق لا يبدو مقنعاً بحيثياته ولا بالقائمين عليه ممن حازوا رضى واشنطن وتل أبيب. أما إذا بلغ الغرور الأميركي مداه واستهدفت دمشق مع استمرار المقاومة في العراق، فسنكون بإزاء حقبة استعمارية جديدة لن يخرج منها الغزاة سالمين، لأن الأمة ستتحول إلى جحافل من الاستشهاديين، وسيظهر آلاف من "بن لادن" وليس مجرد مئات كما ذهب الرئيس المصري حسني مبارك.
ـــــــــــــــــــ
* كاتب ومحلل سياسي فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة