"جيش النظام" وليس "الجيش النظامي السوري"   
الاثنين 1433/4/26 هـ - الموافق 19/3/2012 م (آخر تحديث) الساعة 11:16 (مكة المكرمة)، 8:16 (غرينتش)
عبد الله البريدي

البشاعة والقتل والاغتصاب والتدمير والاعتقال والتعذيب الذي تحدثه "الجموع العسكرية والأمنية" التابعة لنظام سوريا عارٌ على جبين البشرية جمعاء، وإن آدميتنا لتتناقص قطرة قطرة، بل تنتحر عضواً عضواً، حال رضانا عن الوضع المأساوي في مهاد التاريخ والحضارة والطبيعة: سوريا.

ثمة أناس كثر يقل لديهم الوعي السياسي على نحو يجعلهم يستقبلون عدداً محدوداً من الرسائل الإعلامية، في ظل عدم تمتعهم بالمعلومات مما يفوت عليهم فرص النقد والتمحيص لمضمون تلك الرسائل

وفي هذا المقال المختصر، أقول كلمة تحليلية إزاء تلك المأساة، ولعلها تحدث شيئاً من الأثر، وهي في المجال الإعلامي، الذي بات يلعب دوراً متزايداً في تشكيل حياتنا المعاصرة في كل تجلياتها وفضاءاتها، وهو أمر نسلم به جميعاً، خاصة في عصر "الإعلام الجديد" الذي صنع آليات حادة الذكاء، بالغة الفعالية، متكئة على ما يعرف بـ"التقنيات المتآزرة" (Collaborative Technologies)، التي أفلحت في خلق "رافعة" (Leverage) تحدث تأثيراً هائلاً في المنظومة الإعلامية، بسرعة فائقة ونطاقات متسعة متمددة.

من المعلوم أن الرسالة الإعلامية تصاغ وفق محددات معينة بها يؤمن ويلتزم من يصنع تلك الرسالة ويعمل على إيصالها إلى الشرائح المستهدفة. وإني أحسب أن الوسائل الإعلامية الراقية مطالبة بربط رسالتها الإعلامية بحزمة من الأبعاد الأخلاقية والقانونية، وهذا ما نلمسه في عدد من قنواتنا وصحفنا الورقية والإلكترونية المميزة.

الأدبيات العلمية المتخصصة في الإعلام تؤكد عبر عدد من النظريات والنماذج العلمية أن معدلات الوعي السياسي لدى الشعوب متفاوتة بين الأفراد والجماعات، وثمة أناس كثر يقل لديهم الوعي السياسي على نحو يجعلهم يستقبلون عدداً محدوداً من الرسائل الإعلامية، في ظل عدم تمتعهم بمعلومات سياقية ثرية، مما يفوت عليهم فرص النقد والتمحيص لمضمون تلك الرسائل ودلالاتها فضلاً عن انعكاساتها القريبة والبعيدة.  

ومع اعتقادي بأن قطاعاً كبيراً من الشعوب العربية تمتلك قدراً طيبا من الوعي السياسي، ومن ذلك ما يحدث في سوريا هذه الأيام، إلا أنني وفي ضوء كل ما سبق أرى ضرورة إعادة التفكير في بعض المفاهيم أو المصطلحات المتداولة في الفضاء الإعلامي حيال الثورة السورية، وما يصحبها من أعمال إجرامية وانتهاكات إنسانية فظيعة يمارسها النظام السوري ويعاونه في ذلك قبائل شيطانية داخل سوريا وخارجها.

ومن أهم المفاهيم التي يتوجب –في نظري– إعادة النظر فيها وبلورتها بطريقة مختلفة ما يتعلق بمسألة "الجيش" في الثورة والأرض السورية، فوسائل الإعلام العربية تطلق على "الجموع العسكرية والأمنية المتوحشة" التابعة لنظام سوريا مفهوم "الجيش النظامي"، وهذا المفهوم غير مقبول على الإطلاق من حيث دلالاته وانعكاساته الأخلاقية والقانونية. وفي نقاط خمس أوجز الحيثيات التي دفعتني إلى تبني ذلك الرأي حيال الحراك العسكري الأمني المتوحش من قبل النظام السوري:  

1- مفهوم "الجيش النظامي" يستخدم "أل التعريف" في "الجيش" و"النظام"، وكأنه يحصر جنس الجيش في الحراك العسكري والأمني المتوحش للنظام السوري، وقد ثبت لنا وثبت للعالم قدر الإجرام والانتهاك الأخلاقي الممارس من قبل جموع نظام الأسد المتوحشة.

مفهوم "الجيش النظامي" يمنح الدول "الجائرة" المتعاطفة مع النظام السوري قدراً من الشرعية في دعمه أو على الأقل يقلل من حرجها الأخلاقي والقانوني حين تغض الطرف عن انتهاكاته المتوحشة

2- مفهوم "الجيش النظامي" يثبت نوعاً من "الشرعية الاسمية" لتلك الجموع العسكرية والأمنية المتوحشة التي تمارس القتل والعنف بأبشع صوره. والأخطر من ذلك كله أن ذلك المفهوم غير الصائب يمنح وحوش النظام السوري لوناً من "الشرعية القانونية"، حيث يصبغها بـ"النظامية"، ومفهوم المخالفة يفيد بأن المجموعات "الثورية" و"العسكرية" التي تواجه ذلك "الجيش النظامي" وتحمي الشعب السوري الأعزل هي خارجة عن النظام والقانون، مع تأكيدي على أن الكثير من وسائل الإعلام العربية النزيهة لا تذهب إلى هذا المعنى ولا تؤيده، بل تدحضه تماماً برسالتها وتغطيتها الإعلامية المميزة، ولكنه معنى ضمني رديء يفيض من الأبنية الداخلية لمفهوم رديء: "الجيش النظامي".

3- مفهوم "الجيش النظامي" يمنح الدول "الجائرة" المتعاطفة مع النظام السوري قدراً من الشرعية في دعمه مالياً وعسكرياً ولوجستياً، أو على الأقل يقلل من حرجها الأخلاقي والقانوني في السياق الدولي حين تغض الطرف عن انتهاكات الجموع المتوحشة لنظام الأسد، فتلك الدول - ونحن أيضاً معهم للأسف الشديد– تستخدم مفهوم "الجيش النظامي"، مع أن الكثير من الدول العربية قد سحبت الشرعية من النظام السوري بشكل مطلق أو شبه مطلق.

4- مفهوم "الجيش النظامي" لا يمنح الطرف الظالم شيئاً لا يملكه فحسب، بل يحرم الطرف المظلوم حقه، ذلك أن مفهوم "الجيش السوري الحر" وإن كان مفهوماً قوياً وفعالاً ومعبراً عن الحراك الثوري السوري، فإنه يضعف في بنيته الإعلامية، بل في بنيته القانونية جراء استخدامنا للمفهوم الأول ("الجيش النظامي") في وسائل الإعلام المختلفة، فهو يناقضه ويهدم دلالاته الصريحة والضمنية على حد سواء.

5- مفهوم "الجيش النظامي" يمنح غطاءً من "الشرعية السيكولوجية الأخلاقية" للأفراد المنضوين تحته، ونحن نعلم يقيناً بأن أفراداً كثرا هم غير مقتنعين إطلاقاً بأخلاقية ذلك الجيش المجرم، وبعضهم يتحين الفرص الملائمة للانضمام إلى "الجيش النظامي الشعبي الحقيقي" وهو "الجيش السوري الحر"، وبجانب هؤلاء الشرفاء ثمة أناس يحتاجون إلى دفعة معنوية وجرعة أخلاقية لهجر جيش نظام سوريا، وهو الأمر الذي يتطلب عدم استخدامنا لمفهوم "الجيش النظامي". 

وكل ما سبق من الحيثيات وأمثالها كثير، يدفعني إلى مطالبة سائر وسائل الإعلام العربية الحرة النزيهة إلى عدم استخدام مفهوم "الجيش النظامي" بأي صورة من الصور، على أن يتم استخدام مفاهيم أكثر دقة وعدالة، ومن ثم فهي الأكثر مراعاة للأبعاد الأخلاقية والقانونية، وربما يكون ملائماً استخدام مفهوم "جيش النظام السوري" واختصاراً بـ"جيش النظام"، على أن نستمر في استخدامنا لمفهوم "الجيش السوري الحر" فهو مفهوم دقيق وفعال، وستتضح دقته وفعاليته أكثر حين نكف عن تداول "الجيش النظامي"، وأنا أحسب أن لذلك الأمر دلالات وانعكاسات إيجابية على المستوى القريب والبعيد.

ولعلي أوجه كلمة خاصة لوسائل الإعلام العربية القيادية، ذلك أنها الأقدر والأكثر تأثيراً، فهي تحمل لواء قيادة الدفة الإعلامية وتوجيه تروس الآلة الإعلامية في اتجاهات معينة، تعود بالصالح العام على الشعوب العربية، وأنا على يقين بأن الساعات الأولى التي ستشهد استخدام مفهوم "جيش النظام السوري" أو "جيش النظام" من قبل القنوات الإعلامية الكبيرة ستفلح في "دحرجة كرة الإعلام" ليس فقط في الفضاء الإعلامي التقليدي، بل -وهو الأهم الآن- في فضاء الإعلام الجديد، الأمر الذي يعني أن ملايين البشر سيتعاطون خلال فترة قصيرة كلمات تعطي دلالات مختلفة عما يجري في سوريا.

دلالات واستحقاقات وانعكاسات "جيش النظام" تختلف جوهرياً عن دلالات واستحقاقات وانعكاسات "الجيش النظامي"، وحديثنا ليس في اللغة العربية فحسب، بل في سائر لغات العالم

فدلالات واستحقاقات وانعكاسات "جيش النظام" تختلف جوهرياً عن دلالات واستحقاقات وانعكاسات "الجيش النظامي"، وحديثنا ليس في اللغة العربية فحسب، بل في سائر لغات العالم، فالإعلام الجديد يعكس نبض الشعوب وهي ميالة بعقلها ووجدانها إلى الكلمات الأكثر مصداقية وعدالة، مما يعني أننا نتوقع سرعة تبني مفهوم "جيش النظام" من قبل وسائل إعلام غير عربية، وكل ذلك يمهد طريقاً للمؤسسات الدولية لأن تتعاطى مع الحدث السوري والثورة السورية بمنطق الأخلاق والعدالة والإنسانية.

دعونا نُحدث خلخلةً في سلسلة الاتجاهات السياسية في العالم إزاء الثورة السورية، عبر تغيير بعض الفرضيات التي تقوم عليها تلك السلسة (وفكرة الخلخلة هذه تعرف في أدبيات الإعلام بـفرضية القصور الذاتي Inertial Postulates، انظر: شيماء زغيب، "نظريات في تشكيل اتجاهات الرأي العام"، الدار المصرية اللبنانية، 2004).

سؤال ختامي للضمير الإعلامي: هل نكف عن استخدام "الجيش النظامي السوري" ونضع مكانه "جيش النظام"، إسهاماً منا في إحداث خلخلة في مسار الجريمة للنظام السوري؟ آمل ذلك وأتوقعه.

مع تأكيدي على أن الدعوة لتبني مفهوم "جيش النظام" بدلاً من "الجيش النظامي" تأتي نتيجة منطقية لسحبنا للشرعية من النظام السوري نفسه، فكيف نكتفي بسحب الشرعية عن "نظام سياسي" يدعي -زوراً وبهتاناً- عدم تورطه في مسلسل العنف وندع الشرعية في أيدي العسكر والأمنيين والشبيحة المتورطين قطعاً مع ساستهم في القتل والإجرام؟ هذا ليس من المنطق في شيء، ولا من الحكمة أو العدالة. هذا والمجد للشهداء والشرفاء والمناضلين.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة