الإسلام السياسي واستحقاقات المرحلة القادمة   
الاثنين 5/3/1427 هـ - الموافق 3/4/2006 م (آخر تحديث) الساعة 16:16 (مكة المكرمة)، 13:16 (غرينتش)


تركي علي الربيعو

إذا كانت الحرب على الإرهاب قد قادت إلى هزيمة الإسلام السياسي، فإن هزيمة الإسلام السياسي فجرت المكبوت من الأسئلة وفي مقدمتها التساؤل العريض: ما مستقبل الإسلام السياسي بعد هذه الحرب؟

وبعد هذه الحملة الشاملة والأجندة الأميركية التي شهدت تعاونا لوجستيا بين بعض حكومات المنطقة العربية والإسلامية عموما والإدارة الأميركية، إذ قدمت هذه الدول نفسها كنموذج يحتذى به في الكيفية التي تعاملت بها مع الحركات الإسلامية الراديكالية المعتدلة والجهادية وقدرتها على ترويضها أو اجتثاثها؟

وهل كتبت أولى حروب القرن هزيمة الإسلام السياسي كما يبشرنا بعض المثقفين العرب الراديكاليين؟ وبالأخص هزيمة التيار الجهادي الأكثر غلوا وتطرفا والممتد من الجزائر إلى أفغانستان الذي سيجد نفسه في حالة حصار يسد عليه كل المنافذ على مدى عدة عقود قادمة؟

إن حالة الحصار لن تطاله وحده، بل ستطال التيار الإسلامي المعتدل الذي يظهر كوريث شرعي للتيار الإصلاحي الممتد من الأفغاني إلى محمد عبده إلى حسن البنا، والذي قدمته أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول على طبق من ذهب للإدارة الأميركية لتفتك به على مرأى من العالم كما يقول منتصر الزيات؟

وفي هذا السياق الجديد الذي يطرح على بساط البحث مستقبل الإسلام السياسي فإن التحدي الذي واجهه الإسلام السياسي منذ عدة عقود والذي يواجهه الآن هو هل سيتعصرن الإسلام السياسي أم أنه سيتكيف؟

"
فشل الأنظمة الحاكمة في دول الشرق الأوسط في تطوير مجتمعاتها لتصبح مجتمعات مدنية تحكمها المؤسسات، سوف ينتج عنه بالضرورة وصول الإسلاميين إلى الحكم
"
بصورة أدق: هل ستصبح الديمقراطية منهجا يقطع مع مفاهيم "جاهلية القرن العشرين" التي دفعها سيد قطب إلى الواجهة ليجعل منها مرجعية ينهل منها الإسلام السياسي الراديكالي وإطارا عند أغلب التيارات الراديكالية الإسلامية التي لا تزال تستقي مرجعيتها من النهج القطبي في رؤية الذات والآخر؟

في رأيي أن الباحث في مستقبل الإسلام السياسي وما أقل البحوث والتساؤلات هنا، وفي إمكانية قيام تيار إسلامي سياسي معتدل، وهو موجود، يجد نفسه يكافح ضد تلك التأويلات التضييقية التي تطال ظاهرة الإسلام السياسي وتتكاثر على طرقات خطابنا العربي المعاصر كفطر ذري سام، وعلى طرقات الخطاب الإعلامي السائد في الغرب الذي لا يميز بين فاطمة المرنيسي وأسامة بن لادن، بين محمد أركون وأي ناشط إسلامي في مجال الإسلام السياسي.

وأخص من تلك التأويلات التأويل الاستشراقي التقليدي الذي يصر على أن المصحف وجه آخر للسيف، وأنه القناع والوجه معا، وأن الدين الإسلامي هو دين الغلو والتطرف والإرهاب كما تشهد على ذلك الرسوم الكاريكاتيرية التي طالت الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وبالتالي فهو غير قابل للتطور.

وهذا ينسجم مع أطروحات بعض القساوسة الأميركيين التي تجعل من الإسلام دينا للإرهاب، وهو ما يجعل المجتمعات العربية عاجزة عن علمنة نفسها وعن دمقرطة الحياة السياسية، وبالتالي يحكم على الإسلام السياسي بعدم القدرة على العصرنة والتكيف.

هذا التأويل أو الرؤية ما يزال يغزو بتحليلاته السطحية الخطاب العربي المعاصر، كما تعبر عنه التقارير الإستراتيجية الصادرة عن مراكز فكرية هامة، وهو الذي نعثر عنه في كتب نبيل عبد الفتاح المتخصص في الإسلام السياسي "الوجه والقناع، 1995" و"المصحف والسيف، 1984" و"النص والرصاص، 1997".

وقد خلص إلى نتيجة تعلن عن فشل الإسلام السياسي وانتفاء هذه الظاهرة، وهو يلتقي مع أطروحة الباحث الفرنسي أوليفيه روا عن "فشل الإسلام السياسي" التي سيتراجع عنها لاحقا.

التأويل الثاني الذي يمتزج فيه التأويل بالتحليل يركز على البعد السوسيولوجي للحركات الإسلامية الراديكالية، وبالأخص الجهادية التي لا تزيد عن كونها حركات ريفية هدفها ترييف المدينة.

هذا التأويل/التحليل يظل مضمرا أيضا بالنزعة الاستشراقية الكريهة التي تربط الإسلام بالبداوة، لنقل بالخيمة والقبيلة، ولاحقا بالبداوة النفطية.

وهذا التحليل نعثر عليه جيدا في خطابات التقدميين العرب مثل محمود أمين العالم وبالأخص محمد حافظ ذياب في كتابه الشهير "سيد قطب: الخطاب والإيديولوجيا 1988" الذي أذكى فيه مزيدا من التحليلات الإيديولوجية/السوسيولوجية لظاهرة الإسلام السياسي في مصر، التحليلات التي قدر لها أن تغزو مفردات الخطاب التقدمي العربي في محاولاته لفهم الظاهرة.

وأخص هنا محاولات الدكتور محمد جابر الأنصاري في فهم الظاهرة سوسيولوجيا ثم التحول عنها (انظر كتابه: في مساءلة الهزيمة، 2001).

أما التأويل السائد الآخر فهو التأويل/التحليل التنموي الذي يعجز عن فهم ظاهرة الإحياء الديني في العالم الإسلامي، ولذلك فهو يجعل من الظاهرة رد فعل عاجز يتسم بالجمود والانحطاط على فشل اليسار التقدمي العربي عموما في إقامة جنة الاشتراكية وواحة الديمقراطية.

ولكنه لا يخلو من وجاهة ومن ترحيب لدى بعض أوساط الخطاب العربي المعاصر وفي خطابات بعض المفكرين الغربيين الذي يبدون حماسا تحكمه إرادة معرفة في محاولة فهمهم لظاهرة الإسلام السياسي.

"
الإسلام السياسي الراديكالي يملك القدرة على التكيف والعصرنة كما تشهد على ذلك الانتخابات الأخيرة في فلسطين المحتلة التي قادت إلى فوز حماس، وكذلك الانتخابات المصرية الأخيرة
"
وهذا التحليل يلقى الترحاب أيضا من قبل رجال الإدارة الأميركية الذين يرون أن فشل الأنظمة الحاكمة في دول الشرق الأوسط في تطوير مجتمعاتها لتصبح مجتمعات مدنية تحكمها المؤسسات، سوف ينتج عنه بالضرورة وصول الإسلاميين إلى الحكم.

من هنا جاء تفاؤل بعض المثقفين العرب اليساراويين على حد تعبير محمد عابد الجابري، بأن الحقبة القادمة سوف تشهد تغييرات راديكالية جذرية تقوم بها الولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط، تنتج عنها تغيرات ديمقراطية كبيرة.

وهذا التفاؤل في غير محله، لأن تاريخ الولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط هو تاريخ مجموع مؤامراتها وتاريخ انحيازها للكيان الصهيوني (يأسف إدوارد سعيد لغياب هذا المصطلح عن الأدبيات السياسية العربية المعاصرة).

أضف إلى ذلك أن على المرء أن يكافح ضد التفسير المؤامراتي السياسي الذي يجعل من الإسلام السياسي صنيعة أميركية، كما هو السائد بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول الدامي وقبله بكثير، الذي وجد تعبيره في أسامة بن لادن وفي تنظيم القاعدة باعتبارهما صنيعة أميركية لا لبس حولها.

وهذا التفسير أقل ما يقال عنه أنه لا يستحق حتى عناء التفكير فيه، فابن لادن وجماعة القاعدة على مشاربها هم أبناء شرعيون للحركة الإسلامية السلفية، التي نشطت في بلدان الخليج والمشرق العربي وكذلك المغرب العربي ونتج عنها قادة عظام من الأفغاني إلى الشيخ راشد الغنوشي وآخرين لا مجال لذكرهم الآن، وتميز داخلها رجال متنورون مثل علي عبد الرزاق ورضوان السيد وفهمي هويدي.....إلخ من قائمة طويلة.

ونتج عنها أيضا الكثير من دعاة التطرف والغلو، من سيد قطب إلى بن لادن الذي يشهد خطابهما على أزمة حادة ينقسم فيها العالم إلى دارين، دار الإسلام ودار الجاهلية، حيث يقودنا هذا الخطاب إلى ما سمّاها الجابري بالمعادلة المستحيلة الحل، إما نحن وإما هم، فلا نهضة لنا إلا بغياب الآخر.

وهذا ما عبرت عنه تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول الدامي، التي أسهمت بشكل كبير في مصادرة الإسلام والإسلام التنويري لصالح الفهم الفوضوي الذي مارسه ابن لادن في رؤيته للعالم، باعتباره مظهرا من مظاهر الفوضى التي تعم العالم على حد تعبير صلاح الدين الجورشي.

وباعتباره موقفا لا أخلاقيا هو بمثابة رد فعل على لا أخلاقية العالم الذي تحكمه العولمة على حد تعبير الفيلسوف الفرنسي جان بودريارد في تناوله لأحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول الدامي.

في كتابه "النص والرصاص، 1997" الذي يعد من وجهة نظرنا انحيازا للسلطة على حساب الإسلام السياسي، وميلا للإيديولوجية على حساب إرادة المعرفة، يرى نبيل عبد الفتاح "أن الحالة الدينية المصرية لا تزال مجهولا على مستوى المعرفة".

وهو يعزو هذا الجهل إلى أمور عدة، أولها التركيز على عوامل نشوء الظاهرة الإسلامية السياسية فقط وتقسيماتها التنظيمية، واتجاهاتها الإيديولوجية، ومواقفها وسياستها تجاه الدولة، ومن ناحية أخرى، التركيز على أمور عدة منها سياسات الدولة الأمنية وسياسات الحركة الإسلامية تجاه الدولة، أو دراستها كحركة اجتماعية، أو تحليل لرؤى الصحافة المصرية حول الجماعات الإسلامية السياسية.

وهذا المنحى التحليلي يوظف نظام تفسير شمولي يعتمد على مقالات عامة تفسر الظواهر، مما يؤدي إلى إعادة إنتاج المقولات العمومية الطابع ومن ثم لا تفسر شيئا.

وثانيها: تركيز بعض الدراسات الأكاديمية على ظواهر العنف السياسي وفي قلبها العنف ذو الوجوه الدينية والطائفية.

"
ثمة إمكانية كبيرة يشهد عليها الواقع وتشهد عليها خطابات المتنورين والأحزاب الإسلامية المختلفة ترجح كفة التحول باتجاه التعددية الديمقراطية وحضارة العصر وبالتالي التكيف مع العصر وقيمه بدلا من شتمه والانزواء عنه
"
ويمكن القول -مع قدر من الاحتياط- إن الدراسات في هذا الحقل لا تزال في طور أولي، ولا تزال تقع في دائرة العلوم السياسية ومناهجها المتعددة النظمية والسلوكية، أو من خلال استخدام منهج محدد، كتحليل المضمون.

وتفتقر هذه الدراسات إلى توظيف مناهج علم الاجتماع والإنثربولوجيا، أو التحليل الثقافي، أو التحليل الهرمنطيقي.

ومن ثم لا يزال الحقل العلمي للجماعات الإسلامية، وغيرها من ظواهر الحالة الإسلامية يفتقر إلى أمور عدة، ولا تزال الصور النمطية والطابع التأملي حول الظواهر الدينية السياسية هي السائدة، مع غلبة نزعات الهجاء..الخ.

أعود للقول، إنه إذا كانت الحالة الدينية بظواهرها المتعددة لا تزال مجهولا على صعيد المعرفة، فإن التساؤل عن مستقبل الإسلام السياسي بعد الغزو الأميركي لأفغانستان، وبعد احتلال العراق يحمل نوعا من المخاطرة والمجازفة والرهان على المجهول.

ومع ذلك أرى أن الإسلام السياسي الراديكالي يملك القدرة على التكيف والعصرنة كما تشهد على ذلك الانتخابات الأخيرة في فلسطين المحتلة التي قادت إلى فوز حماس، وكذلك الانتخابات المصرية الأخيرة.

وهناك دلائل عديدة ووثائق فكرية تشير إلى هذا التحول الذي سبق أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول بكثير.

فقد التزمت أحزاب إسلامية كثيرة بالنهج الديمقراطي وأخذت به كما هو الحال في تركيا وإيران ومصر والأردن وكذلك جماعة الإخوان المسلمين في سوريا كما عبرت عن ذلك بوثيقة الإخوان المسلمين التي توجهت بها إلى السلطة.

وفي موازاة هذا التحول حدث تحول فكري داخل هذه الجماعات يطالب بالقطيعة مع النهج القطبي نسبة إلى سيد قطب رحمه الله والتأسيس لنهج ديمقراطي جديد، كما دعا إلى ذلك راشد الغنوشي في كتابه "الحريات العامة في الدولة الإسلامية، 1993" وإلى تجاوز نهج الفوضى الذي يقوم على نفي الآخر.

فالمطلوب كما يرى خالص الجلبي هو "إيجاد الآخر لا إلغاؤه" والمطلوب أيضا زحزحة الكثير من المفاهيم الملتبسة وأولها مفهوم إفلاس الحضارة الغربية.

ما أود أن أصل إليه أنه إذا كانت هزيمة الإسلام السياسي الراديكالي تظهر بمثابة نتيجة لمظاهر الفوضى والتأزم الحاد الذي حكم الكثير من الخطابات الراديكالية الإسلامية، ومنها خطاب بن لادن، فإنني أرى أن ثمة إمكانية كبيرة يشهد عليها الواقع، وتشهد عليها خطابات الكثير من المتنورين والأحزاب الإسلامية المختلفة نهجا وتفكيرا مع ما مضى، وهي ترجح كفة التحول باتجاه القبول بالتعددية الديمقراطية وبحضارة العصر وبالتالي التكيف مع العصر وقيمه بدلا من شتمه والانزواء عنه.

وهنا يصدق ما تراه الصحفية الأميركية جويس ديفيز المختصة بالإسلام السياسي من أن التهديد القادم لا يتمثل في العنف بل في صناديق الانتخاب؟.
__________________
كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة