كيف يمكن حماية الحريات الأكاديمية؟   
الاثنين 1433/10/10 هـ - الموافق 27/8/2012 م (آخر تحديث) الساعة 15:41 (مكة المكرمة)، 12:41 (غرينتش)
عبد الفتاح ماضي



الحريات الأكاديمية في الدول الحديثة
الحريات الأكاديمية في الدول العربية

سبل حماية الحريات الأكاديمية العربية

تمثل الحريات الأكاديمية ركنا أساسيا من أركان نهضة الشعوب والأمم، فالنهضة تستند إلى العلم ونتائجه، والعلم يبدأ من تمتع الجامعات والمراكز البحثية في الدول الحديثة بعدة مقومات فكرية وتنظيمية ومعنوية، أهمها حرية الرأي والتعبير، والاستقلالية الإدارية والمالية، وتوفر الإمكانات المادية والدعم المعنوي، وفوق كل هذا احترام الأكاديميين لعملهم ورسالتهم، وتقدير المجتمع لأهمية ما يقومون به. وحماية الحريات الأكاديمية هي في واقع الأمر جزء لا يتجزأ من الحريات العامة التي يتمتع بها المواطنون داخل الدولة المعاصرة.

وبالنظر إلى أوضاع جامعاتنا ومؤسساتنا البحثية العربية، لا مفر من وضع مسألة الحريات الأكاديمية وحمايتها ضمن أولويات الإصلاح في كل الدول العربية.

الحريات الأكاديمية في الدول الحديثة
للحريات الأكاديمية بالدول الحديثة أبعاد ثلاثة رئيسة تتعلق بالعمل الأكاديمي، أولها يضم كل الحريات ذات الصلة بالعمل البحثي والأكاديمي، مثل حريات الفكر والرأي والاجتماع والتنقل وإلقاء المحاضرات والمشاركة في الندوات العامة وحلقات النقاش والمشروعات البحثية والحصول على المعلومات واستخدامها ونشر وتوزيع الأعمال الفكرية والعلمية.

بالنظر إلى أوضاع جامعاتنا ومؤسساتنا البحثية العربية، لا مفر من وضع مسألة الحريات الأكاديمية وحمايتها ضمن أولويات الإصلاح في كل الدول العربية

أما البعد الثاني فيشمل حرية الجامعات في إدارة شؤونها المالية والإدارية بصورة مستقلة، وتحديد مناهج ومضامين التعليم الملائمة، وتعيين من يتمتعون بالكفاءة والمهارة اللازمة لتحقيق الأهداف التي من أجلها قامت الجامعة.

ويتضمن البعد الثالث مراعاة معايير النزاهة الأكاديمية، والأمانة العلمية والالتزام بالحياد وحماية الطلبة من أي عمليات قد تستهدف التلقين الأيديولوجي أو المذهبي أو الطائفي أو الحزبي.

وقد حاول الكثير من المدافعين عن الحريات الأكاديمية تأصيل هذه الحريات وإدراجها ضمن حقوق الإنسان، وعقدت عدة مؤتمرات وحلقات دراسية أنتجت مجموعة من المواثيق الدولية، منها ميثاق حقوق وواجبات الحرية الأكاديمية الصادر عن الرابطة الدولية لأساتذة ومحاضري الجامعات عام 1982، والميثاق الأعظم للجامعات الأوروبية الصادر عن مؤتمر الجامعات الأوروبية ورؤسائها في بولونيا الإيطالية عام 1988، وإعلان ليما للحرية الأكاديمية واستقلال مؤسسات التعليم العالي الصادر عن اجتماع الهيئة العامة للخدمة الجامعية العالمية في أكبيرو في سبتمبر/أيلول 1988. وهناك إعلانات إقليمية مثل الإعلانين الأفريقيين في العام 1990 (إعلان دار السلام في تنزانيا، وإعلان كامبالا بأنغولا)، وإعلان بولندا 1993. وفي العالم العربي صدر إعلان عمّان للحريات الأكاديمية واستقلال مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي عام 2004.

الحريات الأكاديمية في الدول العربية
أما في العالم العربي فتتعرض الحريات الأكاديمية في الجامعات والمؤسسات البحثية لصور مختلفة من الانتهاكات، ابتداء بعمليات القمع والاعتقال التي يتعرض لها الكثير من أعضاء هيئات التدريس والباحثين، مرورا بالقيود الحكومية والقانونية والإدارية التي تحد من الحريات الأكاديمية في العديد من المؤسسات وبشأن بعض التخصصات العلمية، والرقابة التي تضعها بعض هيئات المجتمع غير الرسمية أمام بعض الموضوعات، وصور التمييز التي يتعرض لها بعض الأكاديميين والطلاب داخل أسوار الجامعة، واستغلال الأكاديميين من قبل السلطات الحاكمة بغرض تبرير سياسات معينة وإضفاء السمة العلمية عليها، وانتهاء بما صار يعرف في بعض أدبيات منظمات حقوق الإنسان "بالرقابة الذاتية" (self-censorship) لأعضاء هيئات التدريس.

تعاني جامعاتنا العربية من الانغلاق الفكري والبحثي لكثير من الأساتذة والباحثين، باكتفاء البعض بما تعلموا إن في مرحلة الماجستير أو الدكتوراه، أو في بحوث الترقية، وعدم الانفتاح على مدارس فكرية جديدة أو محاولة اكتساب معارف جديدة

وتعني النقطة الأخيرة الإثناء الذاتي للباحثين وأساتذة الجامعة عن الخوض في الأمور التي تعترض عليها الحكومات أو بعض الهيئات الدينية، خوفا من البطش والتنكيل وإيثارا للسلامة الشخصية، أو حفاظا على مكسب مادي أو منصب إداري.

كما تعاني جامعاتنا العربية من الانغلاق الفكري والبحثي لكثير من الأساتذة والباحثين، باكتفاء البعض بما تعلموا إن في مرحلة الماجستير أو الدكتوراه، أو في بحوث الترقية، وعدم الانفتاح على مدارس فكرية جديدة أو محاولة اكتساب معارف جديدة. بجانب تسلط بعض الرؤساء والمديرين في أمور التعيين والترقية والتدريس ونشر المعلومات، وعدم اهتمام البعض بتحضير المواد العلمية في إعداد المحاضرات الجامعية والاكتفاء بالمواد الموروثة أو المترجمة، التي غالبا ما تكون متقادمة وتحتاج إلى تحديث.

ومن المآسي الكبرى تغاضي الكثير من الباحثين والأساتذة عن معايير النزاهة الأكاديمية والأمانة العلمية، وتساهل الأساتذة في كتابة التقارير العلمية المتصلة بالإشراف العلمي والنشر والترقيات.

وكان من الطبيعي أن تعاني جامعاتنا من هجرة مئات الآلاف من العقول والعلماء إلى الخارج وحرمان مجتمعاتهم من خبراتهم وأبحاثهم، فحسب تقرير التنمية البشرية للعام 2002 هناك أكثر من مليون مهني عربي يعملون في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

وقد ظلت مسألة الحريات الأكاديمية ضمن اهتمامات بعض الأكاديميين العاملين في المؤسسات العلمية والبحثية في العالم العربي منذ أمد بعيد، ثم راحت تطرح بقوة في الكثير من المحافل العربية والدولية بعد التوجهات الإصلاحية التي ظهرت في أكثر من بلد عربي.

ففي مصر، تشكلت حركة 9 مارس لتنادى بالعودة إلى عصر استقلال الجامعات وحماية الحريات الأكاديمية ورفع مكانة هيئات أعضاء التدريس.

وفي تونس كان هناك نضال ضد المنشورات التي دأبت السلطة السابقة على إصدارها لتقييد الحريات الأكاديمية وحق التعبير والعمل السياسي داخل الجامعات. وفي السعودية طرحت مسألة الحريات الأكاديمية بعد النشاط السياسي لعدد من الأكاديميين.

يجب أن تنال مسألة حماية الحريات الأكاديمية اهتماما أكبر في كل إستراتيجيات إصلاح التعليم والبحث العلمي

أما في العراق فقد صارت المسألة ملحة بعد الاحتلال الأميركي وعمليات القتل التي طالت الآلاف من العلماء والأكاديميين وعمليات النهب والتخريب التي تعرضت لها الكثير من المؤسسات الثقافية والعلمية.

وفي أعقاب التحركات الشعبية الأخيرة وبدء بناء دولة القانون والمؤسسات الديمقراطية في بلدان الربيع العربي وغيرها، يجب أن تنال مسألة حماية الحريات الأكاديمية اهتماما أكبر في كل إستراتيجيات إصلاح التعليم والبحث العلمي. وأتصور هنا أن هناك أربعة أبعاد لحماية هذه الحريات.

سبل حماية الحريات الأكاديمية العربية
البعد الأول يتصل بالجهد الذي لا بد أن يقوم به أعضاء هيئات التدريس والأكاديميون أنفسهم للحفاظ على الحريات الأكاديمية وسيادة المعايير الموضوعية في كل مراحل العمليتين التعليمية والبحثية، وذلك من خلال الالتزام بمعايير داخلية للنزاهة الأكاديمية والأمانة العلمية.

إن الحريات الأكاديمية التي يطالب بها الأكاديميون لا بد أن تمارس فيما بينهم أولا ابتداء بكل ما يتصل بالأمانة العلمية والتوثيق في كتابة البحوث العلمية، مرورا بتجنب المعايير غير الموضوعية في شؤون التعيين والترقية والنشر، وانتهاء بوقف عمليات التمييز بكل صورها داخل أروقة الحرم الجامعي ومؤسسات البحث العلمي واحترام الممارسات الديمقراطية واختلاف الآراء بين الأكاديميين أنفسهم.

ويجب هنا وضع مواثيق شرف مكتوبة تضم مجموعتين من القيم والقواعد العامة، الأولى تعنى بعملية البحث العلمي في كل مراحله، وتشمل في ما تشمل الأمانة العلمية في جمع البيانات وتحليلها وفى كتابة الأبحاث وفي عملية التوثيق وكتابة المراجع والاقتباس والبعد عن التحيز الأيديولوجي أو الترويج لمذهب أو طائفة معينة وغير ذلك، بجانب الضمانات والإجراءات التي تضمن التنفيذ الكامل لتلك القيم والقواعد العامة.

ومن ذلك مثلا إنشاء مراصد لرصد الانتهاكات، والتعهد الفعلي والالتزام الحقيقي بتحييد العوامل الشخصية والمذهبية والسياسية وتغليب العوامل الموضوعية في تنفيذ بنود الميثاق، ووضع نظام فعال ومحكم للثواب والعقاب وربطه بشكل جاد ونهائي بنظام فعال لتقييم أداء أعضاء هيئات التدريس من جهة، وبنظام منح المكافآت والمنح والعلاوات من جهة أخرى. إن تشكيل ورش عمل لتوضيح أبعاد هذه المسائل، وأهمية أبعادها المختلفة على كل أطراف العملية البحثية، وضرورة الالتزام بها بشكل تام هي أمور في غاية الأهمية لا سيما للباحثين الجدد والمعيدين.

الحريات الأكاديمية التي يطالب بها الأكاديميون لا بد أن تمارس فيما بينهم أولا ابتداء بكل ما يتصل بالأمانة العلمية والتوثيق ثم تجنب المعايير غير الموضوعية في شؤون التعيين والترقية والنشر

أما المجموعة الثانية من القيم التي يجب أن يتضمنها ميثاق الشرف فتضم الأخلاقيات والقواعد العامة التي تحكم العلاقة بين أعضاء هيئات التدريس بالجامعة والإداريين من جهة والطلاب من جهة أخرى، وتحدد حقوق ومسؤوليات كل طرف، وتضع الضمانات والإجراءات التي تضمن التنفيذ الكامل لتلك القيم والأخلاقيات والقواعد العامة.

ومن هذه القيم الاهتمام بمصلحة الجماعة ونبذ الأنانية والانغلاق، والبعد عن التلقين الأيديولوجي، وتحمل المسؤولية، والانضباط، والموضوعية والأمانة في التعامل مع الغير، وعدم التمييز بين الطلاب على أساس الدين أو العرق أو المكانة الاجتماعية أو صلة القرابة أو المذهب، والالتزام بالقواعد العامة للامتحانات، والالتزام بالقواعد العامة التي تنظم العملية التعليمية، كحضور المحاضرات والالتزام بكل ما من شأنه الارتقاء بمستوى الطلاب وتحصيلهم الدراسي، وغير ذلك.

أما البعد الثاني فينصب الاهتمام فيه على تفعيل أو إنشاء هيئات نقابية ومهنية مستقلة لأعضاء هيئات التدريس بالجامعات ومراكز البحوث، لتستخدم أولا أدوات متابعة لأي انتهاكات للحريات الأكاديمية، وثانيا آليات غير رسمية لمتابعة الأداء المالي والإداري للقيادات الجامعية، وثالثا أدوات للضغط والتأثير على الحكومات لتحقيق مزيد من الحريات الأكاديمية وكف يد السلطات الحاكمة عن تطويع هيئات التدريس بالجامعات ومراكز البحوث لأهداف تلك السلطات.

إن ثمة ضرورة ملحة لأن تظهر هيئات نقابية في كل جامعة عربية، وهناك ضرورة أخرى لوجود رابطة قومية على مستوى كل قطر، ثم رابطة جامعة على المستوى العربي. إن العمل الجماعي المنظم هو مفتاح النجاح في مثل هذه الحالات، وكانت النظم المستبدة تحاول دوما إفشال أي عملٍ جماعي منظم، بل تسعى لبث قيم الأنانية والتصارع بين أبناء المهنة الواحدة، وجذب بعضهم للعمل ضد بعضهم الآخر، وإيجاد أجواء تشجع على السلبية والانهزامية والخوف من العمل العام.

أما البعد الثالث فيتصل بالشق التشريعي، فهناك ضرورة لتشكيل لجان أو فرق عمل تكون مسؤولة عن كل ما يتصل بدور التشريع والسياسات الحكومية إنْ في شأن حماية الحريات الأكاديمية، أو في التصدي لانتهاكاتها المختلفة.

ثمة ضرورة ملحة لأن تظهر هيئات نقابية في كل جامعة عربية، وهناك ضرورة أخرى لوجود رابطة قومية على مستوى كل قطر، ثم رابطة جامعة على المستوى العربي

ويجب أن يكون هذا العمل منظما ومرحليا، وفي وضع يمكن معه تحقيق إنجازات محددة كل فترة زمنية معينة، ومن الممكن أن يتم هذا من خلال تبني الهيئات الأكاديمية النقابية في كل قطر عربي أجندة عمل تتضمن أهدافا تدريجية وواقعية تتناسب مع الواقع السياسي في كل دولة، وأنسب الوسائل لتحقيق الأهداف المرجوة في ظل الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها الدولة.

ويجب أن تتضمن هذه الأجندة مراجعة كل السياسات والقوانين المؤثرة على العمل الأكاديمي والبحثي وحريات الأكاديميين والباحثين، ورصد أي انتهاكات حكومية للحريات الأكاديمية سواء أكانت في صورة تشريعات أو قوانين أو لوائح أو سياسات تنفيذية، ثم العمل على مواجهة تلك الانتهاكات تدريجيا، من خلال التركيز على إلغاء القوانين المقيدة للحريات الأكاديمية، والعمل على سن قوانين جديدة بغرض حماية الحريات الأكاديمية واستقلال الجامعات من الناحيتين المالية والإدارية.

أما البعد الرابع الأخير فيتصل بدور الأكاديميين بالمجتمع وواجباتهم تجاه قضايا المجتمع، وهنا أتصور أن على الأكاديميين أن يكونوا، قولا وعملا، في طليعة القوى الوطنية المنادية بدولة القانون والمواطنة والمؤسسات، وعليهم المساهمة في رفع وعي الطلاب بأهمية هذه الأمور وأهمية النضال والتضحية من أجلها ونبذ اليأس والعجز والتقوقع حول الذات.

إن طبيعة المهام التي يقوم بها الأكاديميون أنفسهم ونظرة المجتمع لهم تحتم عليهم عدم حصر أنفسهم في المناداة بمطالبهم الفئوية فقط وإنما قيادة المطالب الشعبية من أجل كل صور الحكم الرشيد.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة