خطايا.. وليست أخطاء   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ توجان فيصل

ما يجمعني بالزميل الصحفي الكبير الأستاذ فهد الريماوي كثير, وقد يستشفه العديدون من قراء صحيفته "المجد", انتهاء بإعلانه إيثاره وقف إصدارها على أن يقبل تضمينها اعتذارا عن قناعاته يتم إملاؤه عليه قسرا. ولكن ابتداء بأشياء عديدة أهلت زميلنا الآن لأن يكون أستاذنا الذي كنا نتطلع إليه في بواكير رحلتنا السياسية والإعلامية, ونتتلمذ على كتاباته التي امتلك فيها ناصية "الأدب الرفيع" بكل ظلال العبارة وتنوع استعمالاتها، إلى جانب امتلاكه الحس السياسي القومي المرهف الذي يستشعر وجع الأوطان من المحيط إلى الخليج.


شرعية الثأر ليست حكرا على العرب، وإنما لها جذور في الوجدان الشعبي الغربي أيضا
ومن ثقافته الأدبية الواسعة هذه التي جعلته أستاذا في الحقل الذي هو تخصصي الأكاديمي -أي الأدب- يأتي هذا العنصر الخاص المشترك بيني وبينه.

فكلانا يؤمن بأن "للسيكولوجيا" دورا في السياسة يفوق دور "الأيدولوجيا"، وهو ما يوافقنا عليه معالي الأستاذ عدنان أبو عودة الذي عندما قلت له إنني لاحظت وجود عدد كبير منا -نحن دارسي الأدب والأدب الإنجليزي بالذات- في حقل السياسة, أجابني بأن هذا هو موقعنا الصحيح لأننا درسنا الإنسان بكل ما يمثله وما يصدر عنه منذ بداية التاريخ.

الأدب بمعناه الواسع من القصيدة إلى الملحمة إلى الرواية إلى الدراما المسرحية والسينمائية.. هو فعلا العلم بالإنسان بكل تلاوينه وتبايناته وجوامعه وتناقضاته، وهو في هذا يفوق الطب -مثلا- الذي يصنفه في حالة تشريحية واحدة, وعلم النفس الذي يصنفه في مجاميع.

فالأدب وحده الذي يشخص العام انطلاقا من الخاص, ودون أن يذوب أي منهما في الآخر أو ينتقص منه لصالح الآخر. ولهذا تستعمل النماذج الأدبية كمادة لدراسة وفهم الطبيعة البشرية, وللدلالة على صدق النظريات بشأنها, بأكثر مما تستعمل الشخوص الحية.

بل إن عددا من المعالم النفسية والاجتماعية البشرية الرئيسية أسميت بأسماء شخوص أدبية ماثلتها أو قاربتها, كالقول "بعقدة أوديب" أو بنموذج "سي السيد" (من ثلاثية نجيب محفوظ).

ولأننا في هذه الأيام نتعامل مع حالات إنسانية مشحونة لأقصى الدرجات التي عرفتها البشرية, والتي ربما ميزت مراحل التغيير الجذري في تاريخها.. ولأن غالبية من يتناول هذه الشحنات بالتحليل أو التعليق أو النقد ينطلق في الأغلب من "أيدولوجيا" سياسية -بالمعنى الاستقطابي لرؤية أو مصلحة فئة دون بقية الفئات, وليس بالضرورة بالمعنى الحرفي للأيدولوجيا- فقد تكون الحاجة "للرؤية" الأدبية أكثر من أي وقت مضى لجلاء الرؤية التي غامت كثيرا.

وقولي هذا لا يشكل انحيازا للأدب والأدباء, بل إن مشكلة هؤلاء الرئيسية ليست مزاحمة السياسيين وإنما الهروب منهم.

فالشارع السياسي هو الذي يضغط عليهم باستمرار, بل ويدينهم لأنهم لا يخرجون بقصيدة عشية حدث سياسي جلل, أو برواية صبيحة اجتياح أو مجزرة.

مشكلة الأديب الجاد أنه بحاجة إلى مساحة زمنية للحياد اللازم لمهنته، أو يتحول إلى كاتب سياسي بلمسة أدبية قد تروج لمقالته, ولكنها لا تضعها على رف الإبداع النابع من الصدق والحياد, خارج طاحونة السياسة "الآنية" وبالتالي المتقلبة.

وقبل أن أورد الأمثلة المستقاة من إبداعات من صوروا الوجدان البشري, والتي تزدحم في فكري كشواهد في الأيام الأخيرة, والتي أود أن أشرك فيها القراء معي, فإنني أذكر أن ما أعرض لشواهد إنسانية عليه هو مجمل الأحداث الأخيرة من مجازر في غزة ورفح والضفة ومدن العراق, والإذلال العلني في نقاط العبور والتفتيش الأمنية, وفظائع التعذيب والاغتصاب في معتقلات الاحتلال, والتصريحات والإجراءات التي بعضها يجرح بأكثر مما يواسي أو يعتذر.

وكل هذا الموج البشري المتدافع في طلب القصاص والعدالة، ليس فقط في صورة ما شهدناه من استجوابات الكونغرس المتمحورة حول مكاسب انتخابية داخلية، ومن محاكم عسكرية صورية مسلوقة وأحكام متهاودة, وحالة الإعدام الوحيدة التي قام بها بعض أعضاء القاعدة لرهينة أميركي، وإنما –وهذا هو الأهم– في محاولة استجلاء لما قد يأتي كرد فعل طبيعي للناس بحكم مكوناتهم البشرية العامة ومعتقداتهم وخلفياتهم الخاصة.

هذا ما سأحاول فهمه معكم مستعينة بما باح به الأدباء والمبدعون في حالات مشابهة, بشكل محايد دون انحياز أو هدف سياسي آني.


الثأر موجود في وجدان البشرية منذ الأزل لدرجة أن الناس جعلوا منه كائنا حيا يلاحق أصحاب الحق بمطالباته ويؤرق منامهم شخصيا، كما يرابط على أبواب مدن الآثمين
ونبدأ بالأساطير التي هي أقدم أشكال الأدب الشعبي الممثل للضمير الشعبي العام, ولهذا فهي بلا مؤلف (جزء من الفلكلور أي الأدب والفن المنسوب إلى الجماهير الشعبية), كما أن الأساطير سجل لأقدم الديانات أيضا وأقدم سجل للتاريخ, مع ملاحظة أن الدقة التاريخية يتم التضحية بها لصالح الحكمة أو المعتقد الشعبي.

في الثراث العربي القديم هناك طائر أسطوري أنثى يسمى "الهامة". وتظل الهامة تخرج لأهل الضحية تطالبهم بسقايتها لأنها عطشى, وبذلك لا تتيح لهم الراحة إلى أن يأخذوا بثأرهم من الجناة.

وكون الطائر أنثى له حتما دلالة خاصة في مجتمع ذكوري كالمجتمع العربي القديم بالذات، فالأنثى هي التي تدين نقص الرجولة, وهذا مكرر في أكثر من صورة لعرف شعبي تقاطع فيه المرأة الرجل حتى يفي مستلزمات الرجولة الاجتماعية.

وفي الأساطير الشعبية الدارجة حتى يومنا هذا في أوروبا وأميركا أكثر مما لدينا, نجد قصة البيت "المسكون" بروح امرأة ضحية, يؤمن الناس بأنها تظل تحوم في المكان حتى يتم الثأر لها. وهذه الروح في التراث الشعبي العربي لأنثى أيضا, ولهذا تسمى "ساكونة".

وشرعية بل إلزامية الثأر ليست حكرا على العرب, وإنما لها جذور في الوجدان الشعبي الغربي أيضا. فالأساطير الإغريقية تقول "بلعنة خطايا الآباء التي تنزل بالأبناء". وتعم لعنة الجريمة البشعة كامل أهل البلد ولو اقترفها شخص واحد.

ومن هنا كانت مدينة "طيبة" تحت لعنة طائر "السفنكس" (أبو الهول, ولكن الاسم العربي غير دقيق لأن السفنكس أيضا أنثى كما "الهامة") لجريمة تخلص الملك لايوس من ابنه الطفل أوديب خوفا من أن يقتله حسب النبوءة.

ولكن أوديب لا يعود لأهل "طيبة" ولم ينزع عنهم لعنة السفنكس إلا لتحيق بهم لعنة أكبر هي مأساة أوديب التي تلي. وهذا ما يسميه الإغريق بحلقة الشر التي يتوارثها الأبناء عن الآباء.

وكل هذا يدل على أن الثأر أمر في وجدان البشرية منذ الأزل لدرجة أن الناس جعلوا منه كائنا حيا يلاحق أصحاب الحق بمطالباته ويؤرق منامهم شخصيا، كما يرابط على أبواب مدن الآثمين.

وفي رائعة الروائي الإنجليزي تشارلز ديكنز "قصة مدينتين" التي اعتبرت أدق وصف إنساني لدوافع ومجريات الثورة الفرنسية, هناك حادثة بالذات -قد تكون من حوادث حقيقية مشابهة وصلت علم الكاتب دقيق الاطلاع على الوضع الفرنسي كما يبدو- تدهس فيها عربة أحد النبلاء طفلا وهي مسرعة في شارع عام, فتقتله.

ويكون رد فعل صاحب العربة أن يلقي بقطعة نقدية لوالد الطفل من باب التعويض, ويتابع سيره. وهذا ما يشعل غضبا أشد في نفس الوالد ويشعره بإهانة إضافية فوق ألمه, تماما كما يشعر العراقيون والعرب الآن نتيجة عرض وزير الدفاع الأميركي دونالد رمسفيلد "تقديم تعويضات لأهالي ضحايا" التعذيب والاغتصاب, والأحكام الصادرة على أول من حوكم واعترف بهذه الفظائع من الجنود الأميركيين.


عدم الرضى عن العديد من الأحكام القضائية في الجرائم البشعة والشعور بالحاجة إلى بدائل عقابية خارج أحكام المؤسسة المسيطرة ليس دلالة تخلف المجتمع العربي، وإنما دليل حس بالعدالة متطور يرى عدم توافق الجرم مع العقوبة
وفي رواية ديكنز يتسلل الأب ليلا إلى قصر النبيل ويذبحه في فراشه. وهذا الفعل لا يصنف في أي قراءة نقدية نفسية أو اجتماعية أو سياسية، على أنه جريمة يرتكبها ذلك الأب، مع أن السائق هو الذي دهس الطفل وليس صاحب العربة نفسه, بل اعتبرت قمة في العدالة الإنسانية, وجاءت مقدمة لثورة ضد كل أشكال الفساد والظلم. هذا مع أن ديكنز يسجل حالات قتل لبعض النبلاء الأبرياء أثناء الثورة وبعدها, بذات التعاطف الإنساني.

وهذا ينقلنا إلى قطع الرقبة بالسيف والذي أدانه الغرب في حادثة إعدام الرهينة الأميركي بيرغ باعتباره "طريقة وحشية". فذات الطريقة استعملت في إعدام آن بولين زوجة الملك الإنجليزي هنري الثامن.

وفي النصوص التاريخية كما في كافة النصوص الأدبية -ومنها السينمائية- التي تناولت القصة, فإن استقدام هنري لسياف ماهر من فرنسا, واختياره هذه الميتة لآن بولين -بينما أحرق ثوماس مورو آخرين أحياء- كان دليل رحمة وبقية حب لعشيقته التي أعلنها زوجة بعد أن حملت منه.

ومقابل صور قطع رأس الرهينة الأميركي نجد صور التعذيب في سجن أبو غريب, وأحدها لجثة رجل مات تحت التعذيب والتشوهات بادية على وجهة بصورة جارحة, حتى أن قلع عينه واضح, بينما غطي جسده الدامي بالثلج لمنع تعفنه، وبجانبه لا يقف سياف محترف للقتل السريع, وإنما أحد الجنود الذين تفننوا في تعذيب ابن البلد المحتل حتى الموت, وهو يبتسم ويؤشر بيده بافتخار بما معناه "مهمة أديت ببراعة".

وعدم الرضى عن العديد من الأحكام القضائية في الجرائم البشعة كالاغتصاب والتعذيب, والشعور بالحاجة إلى بدائل عقابية خارج أحكام المؤسسة المسيطرة, ليس دلالة تخلف المجتمع العربي, وإنما دليل حس بالعدالة متطور يرى عدم توافق الجرم مع العقوبة.

والدراما السينمائية والتلفزيونية اللتان تقابلان الرواية والمسرحية من جهة, وحكايات الشاعر المتجول أو الحكواتي في الأدب الشعبي الشفوي من جهة أخرى, تفيض بمواقف تعبر عن اعتقاد شائع بوجود نقص في العدالة الممارسة باسم القانون. وكافة الشخوص الخارجة على القانون لأخذ العدالة بيدها تصور بطريقة تجلب تعاطف المشاهد.

فهناك شخصية تتكرر إلى حد النمطية في الأفلام والمسلسلات الغربية عن الشرطي -أي "رجل القانون" حسب التعبير الأميركي- الذي يقرر نفض القانون عنه والتخلي عن كل مكتسباته كرجل قانون, بل وعن حقوقه المدنية والإنسانية حين يدخل هو السجن في النهاية لأنه قرر أن القانون لم ينصف الضحايا وذويهم, وأن عليه إعادة التوازن لميزان العدالة "المائل".

بل إن بعض هذه الأفلام تنتهي بتواطؤ أفراد الشرطة أو حتى القضاء على تهريب المنتقم من المسؤولية بطريقة أو بأخرى.

على قلة متابعتي للتلفزيون -ولكن متابعتي عميقة لأن لي بحثا قدمته لرسالة الماجستير عن الأدب المصور- أذكر أن مسلسلا أميركيا ظل رائجاً لسنوات, حمل اسم "النصير" (الاسم بالإنجليزية يعني حرفيا "من يعيد التوازن"), عن شرطي سابق يكرس حياته لخدمات مجانية في مساعدة الضحايا أو ذويهم ممن لم يحصلوا على العدل من النظام القضائي.

ويعمل هذا الشرطي السابق على الانتقام لهم من المجرمين, وبعض نهايات المسلسل تكون بموت الجاني, أي بحكم إعدام خارج المحاكم الأميركية المدنية والعسكرية, يباركه جمهور المشاهدين الأميركي باعتباره العقاب العادل.

ولأن جرائم الاغتصاب هي الأبشع, ولأن الحديث عنها لم يبدأ إلا مؤخرا وبدفع من منظمات حقوق الإنسان ومنظمات حقوق المرأة, فإن معالجتها بعمق إنساني في الأدب القديم غير متوفر. ومعظم المعالجات جاءت حديثة, وفي الأغلب عبر الدراما الشعبية السائدة في السينما الأكثر تعمقا والأقل محافظة من التلفزيون.

وهنا أذكر فيلما أثار اهتماما كبيرا -وليس صدفة في رأيي أن عرضه أعيد مؤخرا على أكثر من فضائية عربية- يتناول قصة اغتصاب عروس من قبل مجموعة من الزعران.

وأثناء وجود العروس في المستشفى في حالة صدمة نفسية, والعريس في العناية المركزة لتعرضه للضرب, يتولى رجل ثان كانت زوجته قد اغتصبت ثم ماتت في حادث سير بعد خلاف نتج عن آثار الحادثة على علاقتهما.. يتولى مهمة تعقب ومعاقبة المغتصبين بالقتل لأن النظام القضائي لن يفي بالعقوبة.


التوحد الشعبي وراء ضحايا التعذيب في سجن أبو غريب ليس مجرد تعاطف إنساني وإنما هو رد نضالي على حالة عدوان على شرف شعب ووطن وأمة
ولم يقل أحد إن في هذا وحشية وبدائية, بل إن حجم التعاطف مع الضحايا ومع القاتل بالجملة الذي جسد دوره ببراعة الفنان الكبير يحيى الفخراني, كان كبيرا وفتح الباب أمام مداولات جادة بشأن قصور القانون وكامل النظام القضائي. هذا مع أن الحقوق هنا شخصية جدا, في حين أن الاغتصاب في سياق اضطهاد سياسي يمس كامل حقوق الشعب ويوجه إليه بأكمله.

وهذا التوحد الشعبي وراء الضحايا ليس مجرد تعاطف إنساني كما في الفيلم المذكور, وإنما هو رد نضالي على حالة عدوان على شرف شعب ووطن وأمة. والكثير من هذا نجده موزعا في الأعمال الروائية والدراما السينمائية التي تناولت الحرب العالمية الثانية خاصة.

ما حدث في فلسطين والعراق, وربما في داخل السجون العربية مما سيتكشف الكثير منه مع الهزة العالمية التي نفضت أغطية التكتم والتواطؤ, لا يمكن أن يقرأ بحسابات أميركا للربح والخسارة والتعويضات المالية عن عذاب وكرامة الأحبة, بل إن هذا بالذات ما يؤجج نيران الغضب الشعبي ويعمق الحقد الشعبي الذي سيتوارث.

وقد يكون الأمر مقبولا لدى الأميركان الذين يدفعون بأطفالهم في طريق بل وداخل بيت مايكل جاكسون بعد كل ما أشيع عنه, ليبرروا مطالبتهم له بتعويضات مالية.

وقد تكون المجندات الأميركيات -ونحن لا نتحدث عن مهن أخرى- لا يخجلن من أن يتورطن بأنفسهن في عمليات شاذة كهذه, بدليل أنهن يأخذن الصور التذكارية لإرسالها إلى أهلهن.

وقد يكون الأمر مقبولا بالذات لبريطانيا بعدما اضطرت للنزول عن عرش إمبراطوريتها, فارتضت لنفسها أن تكون وصيفة للإمبراطورة الجديدة "حديثة النعمة".

ولكن التعامل مع شعوب لها تاريخ وتراث وقيم اجتماعية وإنسانية ودينية لا توزن بالدولار، أمر آخر. ويلزم لفهمه أناس بسوية حضارية وثقافية أعلى. وما فعلناه هنا هو محاولة للفهم والإفهام, ليس لما جرى, بل لما سيجري ربما على امتداد سنوات.. فالأخطاء غير الخطايا.
ــــــ
كاتبة أردنية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة