خَطَل استدعاء "الفقه" في الصراع السياسي   
الأحد 1435/6/7 هـ - الموافق 6/4/2014 م (آخر تحديث) الساعة 17:15 (مكة المكرمة)، 14:15 (غرينتش)
معتز الخطيب

لم يكن حُكم محكمة جنايات المنيا في مصر بإحالة 529 من أنصار وقيادات الإخوان إلى مفتي الجمهورية صادما لذويهم فقط، بل أحالت أيضا إلى إشكالات بالغة التعقيد.

فتلك الإحالة التي تتم -عادة- تمهيدا للإعدام تكاد تكثف مشهدا معقدا ومفتوحا على أسئلة لم يتم التفكير فيها، كمشروعية استدعاء "الفقه الإسلامي" في سياق الصراع السياسي على السلطة، ووظيفة فقيه اليوم في الدولة القائمة وعلاقته بأجهزتها، وتمثيليته التي تتوزع بين الشرع والفقه وسلطة النظام أو جهاز الدولة، والعلاقة بين الفقه الإسلامي "التاريخي" وجهاز القضاء الحديث.

كل هذه الأسئلة أثارها تعليق "سعد الدين الهلالي" رئيس قسم الفقه المقارن بجامعة الأزهر على حكم محكمة جنايات المنيا، فقد أيّد الحكم قائلا: "هنيئا لهذا القاضي فقد أراح ضميره".

ووصف القضاء بأنه "شامخ فقد أصدر حكمه بعيدا عن هذا الإرهاب"، ولم يكتف بهذا التأييد بل استدل له فقهيّا بالقول: "إن أكثر الفقهاء يقولون: إن الجماعة تُقْتَل بالواحد"، وإنه "في الفقه الإسلامي إذا أصدر القاضي حكمه يُنفذ فورا دون حاجة إلى تعقيب أو استئناف".

من الواضح اليوم  حجم الإشكال الذي يضع فيه الفقهاءُ الفقهَ الإسلامي، فأحيانا يوضع في سياقٍ يكون فيه أداةً من أدوات الاستبداد السياسي والقهر، وتارة في سياق يكون فيه أداة للثورة تجعل من كل فعل ثوري جهادا في سبيل الله

اشتُهر "الهلالي" بين العامة بخطابه الشهير الذي قال فيه: إن وزيري الدفاع والداخلية المصريين "رسولان من عند الله" كموسى وهارون بعثهما الله، كما اشتُهر بفتاواه "الشاذة" عند عامة العلماء، لكن "الهلالي" يحظى لدى بعض أهل العلم بتقديرٍ لبعض إنتاجه العلمي المميّز ككتابه عن "البصمة الوراثية" ولمنصبه العلمي الرفيع، وهذا ما يجعل من الصعب تفسيرَ مواقفه بمجرد القول: "إنه ممالئ للسلطة أو إن فتاواه شاذة".

الأمر نفسه يقال بشأن علي جمعة مفتي مصر السابق وأحمد الطيب شيخ الأزهر وآخرين أيدوا سلطة مبارك والانقلاب معا، وصدرت عنهم فتاوى مناهضة للثورات ومبيحة لسفك الدماء صراحة أو ضمنا.

فكيف لهذه المنهجية الفقهية ولسَمْت العلم أن يؤدي إلى مثل هذه المواقف الفجة؟ وهل يعود ذلك على المنهجية الفقهية نفسها بالتشكيك وأنّ فيها مَطمعًا لكل راغب؟

يعود الإشكال الرئيسي اليوم إلى استدعاء الفقه في سياق غير السياق الذي أنتجه، وفي سياقٍ غيرِ السياق الذي وُضع له، وإنما هو استدعاء انتقائي أو يتم تركيبه بحسب مراد هذا الفقيه أو ذاك.

فمن الواضح اليوم -خصوصا في سياق الفقه السياسي والثورات- حجم الإشكال الخطير الذي يضع فيه الفقهاءُ الفقهَ الإسلامي، فقد بات يوضع تارة في سياقٍ يكون فيه أداةً من أدوات الاستبداد السياسي والقهر: قتلا وتعذيبا وقضاء، وتارة في سياق يكون فيه أداة للثورة تجعل من كل فعل ثوري جهادا في سبيل الله، وثالثة في سياق غُربة عن الأعراف والحاجات الاجتماعية ليبدو غير صالح للتطبيق ومحلَّ نكير، وفي المحصلة تتعمق إشكاليات الفقه اليوم في هذه السياقات وغيرها.

لِنعُد إلى مثال "الهلاليّ" لتتضح الفكرة، فالهلالي يدعو -باستمرار- إلى "حرية الاختيار الفقهي" وإن خالف المذاهب المعروفة والمستقرة مع أن الفتوى بالرأي الواحد الحق أو الراجح أو المُجتَمَع عليه مذهبٌ واختيارٌ من بين الاختيارات الفقهية القديمة.

كما يدعو -باستمرار- إلى ذِكر الخلاف الفقهي وهو ما لا يَصلح تطبيقه في مسائل الشأن العام خصوصا في حالة الإعدام التي دافع عنها باستماتة دون أي تَحَوُّط أو رعاية لقانون الخلاف (لَأَن تُخطئ في العفو خيرٌ من أن تخطئ في العقوبة).

و"الهلالي" ينفي عن الدولة أن تكون لها وظيفة دينية مع أنه جعل لوزيري الدفاع والداخلية وظيفة دينية كوظيفة الرسل. والأهم من هذا كله أن استدعاءه للفقه وقع من جهتين: الأولى أن الجماعة تُقتَل بالواحد ليسوّغ حكم القاضي بإعدام المئات بتهمة قَتْلهم رجلاً واحدًا، والثانية: أن حُكم القاضي في الفقه الإسلامي واجب النَّفَاذ ولا يُنقَض ولا يُستأنَف، وذلك ليؤيد القاضي ويمتدح القضاء والقاضي معًا وليقطع الطريق على نقد الحكم أو الطعن فيه.

هذا الاستدعاء الانتقائي والمُسَيَّس للفقه الإسلامي من "أستاذ للفقه المقارن" لا يعود على المنهج الفقهي بالإشكال أو التشكيك، بقدر ما يعود على هذا الاستدعاء نفسه في سياقٍ مفارِق كليا للحكم الفقهي ومجال تطبيقه.

ويستدعي ذلك ما يسميه الفقهاء "تحقيق المناط"، وهو في عصرنا أوسعُ مما حدّه الفقهاء مع وجود جهاز الدولة شديد التعقيد، والذي يجعل من تنزيل الأحكام الفقهية على ما يَصدر عن جهاز الدولة القهرية غريبًا عن الفقه الإسلامي نفسه وعن مقاصده.

صادَقَ "الهلالي" على حكمِ غيرِه وتَحَمّل حِمْلَه، فهو لم يطلع على ملف الدعوى ولا نظر في الأدلة والبراهين ليعرف هل أصاب القاضي أم أخطأ، ولكنه استرسل مع جهاز الدولة فاعتبر أن كل ما يَرِدُه عنها من أحكام كاف لإثبات صحة الحكم

صحيحٌ أن حكم القاضي إذا صدر كان واجب النفاذ في الماضي قبل نشوء الدولة ومؤسساتها، وكذلك مسألة "الخروج على ولي الأمر" هي سابقة على نشأة كيان الدولة التي يدافع هؤلاء عنها وعن نُظمها المستبدة، ولكن مع نشأة الدولة ومؤسساتها تَغَير السياق كليًّا تَغَيرا جعل من استدعاء أو تطبيق أحكام الفقه الإسلامي التاريخية على هذا الواقع أمرا معاكسا لإرادة الفقهاء السابقين وأحكامهم ولمقاصد الفقه نفسها.

اشترط الفقهاء (الذين ينقل الهلالي عنهم) في القاضي أن يكون (مجتهدا) وفق تعريفهم المضَيَّق للاجتهاد، فهذا هو القاضي الذي قالوا عنه: إنه لا يُنقَض حكمه وليس قاضي محكمة جنايات المنيا الذي لو طبقنا عليه شروط الفقهاء لَثَبت عدمُ أهليته للقضاء، ولكن لما ضعُفت أهلية القضاة ولم يتوفر المجتهدون -على اصطلاحهم- خففوا فاشترطوا أن يكون مجتهدا في مذهب إمامه، ثم خففوا فاشترطوا أن يكون مقلدا لإمام من الأئمة بحيث يعرف أقوال الإمام وراجح المذهب ومشهوره، (طبعا لن نسأل الهلالي عن مرجعية قاضي المنيا).

ثم لما صار القضاة اللاحقون (قضاة ضرورة) صار للتقاضي درجاتٌ متعددة تعوض هذا النقص أو الخلل الذي قد يطرأ على حكم القاضي، فصارت هناك محكمة الدرجة الأولى، ثم محكمة الاستئناف، ثم محكمة التمييز أو النقض أو المحكمة العليا على اختلافٍ في التسمية، وهي ثلاث درجات للتقاضي. فاجتهاد القاضي الذي لا يُنقض -عند الفقهاء- هو فيما سبق تاريخيًّا وعلى هذه الشروط وذلك الوصف.

تعليق "الهلالي" على الحكم القضائي هو تَدَخُّلٌ في الأحكام القضائية التي يرى هو نفسه أنه لا ينبغي التدخل فيها لأنها تقع خارج دائرة الاختيار الفقهي الحرّ، وقد خَلَط بين الفقهي والقضائي، فالقاضي (في الفقه الإسلامي) محكومٌ بالبينات والأدلة والقرائن التي لا يجوز له أن يُصدر حكمه إلا بناء عليها، فهو لا يقضي بعلمه ولا بضميره (أراحه أم لم يُرِحْهُ!)، ما لم تتوفر الأدلة الكافية.

ولكن "الهلالي" صادَقَ على حكمِ غيرِه وتَحَمّل حِمْلَه، فهو لم يطلع على ملف الدعوى ولا نظر في الأدلة والبراهين ليعرف هل أصاب القاضي أم أخطأ، ولكنه استرسل مع جهاز الدولة فاعتبر أن كل ما يَرِدُه عنها من أحكام كاف -بمجرده- لإثبات صحة الحكم.

ومما يوضح خطورة الاستدعاء الانتقائي (أو الانتقامي) للفقه الإسلامي في سياق الصراع السياسي، استدعاء الهلالي للمسألة الفقهية الشهيرة "قتل الجماعة بالواحد"، وهي مسألة فيها خلاف قوي في الفقه، ولكن الكثيرين الذين قالوا بأن الجماعة تُقتَل بالواحد لم يريدوا الإطلاق، فقد اشترطوا لذلك أن يكون فعلُ كل واحد منهم صالحا -وحدَه- للقتل.

وهذا الشرط أغفله "الهلاليّ"، كما أغفل أن هذا الخلاف القويّ في الفقه لا يَتَخير منه القاضي على هواه في مسألة عظيمة كالدماء. طبعا لن نسأل الهلالي عن تطبيقات القضاء المصري لهذا الحكم في كل وقائع القتل التي وقعت من أجهزة الدولة منذ ثورة يناير وحتى الآن، والتي يمكن لها أن تُودي بحياة كتائب من الجيش المصري والأمن.

لا يقف فعلُ الثورات "الكشفيّ" عند حدود كيفية اشتغال العقل الفقهي وصلاحية معرفته "التاريخية" للتطبيق في سياق الحاضر بكل تعقيداته وتَعَدُّد مجالاته فقط، بل يتجاوزه إلى جهةٍ كانت خفية أو مستترة وهي أن هؤلاء المختصين فيه "بشرٌ" يتنازعهم ما يتنازع غيرهم من رغبات وشهوات واختيارات شخصية بحتة، وهي المصطَلَح عليه بـ"الهوى".

ومن مظاهره تَرْكُ الانضباط المنهجي والتقلب في الحكم الواحد لا عن تَغَيُّر اجتهاد، وقد وقع هذا لهؤلاء الثلاثة أنفسهم: الطيب وجمعة والهلالي، فقد سبق للهلالي أن ذمّ المتظاهرين المؤيّدين لمرسي بقوله (2014): "أولئك مَن خرجوا علينا وقدّمنا في مواجهتهم التضحيات" في سياق حديثه عن الوزيرين "الرسولين"، مع أنه سبق له بعد ثورة يناير أن دافع عن "جواز" التظاهر واحتج له بأدلة عدة وردّ على من يمنعون التظاهر (صحيفة الجمهورية 21-22/2/2011) كما اختار مشروعية الإضرابات العمالية في كتابه عن الفقه السياسي (2011).

من المفيد أيضا قراءة تلك الفتاوى والمواقف بالنظر إلى العلاقة بين الفاعلين الآخرين في المؤسسة الدينية وعلاقتهم بنظام السلطة، فالعلاقة بين الرموز الثلاثة يسودها توتر له خلفيات ومظاهر عديدة تدور في الغالب على المناصب الدينية.

ما عرضناه يبين سلامةُ المنهج الفقهي في أصله التاريخي، لأنه يشكل منظومة متكاملة أُنتجت في سياقها ولسياقها، وأن الترقيع الذي يتم لا ينتمي لا إلى الفقه التاريخي ولا إلى المنهج الفقهي

فقد كان الطيب وجمعة يتنافسان على مشيخة الأزهر في عهد مبارك، وشيخ الأزهر كان عضوا في "الحزب الوطني" المخاصِم للإخوان ولذلك اتسمت علاقته بمرسي بالحذر والتوتر، ثم لمّا انتهت مدة المفتي علي جمعة التقت مصالح الإخوان مع شيخ الأزهر فلم يتم التمديد للمفتي.

وكذلك العلاقة بين جمعة والهلالي اتسمت بالتوتر مع دخول "الهلالي" في المنافسة على منصب "المفتي"، فقد كتب "جمعة" تقريرا لمجمع البحوث شنّ فيه هجوما شديدا على كتاب "الهلالي" (الإسلام وإنسانية الدولة)، ما دفع "الهلالي" للرد عليه في أكثر من مناسبة.

ولما اشتد التنافس على منصب الإفتاء انسحب مرشح الإخوان فتَنَافس "شوقي علّام" مع "الهلالي"، فمال شيخ الأزهر إلى "علام" لأن علاقته بـ"الهلالي" كانت متوترة فقد وبخه على فتاواه الشاذة (نشرها موقع الأزهر نفسه)، ثم انتقده في تشبيهه للوزيرين بالرسولين فردّ الهلالي بأن شيخ الأزهر فعَل من قبلُ فعلَه حين شبّه البابا بالمسيح، ثم لما اختيرت لجنة الخمسين لتعديل الدستور عُين فيها "الهلالي" مستقلا وليس ممثلا عن الأزهر وهو منه، فوجدها فرصة لانتقاد بَند تحصين منصب شيخ الأزهر من العزل.

يكاد هذا كله يفسر ذلك الاسترسال مع السلطة بالدفاع عن مواقفها دون أدنى مسافة فاصلة بينهم وبينها أو حتى اختلاف مع بعض تصرفاتها وهو الحد الأدنى اللازم، وهو ما يشير إلى وجود تنافس بينهم في خلفية المشهد، الأمر الذي تستثمره السلطة السياسية عن وعي وقصد.

يتبين بهذا سلامةُ المنهج الفقهي في أصله التاريخي، لأنه يشكل منظومة متكاملة أُنتجت في سياقها ولسياقها، وأن الترقيع الذي يتم لا ينتمي لا إلى الفقه التاريخي ولا إلى المنهج الفقهي.

فالقواعد المنهجية الحاكمة لهاتين الجهتين اللتين ذكرناهما -استدعاء الفقه في غير سياقه، واتباع الهوى- هي: أن كل من ابتغى في تكاليف الشريعة غيرَ ما وُضعت له فقد ناقَضَ الشريعة، وأن اتباع الهوى في الأحكام الشرعية طريقٌ للاحتيال عليها حتى تصير الأحكام "كالآلة المُعَدَّة لاقتناص أغراض المفتي"، وأن العلم المعتَبَر شرعا هو ما بَعَث على العمل المانع صاحبَه من اتباع هواه، وهو ما صار كالوصف الثابت لا يَتَصرف صاحبه إلا على وفقه اعتيادا، وهذا من عظيم فقه الإمام الشاطبي رحمه الله.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة