الحيرة الإسرائيلية في التعامل مع النووي الإيراني   
الأحد 1431/6/9 هـ - الموافق 23/5/2010 م (آخر تحديث) الساعة 9:59 (مكة المكرمة)، 6:59 (غرينتش)
ماجد كيالي


الخيارات الإسرائيلية
مخاطر خيار الضربة العسكرية
القيود الخارجية
التسوية وإيران ونزع السلاح النووي

تبدو إسرائيل في غاية الحيرة والتردد بشأن تقرير كيفية تعاملها مع البرنامج النووي الإيراني، الذي تعتبره خطرا على وجودها على المدى البعيد، وينهي احتكارها للسلاح النووي في الشرق الأوسط على المدى القريب، مما يهدد مكانتها أو صورتها كدولة رادعة في هذه المنطقة.

وبحسب بن كاسبيت فإن "الوضع قابل للانفجار.. مكانة إسرائيل آخذة في التدهور في العالم وفي المنطقة أيضا. نحن نفقد تركيا ونفقد مصر ونفقد الأردن ودول الخليج وأوروبا، ونفقد مكانتنا الخاصة أيضا في أميركا.. إزاء كل ذلك يستمر الجمود. وتستمر في إسرائيل الحيرة في شأن إيران. (معاريف، 30/4).

الخيارات الإسرائيلية
معلوم أن ثمة سيناريوهات إسرائيلية عديدة لكبح جماح إيران نحو حيازة قوة نووية، حيث ثمة طريق الضربة العسكرية الإسرائيلية (الأحادية)، على غرار ما حدث مع مفاعل "تموز" (1981)، وهي الضربة التي أجهضت سعي العراق، في حينه، للتحول إلى قوة نووية.

وثمة طريق التحريض على قيام ائتلاف دولي (أساسه أميركي) لتوجيه ضربة عسكرية، تحت غطاء دولي، للبنى التحتية الإيرانية، وإجهاض المشروع النووي الإيراني. وثمة طريق الضغط السياسي والاقتصادي لحمل طهران، بالطرق السلمية، على الانصياع للإملاءات الدولية (وخاصة الأميركية) بهذا الشأن.

"
ثمة خيار يمكن أن تتبناه أميركا وإسرائيل ويتمثل في الاعتراف بإيران قوة نووية، والتعايش مع هذا الوضع، بالنظر للتداعيات السلبية التي يمكن أن تنشأ عن مغامرة عسكرية ضد إيران، على إسرائيل والمنطقة، بالقياس على التجربة السابقة في كل من أفغانستان والعراق
"
وثمة خيار آخر مستجد، ويتمثل في الاعتراف بإيران قوة نووية، والتعايش مع هذا الوضع، بالنظر للتداعيات السلبية التي يمكن أن تنشأ عن مغامرة عسكرية ضد إيران، على إسرائيل والمنطقة، بالقياس على التجربة السابقة في كل من أفغانستان والعراق. وهذا التوجه المستجد بات موجودا لدى أوساط إسرائيلية وأميركية، أيضا، مما يؤكد العجز والحيرة والتردد في مواجهة مسعى إيران لحيازة طاقة نووية.

وكان فريد زكريا تحدث في مقال نشره في "نيوزويك" مؤخرا عن خيار كهذا، داعيا للواقعية في التعاطي مع إمكان امتلاك إيران للسلاح النووي. كذلك فإن أليكس فيشمان تحدث عن ثلاثة مذاهب "سيضطر أوباما إلى الاختيار من بينها" في التعامل مع إيران، وضمنها "مذهب جديد نسبيا منسوب إلى العسكريين خاصة"، مفاده اضطرار الولايات المتحدة إلى "العيش مع قدرة ذرية عسكرية في إيران". (يديعوت أحرونوت، 30/4).

وكان رئيس مكتب رابين سابقا إيتان هابر تحدث أيضا عن أن إسرائيل بإمكانها "العيش في ظل قنبلة" نووية. وعنده فإن "قادة دولة إسرائيل ملزمون بأن يفكروا في الأمر مليا، كي يقرروا السياسة وربما حتى نمط الحياة الإسرائيلية، حسب الوضع الجديد: العيش في ظل القنبلة. لا حاجة للفزع. قسم كبير من العالم، وبالتأكيد الولايات المتحدة، روسيا وكل الدول الأوروبية عاشت نحو أربعين سنة في ظل قنابل ذرية.. العيش في ظل القنبلة سيلزمنا أيضا بأن ننصت أكثر (وعمليا أن نقبل) نصائح الولايات المتحدة". (يديعوت أحرونوت، 28/2).

مخاطر خيار الضربة العسكرية
أما الحيرة في التعامل الإسرائيلي مع هذا الملف الصعب والمعقد والمتداخل مع قضايا أخرى جيوسياسية في هذه المنطقة، فتنبع من عدة مصادر لعل أهمها المخاطر الناشئة عن اعتماد خيار الضربة العسكرية ضد إيران، إن لجهة التداعيات التي يمكن أن تنشأ عنه في المنطقة، أو لجهة محدوديته في لجم المشروع النووي الإيراني.

وبالنسبة للمستوى الأول فثمة تحليلات إسرائيلية تفيد بأن إيران لن تمرر ضربة كهذه بسهولة، وإنما سترد بعنف شديد عليها، إن مباشرة أو بشكل غير مباشر، من خلال القوى المتحالفة معها في منطقة الشرق الأوسط.

وفي هذا الإطار يجري التركيز على الترسانة الصاروخية التي يمتلكها حزب الله في لبنان، والتي كان زعيم هذا الحزب السيد حسن نصر الله أعلنها صراحة، وهدد من خلالها بالرد على إسرائيل إزاء أي عدوان جديد قد تقوم به في المنطقة.

وعن هذا السيناريو يقول بن كسبيت: "سيكون الرد الإيراني شديدا. لا مباشرة لأن إيران لا تملك في هذه المرحلة قدرة على المسّ بإسرائيل مسا حقيقيا.. سيطلق حزب الله علينا جميع ما في مستودعاته. الحديث يجري عن عشرات آلاف القذائف الصاروخية والصواريخ التي تغطي جميع مساحة دولة إسرائيل.

لن ينتهي الأمر هذه المرة إلى عشرات القتلى بل مئات وربما آلاف، وسيشمل ذلك تل أبيب. وسيضر إضرارا شديدا بالاقتصاد والسياحة والمزاج العام والهجرة والصورة والردع.. لا يمكن أن نعلم هل ستظل سوريا خارج نطاق الإطلاق.. فإذا دخلت.. فسيصبح ذلك جحيما داميا ساخنا. وما زلنا لم نتحدث عن حماس، وعن عدم هدوء متوقع في مصر، وعن زعزعة في الأردن، وعما قد تحدثه إيران بحقول النفط في الخليج (والاقتصاد العالمي).. سيكون من الصعب في وضع كهذا تجنيد العالم. ستجد إسرائيل نفسها مشتعلة ونازفة ومعزولة ومهددة". (معاريف، 30/4).

وبالنسبة للمستوى الثاني، فثمة دوائر إسرائيلية تحذر من أن أي ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية لن تفيد في إجهاض المشروع النووي الإيراني، وإنما فقط ستؤجله سنوات عدة قليلة، بمعنى أن هذه التجربة لن تكون على غرار تجربة العراق، باعتبار أن إيران احتاطت لسيناريو كهذا، فقامت بنشر منشآتها النووية في أماكن عديدة ومتباعدة ومحصنة بشكل محكم.

"
الحيرة في التعامل الإسرائيلي مع الملف الإيراني تنبع من عدة مصادر، لعل أهمها المخاطر الناشئة عن اعتماد خيار الضربة العسكرية ضد إيران، إن لجهة التداعيات التي يمكن أن تنشأ عنه في المنطقة، أو لجهة محدوديته في لجم المشروع النووي الإيراني
"
وعن ذلك يقول أليكس فيشمان: "تتحدث كل خطة عسكرية.. عن هجوم جوي على أنه عنصر رئيسي في القضاء على المنشآت الذرية الإيرانية. ولما كانت أسلحة الجو، بالحجم الأوروبي، غير قادرة على القضاء على آلاف الأهداف التي ينبغي القضاء عليها، فسيختار المخطط عددا من الأهداف المركزية تصيبها بضع عشرات من القنابل إصابة حاسمة.

هذه الإصابة تستطيع أن تؤخر استكمال القدرة الذرية الإيرانية خمس سنين أخرى أو سبعا.. إلى جانب أن هجوما كهذا يحتاج إلى عشرات الطائرات.. أكثر من حدث لمرة واحدة. وبعد ذلك أيضا يحتاج إلى الاحتراس، لأن من المعقول افتراض أن يطلق الإيرانيون على أهداف غربية.. إذا شاركت إسرائيل في هجوم كهذا، فمن شبه المحقق أن نوجد في تلك المرحلة أيضا في حرب مع حزب الله ولبنان، أو مع سوريا أو مع كليهما معا". (يديعوت أحرونوت، 30/4).

واضح أن إسرائيل تتحسب كثيرا لمخاطر اعتماد هذا الخيار (لاسيما إذا كان خيارا أحاديا)، وهي لذلك تشتغل كثيرا على صعيد إعداد جبهتها الداخلية، كما على صعيد تأهيل القوى العسكرية المعنية.

وبديهي أن ما يزيد مخاطر اعتماد خيار كهذا، هو أن آثاره لا تقتصر على إسرائيل فقط، وإنما تشمل تهديد المصالح الغربية، ولاسيما النفطية في منطقة الخليج العربي، كما تشمل إمكان تزعزع الاستقرار في العديد من الدول العربية المجاورة لساحة الحرب مع إيران. وهذا الأمر يشكل عاملا إضافيا في كبح اعتماد إسرائيل على الخيار العسكري، وترددها في هذا الشأن؛ مما يشكل سابقة في تاريخ هذه الدولة العدوانية.

القيود الخارجية
أيضا، فإن البيئة الدولية السائدة، تفاقم من حيرة وتردد إسرائيل، بشأن التعامل مع الملف النووي الإيراني، فهذه البيئة غير مواتية البتة لفتح جبهة حرب جديدة، لاسيما ضد بلد بحجم وقوة إيران، وبالخصوص على ضوء الدروس التي استخلصتها الولايات المتحدة الأميركية من تداعيات إخفاق تجربتها في كل من أفغانستان والعراق، وما جرته عليها من سلبيات أضعفت نفوذها وهيبتها في الشرق الأوسط وعلى الصعيد العالمي.

ولابد أن إسرائيل تأخذ بعين الاعتبار هنا وجود إدارة أميركية (برئاسة باراك أوباما) تناهض أي نزعة حربية، وهي تتبنى مقاربة مفادها حل الملفات الدولية بالطرق السلمية، أو بطرق الضغط الناعم (الدبلوماسي والاقتصادي)، فضلا عن أنها تتجه نحو إيجاد أفضل الطرق للخروج من "المستنقعيْن" الأفغاني والعراقي؛ على خلاف السياسة التي كانت تتبناها إدارة بوش المنصرفة.

وفي الواقع فإن إسرائيل تجد نفسها في هذه المرحلة جد مقيدة بشأن أي خطوة قد تقوم بها في الشرق الأوسط، لاسيما مع وجود إدارة أميركية باتت تعتقد (بمستوييْها السياسي والعسكري) أن سياسات إسرائيل باتت ثقلا عليها، وأن هذه السياسات أصبحت تشكل تهديدا لأمنها القومي، لاسيما أنها لا تقوم بما يلزم للتسهيل على سياسات الولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط، لاسيما فيما يتعلق بتقديم الاستحقاقات المطلوبة منها لعملية التسوية.

التسوية وإيران ونزع السلاح النووي
فوق كل ما تقدم فإن إسرائيل باتت تقف اليوم في مواجهة سياسة أميركية جديدة بشأن التسلح النووي، على ضوء تراجع مكانتها في المنطقة، وتعقد الأوضاع في الشرق الأوسط لغير صالحها، من لبنان إلى باكستان مرورا بالعراق وفلسطين وإيران، مما يدفعها للبحث عن مقاربات سياسية تمكنها من تحسين صورتها وتعزيز مكانتها في هذه المنطقة.

وضمن هذه المقاربة يمكن تبين محاولات الضغط الأميركي على إسرائيل في مجالين، أولهما السير في عملية التسوية (المتمثلة في إقامة دولة فلسطينية بمعايير معينة في الضفة والقطاع)، والثانية تتمثل في فتح ملف التسلح النووي الإسرائيلي للنقاش في المنابر الدولية، مما يضع حدا للتفاهمات السابقة بين الإدارات الأميركية وإسرائيل، بشأن إبقاء هذا الملف خارج أي نقاش، انسجاما مع سياسة إسرائيل بشأن "الغموض النووي".

وفي الحقيقة فقد أبدت إسرائيل مؤخرا تخوفها من هذا التوجه لدى الإدارة الأميركية (معاريف، 2/5)، وهو ما دفع نتنياهو للعزوف عن المشاركة مؤخرا في مؤتمر الأمن النووي (أبريل/نيسان في واشنطن)، تجنبا لطرح هذا الملف، كما أنه بذل جهودا كبيرة مع الإدارة الأميركية ومصر بشأن عدم طرح فكرة نزع الأسلحة النووية في منطقة الشرق الأوسط، في المؤتمر المخصص لهذا الغرض (مطلع شهر مايو/أيار في نيويورك).

"
باتت إسرائيل تقف اليوم في مواجهة سياسة أميركية جديدة بشأن التسلح النووي، على ضوء تراجع مكانتها في المنطقة وتعقد الأوضاع في الشرق الأوسط، مما يدفعها للبحث عن مقاربات سياسية تمكنها من تحسين صورتها وتعزيز مكانتها في هذه المنطقة
"
وثمة أيضا تسريبات تفيد بأن الإدارة الأميركية تحاول أن تتبنى مقاربة مفادها الموافقة على تفكيك السلاح النووي الإسرائيلي، لكن بعد حصول تقدم في عملية السلام بين إسرائيل والدول العربية، في حين أن بعض المصادر الإسرائيلية تقترح أن يكون هذا الأمر بعد عقد اتفاق سلام شامل في المنطقة، وليس بمجرد حصول تقدم (على ما تفيد به الإيحاءات الأميركية). (هآرتس 30/4). لكن المسألة لا تتوقف عند هذا الحد فقط، ذلك أن بعض الجهات الإسرائيلية والأميركية تعتقد أن نزع إسرائيل لسلاحها النووي ينبغي أن يكون بعد إنهاء المشروع النووي الإيراني وبعد عقد سلام شامل بينها وبين الدول العربية.

ويعلق ألوف بن على الوضع القائم بين إيران وإسرائيل بالتالي: "المواجهة الإسرائيلية/الإيرانية اليوم تذكر بالحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، وصراع النفوذ الذي أدارته إسرائيل مع مصر الناصرية في الخمسينيات والستينيات، ومع م.ت.ف ياسر عرفات في السبعينيات والثمانينيات. المظاهر مشابهة: رفض أيدولوجي عميق للخصم، وتهديدات لوجوده، وسباق تسلح، وعمليات سرية في أرجاء العالم، وتوريد سلاح للحلفاء، وتحالفات سياسية مع قوى عظمى إقليمية وعالمية، ومقاطعة اقتصادية، وعزلة سياسية".(هآرتس، 19/2).

من كل ذلك يمكن استنتاج أن إسرائيل فقدت السيطرة على مسألة التقرير في مسعى إيران للحصول على القوة النووية، وأنها لم تعد مطلقة اليد في تقرير سير الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط على أكثر من صعيد، وأن المنطقة ستظل مشدودة لسنوات في انتظار نتائج الصراع على الملف النووي الإيراني.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة