ثورة لا سابق لها   
الأحد 1427/9/23 هـ - الموافق 15/10/2006 م (آخر تحديث) الساعة 14:08 (مكة المكرمة)، 11:08 (غرينتش)


الحسن السرات

- شيخوخة القارة العجوز
- مجتمعات بلا أطفال
- حملة مضادة
- موجة نسوية ثالثة
- إن في ذلك لعبرة

تقف البشرية اليوم في منعطف حاسم لمراجعة المسار وحساب الأرباح والخسائر بعد اتباع منهج حياة أوصلها إلى باب المسدود.

وتعتبر أوروبا عينة تجريبية حية للعلمانية الشاملة ومآلاتها، بتعبير المفكر المصري الدكتور عبد الوهاب المسيري.

وإن نظرة فاحصة لمؤسسة الأسرة وقضية المرأة وما جرى لها تجعلنا نتوقف طويلا لتقليب النظر والاعتبار.

شيخوخة القارة العجوز
في سنة 2050 ستفقد أوروبا 10% من نسماتها، وفق توقعات هيئة الأمم المتحدة، وسينقلب الهرم السكاني لصالح المسنين وذوي الأصول المهاجرة وسينخفض سكان عدد من الدول إلى أرقام مخيفة.

هذه الوضعية المثيرة دفعت عددا من الخبراء والمختصين الغربيين إلى دق ناقوس الخطر والإعلان عن حالة طوارئ، في حين راح آخرون يشجعون على التكاثر والتناسل وإعادة الاعتبار للأسرة وتوجيه سهام النقد الحاد للحرية الجنسية والثورة الإباحية التي خربت المجتمع ودفعت أوروبا نحو الانتحار الذاتي.

"
من المستحيل الآن فرملة مسار شيخوخة المجتمعات الأوروبية في الخمسين سنة المقبلة، أو تخفيف آثارها السلبية المرتقبة على صعيد الانسجام الاجتماعي والنسيج السياسي في البلدان الأوروبية
"

يوجد العالم الديمغرافي الألماني هيرفينغ بيرغ على رأس الخبراء المتحمسين للتكاثر والتناسل بين الأوروبيين عموما، والألمان خصوصا، وله في ذلك مؤلفات مثيرة حققت أرقاما قياسية في المبيعات، منها كتاب "المنعطف الديمغرافي" الصادر سنة 2001، وكتاب "الجيل الذي ضاع" الصادر سنة 2005.

ويؤكد بيرغ في كتاباته أن القرن الـ21 يتميز "بثورة ديمغرافية لا سابق لها بالنسبة للنوع البشري"، والبروفيسور بيرغ ليس من النوع الذي يلقي بالأحكام السوداوية جزافا، بل يؤيد كل ما يقول بالمعطيات الإحصائية والمعادلات الرياضية.

فعندما يتحدث عن "ثورة المعامل د"، أي المعامل الديمغرافي، يقصد بذلك شيئا ملموسا جدا: خلال هذا القرن الذي لايزال في بدايته، ستكون أوروبا هي القارة الوحيدة التي يسجل بها انخفاض ديمغرافي، ليس مذهلا فقط، ولكنه قطعي وطويل المدى.

وهذه بعض الأرقام المدققة الدالة على هذا الأمر، ففي سنة 1950 كان سكان أوروبا يمثلون حوالي 25% من سكان العالم، واليوم هوت هذه النسبة إلى 11%، وستزداد ترديا في عام 2050 لتصل إلى 7% فقط.

وسيتقاسم الأوروبيون قدرهم هذا مع مجموع الدول الصناعية، ما عدا الولايات المتحدة الأميركية التي ستتابع مضاعفة سكانها، وستصبح تلك الدول أقزاما ديمغرافية مع نهاية هذا القرن حسب توقعات الخبير الألماني.

وتعتمد التوقعات الديمغرافية السيئة على نسبة الخصوبة والمواليد المتدنية خلال السنوات والعقود الماضية في بلدان القارة العتيقة، إذ سجل الإيطاليون والإسبان أدنى الأرقام في نسبة الخصوبة بحوالي 1.2 طفل لكل أنثى في عام 2003، وتبعهم الألمان بنسبة 1.3 والبريطانيون والهولنديون بنسبة 1.7 طفل.

ويفسر بيرغ أنه من بين نساء الدول الغنية، وحدهن الأميركيات حافظن على ما يعتبره علماء الديمغرافيا "المثال الحسابي"، أي معدل الولادات اللازم لضمان استقرار ديمغرافي يقطع الطريق على هجرة الأجانب.

ووفق توقعات بيرغ، سيصبح سكان ألمانيا في سنة 2050 حوالي ستين مليون نسمة، أي بنقصان 20 مليون نسمة مقارنة مع الوضع الحالي، في حين ينتقل الإيطاليون من 56 مليون نسمة إلى 37 مليونا.

أما في عام 2100 فيكون عدد الألمان 32 مليون نسمة فقط، وعدد الإيطاليين 15 مليون نسمة، وعدد الإسبان 11 مليون فقط.

ويؤكد بيرغ أنه من المستحيل الآن فرملة مسار شيخوخة المجتمعات الأوربية في الخمسين سنة المقبلة، ويحذر من الآثار السلبية لهذا المصير مثل الأزمة المرتقبة على صعيد الانسجام الاجتماعي والنسيج السياسي في البلدان الأوروبية.

وذلك ما يطرح سياسة الإدماج المتبعة على رأس جدول الأولويات، غير أنه، على هذا المستوى، لن تكفي خبرة المتخصصين الديمغرافيين، إذ لا بد من مساعدة الخبراء السوسيولوجيين على حد قول هيرفينغ بيرغ.

مجتمعات بلا أطفال
حتى في المجتمعات الأكثر محافظة، يقرر كثير من الأزواج اليوم أن لا يكون لهم أطفال، من سويسرا إلى سنغافورة، ومن كندا إلى كوريا الجنوبية، تتسع الظاهرة وتزداد انتشارا، حيث يريد الأزواج الاستمتاع ببلوغهم دون منغصات لأطول مدة ممكنة، وغالبا ما تمتد الفترة إلى ما بعد الأربعين.

وفئة كبيرة منهم ينتهون إلى الامتناع عن الإنجاب إطلاقا: وهذا حال ثلث نساء ألمانيا -30%- خريجات الجامعات مثلا، وفي المملكة المتحدة تضاعف عدد النسوة اللاتي ليس لهن ولد ضعفين خلال عشرين عاما.

"البريطانيون يجعلون العمل والاستمتاع بالحياة أولى من الأطفال"، كما تعلق صحيفة الغارديان، بناء على دراسة نشرت في شهر مايو/أيار 2006، كشفت عن أن 36% من البريطانيات فقط يجعلن الأمومة أولى من العمل.

"
مع عودة العقائد وتصاعد الصحوة الدينية المسيحية بدأت الأصوات التي تنادي بإعادة الاعتبار للأسرة ترتفع وتستعرض مزاياها وحسناتها وسيئات التخلي عنها
"

أما في اليابان فإن 56% من النساء البالغات ثلاثين عاما ليس لهن أطفال، وكانت نسبتهن عام 1985 هي 24%.

وهذا الاختيار أثر على كثير من جوانب الحياة، إذ استجابت الحياة الثقافية والفكرية له بإنتاج مؤلفات تعززه وتتاجر فيه، ففي المملكة المتحدة ظهرت عدة كتب في هذا المنحى تحت محور "أنا سعيدة بلا أطفال". ثم تناسلت جمعيات للتضامن بين الذين لا يلدون طواعية واختيارا، متخذة لها أسماء من جنس الرغبة "لا تلدوا أطفالا"، وتلاقي هذه الجمعيات نجاحا مستمرا.

ولأن الطبيعة تأبى الفراغ، فقد ملأت الحيوانات مكان الأطفال في البيوت والسيارات، فصنعت شركة هوندا مثلا سيارات مجهزة بلوازم الكلاب والقطط بدل كراسي وأجهزة الأطفال.

ولا عجب فالحيوان أولى من الإنسان حاليا، حتى قفازات اليد تكيفت مع الوضع الجديد فصنعت أنواع منها تمكن مرتديها من حمل حيوان في حجم البيكينوا (نوع من الكلاب صغيرة الحجم).

حملة مضادة
غير أنه مع عودة العقائد وتصاعد الصحوة الدينية المسيحية بدأت الأصوات التي تنادي بإعادة الاعتبار للأسرة ترتفع وتستعرض مزاياها وحسناتها وسيئات التخلي عنها.

وهذه القضية بالذات تمثل القاسم المشترك للتحالف الحاكم بين اليمين واليسار في ألمانيا، بل إن حزب الخضر المعروفين بتضحيتهم بالأسرة من أجل "ما بعد المادية الإباحية" تصالحوا مع فكرة الأسرة والأطفال.

ومن أبرز الذين يشنون حملات متوالية لصالح الأسرة العريضة في ألمانيا مدير الصحيفة اليومية "فرانكفورت ألمان زيتونغ" (المقربة من المسيحيين الديمقراطيين)، خاصة في كتابه الأخير "الحد الأدنى".

يقارن فرانك شيرماخر -رئيس الصحيفة المذكورة- الأسرة بالعلاقات الاجتماعية الأخرى مثل الصداقة، ويعتبرها مصدر طاقة لا نظير لها على صعيد التضامن الاجتماعي.

فالأسرة، يقول الكاتب، هي الخلية الوحيدة التي نعطي فيها من دون انتظار الجزاء، مستعرضا عددا من الوقائع القديمة والحديثة المبرهنة على ذلك.

ويبدي فرانك شيرماخير إعجابه بالنموذج الأميركي في الأسرة التي تعول على نفسها دون انتظار المساعدات الحكومية، وتتمسك بالقيم الدينية.

ويرى أن هوة كبيرة تفصل بين الأسرة الألمانية وهذه القيم، وأن المعول سيكون على المرأة الألمانية ونشاطها وخصوبتها وأخذها المبادرة لاستعادة التوازن، مختتما تحريضه بالقول "هناك أدوار لا نختارها، ولكن هي التي تختارنا".

وكانت صحيفة "دير شبيغل" المقربة من فرانك شيرماخر قد تناولت القضية في شهر مارس/آذار 2006 إذ علقت على صورة طفل بائس حزين على غلافها الخارجي بالقول "كل واحد يبحث عن نفسه، كيف يؤدي نقص الأطفال إلى مجتمع الأنانيين".

كما هاجمت الأسبوعية المذكورة الآثار المدمرة للتمرد الجنسي والتحرر من الأخلاق والقيم لسنوات 1969 و1970 التي تجلت في أن 30% من النساء الألمانيات المتعلمات المثقفات كففن عن الإنجاب.

"
الحركة النسائية سلبت النساء أنوثتهن، وما دعت إليه لم يكن في صالح النساء، وينبغي أن يعاد الاعتبار إلى الأم وربة البيت، وأن يخرج المجتمع من تلك المعارك الوهمية بين النساء والرجال
"

موجة نسوية ثالثة
ودخلت على خط المواجهة وجوه نسائية ذائعة الصيت للتعبير عن ضمير الأغلبية النسائية الصامتة ولصد الاستبداد النسواني الذي تمارسه طائفة صغيرة من الجمعيات التي تجعل نفسها ناطقا رسميا باسم النساء، فظهرت كتب جديدة وجمعيات وتحقيقات صحفية تبين التحول الجديد نحو موجة نسوية ثالثة.

في ألمانيا شكل "مبدأ حواء" وهو كتاب أشهر مقدمة برامج إيفا هيرمان قنبلة غير متوقعة، حيث تقول "إن الحركة النسوانية سلبت النساء أنوثتهن، وإن ما دعت إليه لم يكن في صالح النساء، وإنه ينبغي أن يعاد الاعتبار إلى الأم وربة البيت، وأن يخرج المجتمع من تلك المعارك "الوهمية" بين النساء والرجال.

في يوم واحد (25 أكتوبر 2003)، وحول موضوع واحد، نشرت كل من "لوفيغارو ماغازين" و"لوكورييه أنتيرناسيول" نتائج استطلاعين حول التوجهات الجديدة للمرأة في بريطانيا وفرنسا.

في سنة 1968 دشن الفرنسيون ثورة اجتماعية وأخلاقية قلبت حياتهم رأسا على عقب، محطمين "عقبات" وطابوهات ورثوها عن العصر الوسيط، وهاهم اليوم يجنون ثمراتها المرة، لينقلبوا من جديد خائفين متراجعين. والمرأة أول مجال من تلك المجالات وأكثرها استغلالا وتأثرا.

استهلت "مدام فيغارو" (اسم تطلقه صحيفة "لوفيغارو" على ملحقها النسوي) استطلاعها بمقدمة تضع التحولات الجارية في سياق صيرورة تاريخية تفسح المجال للمقارنة، فقالت الكاتبة كريستين كليرك: "دون خطب، ولا أناشيد، ولا استعراضات، أتكون النساء قد تحررن من الأخلاقيين والإشهاريين الذين حرضوهن على التنكر لغريزة الأمومة زاعمين أنها "مثالية"، بل مخترعة لإبقائهن في بيوتهن؟".

وتسارع الكاتبة بعد هذا إلى الاستنتاج بأن الفرنسيات عائدات إلى بيوتهن وراغبات في رعاية أطفالهن بشوق ولهفة، واعتبرت أن هذا يعد مفاجأة كبرى وثورة ثقافية حقيقية وصامتة، بعد أن كان سائدا من قبل أن الفرنسيات مثلهن مثل غيرهن يحببن تأكيد ذواتهن ووجودهن في العمل المهني خارج البيوت.

الاستطلاع هدم هذا الوهم لما أكدت نسبة 77% منهن الآن أن أعز ما يحرك قلوبهن وعواطفهن وطاقتهن في سن الخامسة والعشرين هو أطفالهن ولا شيء غير أطفالهن، أما الحب والزوج فيأتيان في درجات متأخرة بنسبة 49%، في حين تدحرج العمل والمهنة إلى 20 %.

التحول الجاري في باريس ليس خاصا بها، ولكنه يجري بالسرعة نفسها والنسبة ذاتها في لندن أيضا، كما أكد استطلاع آخر نشرته صحيفة الأوبزرفر البريطانية، وتناولت مضمونه الصحيفة الفرنسية الكبيرة لوكورييه أنتيرناسيونال في مقال كتبته آن كولييه.

الاستطلاع البريطاني أظهر أن 9 من 10 من الفتيات المستجوبات يرين أن من واجب الزوج أن يقوم اعوجاجهن، و95% منهن لا يهمهن في الغالب أمر الخلافات الزوجية، وأن المهم هو سعادتهن.

وأضاف الاستطلاع الذي أجري بين خمسة آلاف فتاة بريطانية أن نسبة ساحقة منهن يفضلن الحياة الزوجية على متابعة الدراسة، ومع أن 43% منهن تمسكن بالحصول على شهادة دراسية عالية، إلا أن ربع هذه النسبة يجعلن الزواج أولى الأولويات.

أما السن المفضل لذلك فهو 25 سنة، وسن الولادة الأولى هو 26 سنة على أمل مضاعفة الأولاد مثنى وثلاث ورباع دون الالتفات إلى رأي الآخرين.

وكشف الاستطلاع أيضا عن عودة القيم الأخلاقية لبيت الزوجية، إذ أن 50% من الفتيات يستنكرن الولادة خارج العلاقات الزوجية.

"
هل ننتظر حتى يصل الغرب إلى النفق المسدود ويراجع ذاته لنتبعه في كل صغيرة وكبيرة من خطواته، أم نعتبر به قبل فوات الأوان؟
"

إن في ذلك لعبرة
التحولات التي تتسارع في الغرب تصل شظاياها إلى العالم الإسلامي في زمن القرية العالمية الواحدة، ولو نظرنا إلى حالة المغرب لوجدناه يسير على الطريق ذاته بنسبة أقل.

فقد كشف بحث علمي أجرته جامعة الحسن الثاني بالمحمدية أن نسبة الولادة عند الأسرة المغربية حاليا هي 3.72 طفل لكل أسرة، وكشف أيضا أن العائلة المتعددة الأطفال لم تعد ذات قيمة، وصار المعدل المفضل للأطفال في كل أسرة هو 2.92.

وأصبح نصف المغاربة تقريبا (46%) يفضلون ولادة طفلين على أكثر تقدير، أما الذين يفضلون ثلاثة أطفال أو أربعة فيمثلون تباعا نسبتي 28% و18%.

وفي المقابل، أعرب المغاربة عن حنينهم إلى الأسرة التقليدية وعودة المرأة إلى أطفالها، ففي دراسة للمندوبية السامية للتخطيط تحت عنوان "مستقبلية مغرب 2030 المرأة المغربية في منظور محيطها المجتمعي" يرى 77% من المغاربة أن المكان المناسب للمرأة هو البيت".

فهل ننتظر حتى يصل الغرب إلى النفق المسدود ويراجع ذاته لنتبعه في كل صغيرة وكبيرة من خطواته؟ أم نعتبر به قبل فوات الأوان والعاقل من اتعظ بغيره؟
_______________
كاتب مغربي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة