رؤية أوبك لاحتمالات سوق النفط   
الجمعة 1430/10/6 هـ - الموافق 25/9/2009 م (آخر تحديث) الساعة 23:51 (مكة المكرمة)، 20:51 (غرينتش)
سعد الله الفتحي


"في يوم صاف تستطيع أن ترى إلى الأبد" أو هكذا تقول الأغنية في أحد الأفلام. ولكن منذ أكثر من سنة لا يكاد يكون هناك يوم صاف بالنظر إلى الآثار المدمرة للأزمة المالية والاقتصادية التي تجتاح العالم. لذا من الشجاعة التفكير في احتمالات النمو في المدى البعيد في الوقت الذي ليس واضحا لأي منا ماذا سيحدث غدا. هذا هو الواقع الذي تعمل فيه الحكومات والمنظمات والشركات والأفراد على حد سواء.

كشفت منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) قبل فترة قصيرة النقاب عن مطبوعها "توقعات النفط في العالم 2009" وهو دراسة سنوية مفصلة أصبحت علنية للجمهور لأول مرة في العامين الماضيين على الرغم من أنها كدراسة كانت متوفرة داخليا لفترة طويلة من قبل. ويمكن الاطلاع على الدراسة كاملة على موقع المنظمة في الإنترنت.

"
آفاق الاقتصاد العالمي ستظل "قاتمة" على الأقل إلى عام 2013 حيث قد يستأنف النمو بعد عام 2010, ولكن بمعدل سنوي متوسط قدره 2.3٪ فقط وخسارة كبيرة متراكمة نسبة إلى التوقعات السابقة قبل الأزمة المالية
"
في هذه السنة أعدت الدراسة على خلفية الأزمة المالية والاقتصادية التي وصفت بأنها "ضخمة" حيث بدأت في الولايات المتحدة وانتشرت في جميع أنحاء العالم. وعلى الرغم من تدخل الحكومات وظهور بوادر انتعاش يطلق البعض عليها "نوابع خضراء" فإن أوبك ترى آفاق الاقتصاد العالمي "قاتمة" على الأقل إلى عام 2013 حيث قد يستأنف النمو بعد عام 2010 ولكن بمعدل سنوي متوسط قدره 2.3٪ فقط وخسارة كبيرة متراكمة نسبة إلى التوقعات السابقة قبل الأزمة. بعد ذلك، وعلى المدى الطويل سيكون بالإمكان استئناف النمو الاقتصادي اعتمادا على النمو السكاني وتطور الإنتاجية إلى الأفضل.

تفترض الدراسة أن عدد سكان العالم الذي بلغ 6.7 مليارات نسمة في عام 2009 قد يصل إلى 8.3 مليارات نسمة في عام 2030 أو بمعدل زيادة سنوية قدرها 0.9٪ بموجب توقعات الأمم المتحدة. وسيعتمد نمو الإنتاجية على التقدم التكنولوجي والتعليم والتدريب ويفترض أن يكون حوالي 2٪ سنويا بالنسبة للبلدان الصناعية وينخفض تدريجيا إلى 1.5٪ سنويا باقترابنا من عام 2030 في حين أن معدلات نمو أعلى من المفترض أن تتحقق بالنسبة للبلدان النامية.

لذلك تتوقع الدراسة أن يبلغ متوسط النمو الاقتصادي العالمي لعام 2030 نحو 3٪ سنويا، وهذا أقل مما كان متوقعا بنسبة 0.5٪ في الدراسة المعدة في العام الماضي، مما يعكس تأثير الأزمة الحالية. وسيظل هناك تفاوت كبير في توزيع الدخل للفرد الواحد بين المناطق على الرغم من التحسن في البلدان النامية.

وبالنسبة لأسعار النفط فإن أوبك تتوقع تشكلها على أساس سلوك تكاليف عمليات التنقيب والإنتاج وتكلفة برميل الهيدروكاربونات الهامشية مثل رمال القطران الكندية المكلفة.

والمتوقع أن تأخذ دورا أكبر في المستقبل. ولذلك يفترض أن تكون في نطاق سبعين إلى مائة دولار للبرميل (بدولار 2008). ويمكن القول إن هذا المدى واسع ولكن ليس من غير المألوف بالنظر إلى تطور الأسعار وتذبذبها في السنوات القليلة الماضية.

ومن العوامل المهمة المؤثرة التي أُخذت بالاعتبار، سياسات الطاقة في الدول المستهلكة وخاصة سياسة الولايات المتحدة وسعيها لتطبيق ما سنته من قوانين الاستقلال في مجال الطاقة وتأمين إمداداتها والاتحاد الأوروبي وحزمته التشريعية المتعلقة بتغير المناخ وكفاءة استخدام الطاقة، فإنها تعكس خطورة السياسات على أسواق النفط والطاقة من حيث تحسين مستويات الكفاءة وتغلغل الوقود الحيوي والطاقة المتجددة للحد من الطلب على النفط.

بالنظر إلى الافتراضات المذكورة أعلاه فإن الطلب على الطاقة الذي تضاعف أربع مرات منذ عام 1960 قد يحقق زيادة بنسبة 42٪ بين عامي 2007 و2030، أو من 11.1 إلى 15.8 مليار طن نفط مكافئ. وسيظل الوقود الأحفوري (النفط والفحم والغاز) يشكل 80٪ من الطلب على الرغم من النمو في الطاقة النووية والطاقة المتجددة، وسيكون نمو النفط هو الأعلى ويليه الفحم ثم الغاز.

وفي هذا السيناريو المرجعي فإن الطلب على النفط من المتوقع أن ينخفض في منطقة التعاون والتنمية الاقتصادية (الدول الصناعية) من 47.5 مليون برميل باليوم (م ب/ي) في عام 2008 إلى 45.5 م ب/ي في عام 2013، والطلب العالمي قد يكون أقل بمقدار 5.7 م ب/ي في عام 2013 عن ما كان في الدراسة الصادرة في العام الماضي مما يعكس شدة الأزمة، علما بأن معظم الانخفاض قد تم بالفعل في هذه الفترة القصيرة.

"
سيكون تأثير سياسات الطاقة أكثر وضوحا والطلب على النفط في عام 2030 ومن المرجح أن يكون 106 م ب/ي أو 7 م ب/ي أقل من مستوى نفس الدراسة في العام الماضي, والنمو سوف يكون في معظمه في البلدان النامية
"
بعد ذلك سيكون تأثير سياسات الطاقة أكثر وضوحا، والطلب على النفط في عام 2030 من المرجح أن يكون 106 م ب/ي أو 7 م ب/ي أقل من نفس الدراسة في العام الماضي. والنمو سوف يكون في معظمه في البلدان النامية ولكن من المتوقع أن يكون الطلب مسطحا في الدول الصناعية منذ أن بلغ ذروته في عام 2005. وسوف يسهم قطاع النقل بنحو 60٪ من النمو، لا سيما في المقطرات الوسطية كالديزل ووقودي الطيران والتدفئة، حيث من المتوقع أيضا ارتفاع كبير في أعداد السيارات في البلدان النامية.

وعلى جانب العرض، هناك تأخير وإلغاء لكثير من المشاريع بسبب الأزمة، والمعروف أن الإمدادات من خارج أوبك أكثر عرضة للتأثر عند انخفاض الأسعار من المناطق الأخرى. لذا فمن المرجح أن تنمو بمجرد مليون ب/ي فقط بحلول 2013 ولن تتمكن هذه المجموعة من كسب أكثر من 3 م ب/ي لغاية 2030 وستكون الزيادة أساسا من النفط الثقيل غير التقليدي والمكلفة.

إن إنتاج أوبك الذي انخفض إلى حد كبير مؤخرا قد يسترد مستوى عام 2008 البالغ 31 م ب/ي بحلول 2013، وبعد ذلك فإنه سيتم استئناف النمو إلى 41 م ب/ي في عام 2030، الذي هو مجرد 2.5 م ب/ي أقل من الدراسة في العام الماضي، لكنها ما زالت حوالي 15 إلى 20 م ب/ي أقل من التقديرات التي كانت سائدة منذ عشرة أعوام. وربما كانت أوبك محظوظة إذ إن الانخفاض في الطلب على النفط قد تم تعويضه جزئيا باعتدال الزيادة في الإمدادات من خارج أوبك.

من وجهة نظر الحالة المرجعية لهذه الدراسة الموجزة أعلاه، قد تكون الأمور غير مريحة على المدى المتوسط ولغاية 2013، وسوف يتطلب الحرص على استقرار السوق التزاما وانتباها من جانب أوبك وأعضائها. بل هناك مخاطر على المدى الطويل، وهذه المتغيرات وغيرها سوف أشير إليها لاحقا.

ولكن هناك سيناريو آخر في "توقعات النفط في العالم 2009" وهو ما يمكن أن يحدث إذا ظهر أن الركود الاقتصادي أكثر عمقا أو سيطول أمده. وهذا بالطبع يمكن أن يكون نتيجة ممكنة للتأخير في تنفيذ إجراءات حفز الاقتصاد المتخذة حاليا أو فشلها في احتواء الأزمة الاقتصادية والمالية.

ففي هذه الحالة سيكون النمو الاقتصادي العالمي من 1% إلى 2% سنويا أقل من الحالة المرجعية لغاية 2013. وبالتالي فإن الطلب العالمي على النفط سوف يعاني من انخفاض إضافي بمقدار 2.5 م ب/ي ليصل إلى 85.5 م ب/ي فقط في 2013. أما الأسعار فسوف تصبح أكثر هشاشة مما يجعل قرارات الاستثمار في مثل هذه الأوقات المتسمة بالغموض والتشاؤم أكثر صعوبة وحذرا، وقد يجعل الإمدادات من خارج أوبك أقل من الحالة المرجعية ويساوي الوضع بالنسبة لأوبك بحلول عام 2013 مع الحالة المرجعية.

وفي هذه الحالة ستنخفض الطاقة الإنتاجية الفائضة لدى أوبك إلى نحو 2 م ب/ي بحلول عام 2013 عن مستواها الحالي البالغ أكثر من 7 ملايين برميل يوميا. ومن المؤكد أنه سيكون هناك رد فعل لمثل هذا الاحتمال، ويمكن أن نجد سوق النفط في حلقة جديدة من ارتفاع الأسعار والتسابق لبناء قدرات إنتاجية قد تشتد الحاجة إليها.

"
التشاؤم حول الأوضاع الاقتصادية يمكن أن يختفي بنجاح السياسات الاقتصادية والمالية مما يؤدي مرة أخرى إلى نمو اقتصادي أعلى من المتوقع في الوقت الراهن وهذا سوف يؤثر إيجابا في الطلب على النفط
"

بالطبع كل هذا التشاؤم يمكن أن يختفي بنجاح السياسات الاقتصادية والمالية مما يؤدي مرة أخرى إلى نمو اقتصادي أعلى من المتوقع في الوقت الراهن مما يؤثر إيجابا في الطلب على النفط. في هذه الحالة تتوقع أوبك أن متطلباتها الاستثمارية لعام 2020 في قطاع التنقيب والإنتاج قد يبلغ ما يقرب من 430 مليار دولار بالمقارنة مع ثلاثمائة مليار دولار في الحالة المرجعية.

أما في سيناريو انخفاض النمو فإن الاستثمار يمكن أن يتدنى إلى 180 مليار دولار فقط (كلها بدولار 2008). وبالنظر إلى أن كل هذه الاحتمالات لديها فرص الحدوث في الفترة قيد النظر ولو بنسب متفاوتة، فإنه من الصعب فعلا لجميع صناع القرار أن يروا طريقا واضحة من خلال هذه الاحتمالات لإحراز تقدم في الوقت المناسب من أجل عالم أكثر استقرارا واستدامة. إن استقرار السوق النفطية والتعقل في إدارتها من قبل المنتجين والمستهلكين سيكونان سلعة مطلوبة إذا ما أريد الإيفاء بالتزامات النمو.

في قطاع التكرير والتسويق، تلاحظ الدراسة أثر الطاقة التكريرية ونوعيتها على سوق النفط كما ظهر واضحا في السنوات القليلة الماضية. النقص في الطاقة وقلة الاستثمارات أثرت بشكل كبير في أسعار المنتجات وسحبت أسعار النفط الخام إلى أعلى وجعلت كثيرا من البلدان تهرع لبناء المزيد من المصافي متشجعة بهوامش ربحية أعلى مما كان متعارفا عليه من ناحية، وعلى توفر إمدادات النفط الخام من ناحية أخرى. ويجب الحذر الشديد لأن هناك بوادر انخفاض في هامش الربحية في 2009 وظهور فوائض كبيرة في المنتجات في الأسواق الرئيسة بسبب الأزمة الاقتصادية وانخفاض الطلب.

وتتوقع أوبك أن صناعة التكرير في العالم ستتمكن من إضافة طاقة تكرير مقدارها 6 م ب/ي بحلول 2015 إضافة إلى 5 م ب/ي من طاقة التحويل لتعزيز إنتاج المنتجات الخفيفة على حساب زيت الوقود الذي يتراجع سوقه. ويعزز ذلك زيادة مقدارها 6 م ب/ي في وحدات القدرة على علاج وتحسين نوعية المنتجات لتكون متمشية مع متطلبات الاتجاهات البيئية التي تحددها اللوائح والقوانين السارية والمتوقعة.

معظم هذه المشاريع قيد الإنشاء بالفعل أو في مراحل متقدمة من التصاميم والإحالة على الرغم من بعض التأخيرات والتأجيلات والإلغاءات التي حدثت أيضا مثل مصفاة الزور بطاقة 615 ألف برميل يوميا (أ ب/ي) في الكويت ومصفاة الشاهين بطاقة 215 أ ب/ي في قطر.

"
النظام العالمي في الطاقة والنفط سوف يزداد تعقيدا, لذلك فإن الحوار المتسم بالواقعية والتعاون بين جميع الجهات المعنية هو الطريق إلى الأمام للحفاظ على استقرار السوق النفطية
"
ولكن بالنظر إلى المناخ الاقتصادي الحالي، فمن الممكن تحقق فائض في طاقة التكرير يؤدي إلى تشغيل المصافي بنسب منخفضة بحيث تكون كميات الخام الداخل للتكرير في 2015 بمستوى 2007 فقط.

هذا الاحتمال -الذي يحدث حاليا في 2009- قد يكون مؤقتا وعابرا حيث القدرة الإضافية الإجمالية المطلوبة لعام 2030 جوهرية وكبيرة إذ تتوقع أوبك إضافة 18 م ب/ي من طاقة التقطير و10 م ب/ي من التحويل و22 م ب/ي لمعالجة وتحسين المنتجات.

لذا فإن أوضاع صناعة التكرير تبقى واعدة على الرغم من أنها لا تبدو جيدة في المستقبل القريب والمتوسط. وستكون الاحتياجات الاستثمارية لعام 2030 في صناعة التكرير كما تقدرها أوبك حوالي 780 مليار دولار، ليشكل رقما مذهلا على أمل أن يكون هامش التكرير داعما لهذا النوع من الاستثمار وجعله متاحا في الوقت المحدد. وقد يكون بالإمكان تخفيض هذا المبلغ نظرا للانخفاض الحاد في كلف المواد والمشاريع الهندسية الذي نشهده في الفترة الأخيرة بسبب الأزمة الاقتصادية.

والواقع أن من المعقول أن نتفق مع أوبك على أن النظام العالمي في الطاقة والنفط سوف يزداد تعقيدا وأن الترابط بين الدول والحاجة إلى مزيد من التعاون سوف ينموان أيضا. ولذلك فإن "الحوار المتسم بالواقعية والتعاون بين جميع الجهات المعنية هو الطريق إلى الأمام" للحفاظ على استقرار السوق النفطية وضمان إمداداتها في خدمة الاقتصاد العالمي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة