"يهودية الدولة" لا تعرف من هو اليهودي   
السبت 1436/2/14 هـ - الموافق 6/12/2014 م (آخر تحديث) الساعة 14:22 (مكة المكرمة)، 11:22 (غرينتش)
عبد الفتاح ماضي


بموجب مشروع القانون الأساسي الذي أقرته الحكومة الإسرائيلية في 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2014 والذي سيعرض على الكنيست قريبا سيتم تعريف دولة "إسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي" وليس "دولة يهودية وديمقراطية" كما في القوانين الحالية، كما أن "حق تقرير المصير في دولة إسرائيل" سيكون مقصورا على الشعب اليهودي، وسيتم إخضاع النظام السياسي إلى ما تسمى "القيم والهوية القومية اليهودية".


وتتصل فكرة "يهودية الدولة" بركيزة أساسية في المشروع الصهيوني هي إيجاد "هوية يهودية مشتركة" لأفراد الجماعات اليهودية القادمين من شتى الدول والذين ينتمون لأعراق وشعوب مختلفة من جهة، وطمس "الهوية العربية القائمة" من جهة أخرى.

يتناول هذا المقال دلالات هذا الحدث في شقه الأول (إيجاد هوية يهودية مشتركة) من نواح خمسة:

أولا: الحديث عن يهودية الدولة أمر متكرر ويتم تنفيذه بشكل تدريجي، وهو يحظى بإجماع ما يسمى اليمين واليسار في الكيان الإسرائيلي مع بعض الفروقات البسيطة، وهذا الحديث ينسجم في الأساس مع طبيعة الكيان الإسرائيلي الاستعماري الذي اغتصب فلسطين بمساعدة القوى الكبرى، ويأتي تنفيذا للمشروع الصهيوني الذي هو مشروع استعماري له وسائل مختلفة للتطبيق وخطط زمنية للتنفيذ.

الحديث عن يهودية الدولة أمر متكرر ويتم تنفيذه بشكل تدريجي، ويحظى بإجماع ما يسمى اليمين واليسار في الكيان الإسرائيلي مع بعض الفروقات البسيطة، وينسجم مع طبيعة الكيان الإسرائيلي الغاصب لأرض فلسطين

ولهذا فإن فكرة "يهودية الدولة" ليست فكرة طارئة أو جديدة وإنما هي فكرة راسخة في المشروع الصهيوني منذ نشأته، فأول رابطة سميت "رابطة الاستعمار اليهودي" عام 1891 والتي أسسها المليونير الألماني البارون موريس دي هيرش، وكتاب مؤسس الحركة الصهيونية تيودور هرتزل اسمه "الدولة اليهودية" عام 1896، وكانت قرارات المؤتمر الصهيوني الأول في بازل بسويسرا عام 1897 تتضمن تشجيع الاستيطان "اليهودي" في فلسطين وتأسيس الصندوق القومي "اليهودي".

وقد تحدث وعد بلفور عن إيجاد وطن قومي "لليهود" في فلسطين، أما قرار التقسيم الصادر في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1947 فنص على وجوب قيام دولتين: دولة "يهودية" وأخرى "عربية".

وفي كتابه عن تاريخ الهاغانا (العصابة المسلحة التابعة لحزب الماباي - حزب العمل الآن- والتي تحولت مع غيرها من العصابات إلى جيش عام 1948) كتب ديفد بن غوريون عام 1954  "في بلادنا مكان فقط لليهود وسوف نقول للعرب اخرجوا، فإذا لم يخرجوا وإذا قاوموا فسوف نخرجهم بالقوة".

كما نص إعلان قيام "إسرائيل" على أنها "سوف تفتح أبواب الوطن على مصراعيها أمام كل يهودي"، وفي القوانين الإسرائيلية تضاف غالبا كلمة "يهودي"، الأمر الذي يجعل معظم هذه القوانين قوانين عنصرية على أساس الدين، وذلك لأنها تربط بين تقديم الخدمات والمعونات والمنح المالية وبين كون المستفيد يهوديا.

وأبرز هذه القوانين العنصرية قانونا العودة والجنسية اللذان يسمحان "لليهود" فقط بالذهاب إلى فلسطين والحصول على جنسيتها دون شروط تذكر، بينما تنكر على الفلسطينيين هذا الحق وهم الذين يعيشون هناك منذ قرون.

ثانيا: يعني التعديل الجديد أن الدولة هي دولة لليهود فقط وليست لجميع مواطنيها، وهذا أمر ليس جديدا فهو يتوج عشرات القوانين العنصرية التي تميز ضد كل من هو غير يهودي، ويقنن وضعا عنصريا قائما منذ عقود، ويكشف من جديد زيف الادعاء بأن الكيان الإسرائيلي دولة ديمقراطية.

وواقع الأمر أن دولة الاحتلال الإسرائيلي هي البلد الوحيد الذي يقنن العنصرية التي هي عنصرية تجاه كل من هو غير يهودي، وفكرة نقاء الدولة التي تقوم عليها فكرة "يهودية الدولة" تعني الإلغاء الكامل لحقوق فلسطينيي 1948 وتمهيد الأرض لحل الترانسفير، أي طرد كل الفلسطينيين من مسيحيين ومسلمين، أو لحل تبادل الأراضي.

كما سيؤدي هذا القانون إلى إنهاء حق العودة نهائيا حسب قرار 194 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 11 ديسمبر/كانون الأول 1948 والرامي إلى عودة اللاجئين وتعويضهم (وليس عودتهم أو تعويضهم).

وهذه الفكرة العنصرية تتناقض أيضا مع أسس الدولة القومية الحديثة التي تقوم على قبول الآخر والتعايش معه والتساوي معه أمام القانون، ومع فكرة العلمانية التي استفادت منها الحركة الصهيونية والجماعات اليهودية بأوروبا والتي من خلالها تحررت هذه الجماعات بعد قرون من التمييز والاضطهاد اللذين مارستهما المجتمعات الأوروبية المسيحية في عصور الظلام ضد الأقليات الدينية والعرقية.

دولة الاحتلال هي البلد الوحيد الذي يقنن العنصرية التي هي عنصرية تجاه كل من هو غير يهودي، وفكرة نقاء الدولة التي تقوم عليها فكرة "يهودية الدولة" تعني الإلغاء الكامل لحقوق فلسطينيي 1948 وتمهيد الأرض لطرد كل الفلسطينيين

كما سيترتب على القانون الجديد بعض الأمور الجديدة المزمع استكمالها، منها إلغاء مكانة اللغة العربية كلغة رسمية، وكانت اللغتان العربية والإنجليزية لغتين رسميتين أيام الانتداب، ثم بعد 1948 تم إلغاء الإنجليزية وصارت اللغة العبرية لغة رسمية بجوار العربية.

هذا إلى جانب أن وزراء في اليمين الإسرائيلي المتطرف قدموا مشروع قانون للتخلص من الأحزاب العربية في الكنيست، وإلغاء شرعية حزبين في مرحلة أولى.

ثالثا: "يهودية الدولة" تفترض وحدة يهود العالم، وأن الكيان الإسرائيلي يعبر عن إرادتهم وآمالهم ومستقبلهم، وهذا أمر غير حقيقي لسببين أساسيين على الأقل:

الأول: أنه ليس هناك "شعب يهودي واحد" وإنما جماعات يهودية مختلفة في العرق واللغة والتاريخ، وأن عبارة "الشعب اليهودي" من الأساطير التي روجت لها الحركة الصهيونية لتبرير المطالبة بوطن قومي ثم بدولة يهودية لشعب ادعت الحركة أنه شعب واحد وادعت أيضا أنه يتعرض للاضطهاد أينما وجد، وبدون هذه الأساطير ما كان للحركة الصهيونية أن تنجح في جذب أنصار لها من الأقليات اليهودية في المجتمعات الأوروبية، ولا في ضمان دعم الدول الأوروبية لأهداف الحركة.

أما السبب الثاني فهو فشل اليهود المستعمرين بفلسطين في حسم مسألة "من هو اليهودي؟" حتى يتحدثوا عن يهودية الدولة، فهناك رؤى يهودية مختلفة حول من يمكن الاعتراف بيهوديته، وقانون العودة ينص على أن اليهودي هو "من ولد من أم يهودية أو تحول إلى اليهودية ولم يعتنق دينا آخر".
ويريد التيار الديني المسيطر في الكيان الإسرائيلي إضافة "حسب الشريعة اليهودية" لعملية التحول إلى اليهودية، وهو أمر ترفضه تيارات يهودية أخرى تمثل أغلبية الجماعات اليهودية في الخارج خاصة بالولايات المتحدة، وأدى إلى مشكلات عدة لا يتسع المجال لشرحها.

رابعا: يواجه الكيان الإسرائيلي مشكلة ديمغرافية ببعدين أساسيين: الأول أن هناك هجرة عكسية من الكيان، وهو وضع يجعل صافي الهجرة إلى الكيان ومنه سلبيا في بعض السنوات. وقدر الكتاب الإحصائي السنوي الإسرائيلي أن نحو 14 ألفا غادروا البلاد سنويا خلال الفترة من 1990-2005، كما قدرت صحف إسرائيلية أنه خلال الفترة من 1990 إلى 2012 هاجر قرابة 495 ألف شخص.

وفي عام 2003 قدرت وزارة الهجرة والاستيعاب أن نحو 750 ألف إسرائيلي يعيشون في الخارج خاصة في الولايات المتحدة وكندا (أي نحو 12.5% من الإسرائيليين اليهود في الكيان الإسرائيلي).

وقد أشار يوني غولدشتاين -وهو كاتب وأحد زعماء الجالية اليهودية في كندا- في صحيفة هآرتس الإسرائيلية في 13/10/2007 إلى أن نحو 85% من اليهود في مدينة مونتريال- التي تضم أكبر تجمع لليهود في كندا- هاجروا في الأساس من "إسرائيل".
أما البعد الثاني فهو التفوق الديمغرافي الفلسطيني مع تراجع عوامل الجذب أمام هجرة أفراد الجماعات اليهودية وتناقص أعداد اليهود وتزايد معدلات إدماجهم نتيجة الزواج المختلط.

طرح يهودية الدولة بهذا الشكل السافر يرتبط بعدة أسباب، منها: ضعف الجانب العربي وتقزمه وانقسام الصف الفلسطيني وتشرذمه، 
فضلا عن عوامل أخرى، منها تزايد الشعور بالقلق داخل إسرائيل جراء التفوق الديمغرافي الفلسطيني
وفي الوقت الذي يعيش في الكيان الإسرائيلي نحو ربع يهود العالم فقط تتجه الوكالة اليهودية -التي تتولى أمر تهجير اليهود- إلى الدول الغربية لتهجير الجاليات اليهودية منها، وقد وضع أفيغدور ليبرمان -عندما كان وزيرا لما سميت وزارة الشؤون الإستراتيجية في حكومة أولمرت عام 2006- خطة لتهجير يهود فرنسا البالغ عددهم سبعمائة ألف نسمة، غير أن البعض في فرنسا وإسرائيل عارضوا هذه الخطة على أساس أن من مصلحة إسرائيل وجود جالية يهودية مؤثرة في فرنسا.

وبالمثل، حذرت قيادات يهودية في الولايات المتحدة -التي يعيش فيها نحو ستة ملايين يهودي- في مؤتمر "مركز تخطيط الشعب اليهودي" الذي عقد في القدس المحتلة عام 2007 من خطورة تهجير يهود أميركا الشمالية إلى إسرائيل لأن وجود اليهود في شمال أميركا يحقق مصلحة إسرائيل بسبب نفوذهم في مؤسسات ودوائر صنع القرار في واشنطن، وهذا أمر حقيقي لأن التحالف مع القوى الكبرى وضمان دعمها من ثوابت المشروع الصهيوني كمشروع استعماري.

خامسا: الحديث عن يهودية الدولة بهذا الشكل السافر يرتبط بعدة أسباب، يأتي على رأسها بالطبع ضعف الجانب العربي وتقزمه وانقسام الصف الفلسطيني وتشرذمه، غير أنه توجد عوامل أخرى مهمة يتصل بعضها بالمجتمع الإسرائيلي ذاته مثل تزايد الشعور بالقلق داخل الكيان الإسرائيلي جراء التفوق الديمغرافي الفلسطيني، وتصاعد تفاعل فلسطينيي 1948 مع قضايا الصراع، وارتفاع وزن المقاومة الفلسطينية، وتصاعد الاهتمام الدولي بالاعتراف بالدولة الفلسطينية.

هذا فضلا عن تصاعد نفوذ التيارات اليمينية المتشددة وتصاعد مطالبها، إما ببناء الهيكل وهدم الأقصى كما تطالب التيارات الدينية، أو بهيمنة اليهود وطرد العرب نهائيا كما تطالب التيارات اليمينية المتطرفة، أو بالهدفين معا عند البعض.

وأخيرا يجب التأكيد على أن مواجهة هذه الهجمة الصهيونية الاستعمارية تتطلب إنهاء الانقسام الفلسطيني وتحقيق التضامن العربي، فالقوة لا توقفها إلا قوة مضادة لها، وإلى أن يتحقق هذا يجب ألا نتوقف عن المساهمة في دعم كل الأعمال التي تسهم في التمسك بالثوابت الوطنية والتاريخية والقانونية والدينية للشعب الفلسطيني، وعلى رأس هذه الأعمال تأتي عمليات توعية الأجيال الجديدة التي نشأت في زمن الهزيمة وهيمنة الاستبداد وخضعت لعمليات تسميم سياسي مكثفة بالطبيعة العنصرية والاستعمارية لدولة الاحتلال، وأبجديات الصراع، والدفاع عن المقاومة بكافة أشكالها وتعزيز شرعيتها جماهيريا ودوليا وإعلاميا.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة