حماس وفتح وأزمة المشروع الوطني الفلسطيني   
الأربعاء 26/12/1434 هـ - الموافق 30/10/2013 م (آخر تحديث) الساعة 16:55 (مكة المكرمة)، 13:55 (غرينتش)
مؤمن بسيسو



كشف خطاب إسماعيل هنية، رئيس حكومة غزة ونائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، مؤخرا، وتداعياته المباشرة، عن عمق الأزمة التي يعاني منها المشروع الوطني الفلسطيني.

(1)

في موقفهم إزاء الخطاب انقسم الفلسطينيون إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول، يتمثل في حركة فتح وحلفائها، الذين لم يروا في الخطاب أي جديد، بل عدّوه خطابا استهلاكيا منفصلا عن الواقع.

أما القسم الثاني، فيكمن في بعض الفصائل التي رأت في الخطاب عناصر إيجابية واضحة يمكن البناء عليها لجهة إنهاء الأزمة الفلسطينية الداخلية وطيّ صفحة الانقسام السياسي والجغرافي الذي يهيمن على حياة الفلسطينيين منذ منتصف عام 2007.

فيما يتمثل القسم الثالث في المؤيدين للخطاب بلا تحفظ من أبناء حماس وأنصارها، الذين رأوا فيه خارطة طريق لعبور المرحلة القادمة.

لئن شئنا الموضوعية السياسية فإن قراءة خطاب هنية بدقة وتمعن تكشف عن إمكانية عالية لالتقاط اللحظة التاريخية الراهنة واستثمار توجّه حماس وفقا لمنطوق الخطاب الذي جاء مرنا وانسيابيا، بما يفتح مدخلا واسعا لإحداث التقارب الداخلي

بيت القصيد في إطار جملة المواقف وردود الفعل يكمن في المعالجة السلبية التي اشتمل عليها موقف فتح وحلفائها، والتي انطوت على قوالب جاهزة وردود فعل مسبقة التجهيز، ولم يشذّ عن ذلك سوى القيادي سفيان أبو زايدة الذي قدم رؤية شخصية مهمة ذات سمت إيجابي تنم عن قراءة واعية لفحوى ومضمون الخطاب.

ولئن شئنا الموضوعية السياسية فإن قراءة خطاب هنية بدقة وتمعن تكشف عن إمكانية عالية لالتقاط اللحظة التاريخية الراهنة واستثمار توجّه حماس وفقا لمنطوق الخطاب الذي جاء مرنا وانسيابيا، بما يفتح مدخلا واسعا لإحداث التقارب الداخلي واستعادة التوافق الوطني الفلسطيني المنشود.

ومن هنا فقد أحسنت العديد من القوى والفصائل الهامة على الساحة بتوصيف الخطاب، ودعوتها الرئيس عباس وحركة فتح لاستثماره والبناء عليه.

فليس مطلوبا أن تتقدم حماس برؤية جامعة تتطابق بشأنها المواقف ووجهات النظر الفصائلية الفلسطينية المختلفة، بقدر ما تشتد الحاجة الفلسطينية اليوم إلى استدعاء نقاط الالتقاء والتوافق والتركيز الإيجابي على القواسم المشتركة التي حواها الخطاب، والتي تؤسس -بكل موضوعية- لأرضية توافقية تنهي الشرذمة الفلسطينية الحالية، وتخرج الفلسطينيين من عنق الزجاجة الذي يوشك أن يطيح بقضيتهم العادلة في ظل مخططات التصفية والتهويد والاستيطان الإسرائيلية التي تتربص بهم وتبتلع أرضهم وتسرق مقدراتهم صباح مساء.

(2)

من المستبعد أن ينجح خطاب هنية في تفكيك عقد الأزمة الفلسطينية الداخلية المستحكمة بشكل فوري، أو أن يتمكن من إحداث نقلة نوعية في ملف المصالحة الداخلية على المدى المنظور على الأقل، وإن كان من شأنه إلقاء حجر كبير في بركة المصالحة الراكدة، وإحداث حراك إيجابي معين يزيل بعضا من إحباطات الأشهر الماضية، ويرفع من مستوى الأمل والتوقعات بإنجاز المصالحة والوفاق خلال المرحلة المقبلة.

لا تبدو حركة فتح في عجلة من أمرها للاستجابة لدعوة هنية في ظل المتغيرات الإقليمية الأخيرة، وهي أكثر ما تكون رهانا على تهاوي مقومات الصمود الذاتي التي تملكها حماس وحكومتها في ظل تفكك محور الممانعة، وخسارة بعض الحلفاء، وإفشال تجربة الإخوان، والأزمة المالية المترتبة على هدم الأنفاق الحدودية وتوقف الدعم المالي الإيراني.

يبدو الفارق بين رؤيتي حماس وفتح لآليات الإنقاذ الوطني وحل الأزمة الفلسطينية الداخلية أوضح ما يكون برسم خشية الرئيس عباس وقيادة فتح من الخروج عن طوع "الفيتو" الأميركي إزاء أية محاولة جادة لإنهاء الانقسام الفلسطيني الداخلي من جهة، ورغبتها في تحصين منظمة التحرير من زحف حركتي حماس والجهاد الإسلامي، وإغلاقها في وجه أي محاولة لتغيير بنيتها وتركيبتها التنظيمية أو تعديل مسارها وبرنامجها السياسي من جهة أخرى.

وهكذا، وفي إطار تخفيف حدّة الضغط والمعارضة الأميركية، فإن عباس وفتح يرغبون في قصر مفهوم المصالحة على تشكيل حكومة كفاءات وإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية لا غير، فيما تريد حماس ما هو أكثر من ذلك، وبين هذين الموقفين تراوح الأزمة الوطنية الفلسطينية مكانها، ويبقى الفلسطينيون مجددا على رصيف الانتظار.

الحكومة والانتخابات ركنان مهمان وأساسيان من دون شك، لكن المصالحة الحقة تتطلب علاجا شاملا لكل مسببات الأزمة وبواعث الانقسام، رغم قناعة الكثيرين أن المصالح الفصائلية الضيقة لا تحتمل ولوج درب الشراكة والوفاق ودفع ثمن المصالحة الشاملة.

(3)

تبدو الساحة الفلسطينية أكثر ما تكون حاجة إلى مبادرات عملية لإخراجها من مأزقها الراهن عوضا عن الخطابات اللفظية التي تُرسي الأصول والقواعد النظرية فحسب.

الجانب النظري مهم ومطلوب، ويشكل شطر المسألة الأول، ويمثل الخطوة الأولى على طريق الحل، إلا أنه سرعان ما يفقد بريقه وقيمته إذا لم يتم إلحاقه بالجانب العملي الذي تكتمل به الرؤية الوطنية المتضمنة لآليات الحل المباشر والعلاج الناجز

الجانب النظري مهم ومطلوب، ويشكل شطر المسألة الأول، ويمثل الخطوة الأولى على طريق الحل، إلا أنه سرعان ما يفقد بريقه وقيمته إذا لم يتم إلحاقه بالجانب العملي الذي تكتمل به الرؤية الوطنية المتضمنة لآليات الحل المباشر والعلاج الناجز.

من هنا تشتد الحاجة إلى تقعيد خطاب هنية، الذي يعبر عن موقف حماس الرسمي، على صعيد عملي راسخ عبر بلورة محاوره الرئيسة في أطر وقنوات تنفيذية تضمن ترجمتها على شكل برنامج عمل ينتظم العمل الوطني الفلسطيني إبان المرحلة المقبلة.

انطلاقا من ذلك، ينبغي أن تشهد اللقاءات البينية والحوارات الثنائية بين فصائل الوطني والإسلامي الفلسطيني كثافة نوعية خلال الأيام القادمة، كي يُصار من بعدها إلى تهيئة الأجواء أمام حوار وطني شامل يشهد إسدال الستار على كارثة الانقسام بشكل نهائي، ويبذر بذور الشراكة الوطنية، ويتولى رسم الرؤى والمحددات الكفيلة بإعادة صياغة الواقع الفلسطيني الداخلي على أسس وطنية سليمة.

(4)

لو كنت في موقع هنية لأدرجت ضمن الخطاب كلمة واحدة تعلن استقالة الحكومة في غزة وتضعها بين يدي شعبنا وقواه وفصائله الوطنية والإسلامية، وتشكل بادرة حسن نية تجاه إعلاء فرص نجاح الحوار الوطني.

وهو ما من شأنه أن يدفع باتجاه إحداث نقلة نوعية باتجاه إنجاز ملف المصالحة، وإجبار الرئيس عباس وحركة فتح على تبني خطوات مقابلة تتوّج بإعادة اللحمة بين شطري الوطن الفلسطيني في نهاية المطاف.

ولو كنت مكان الرئيس عباس لأعلنت فور استماعي للخطاب عن إرسال وفد رفيع إلى غزة للمشاركة في حوار وطني شامل، ووضع الترتيبات الفنية لتطبيق اتفاق المصالحة.

فالثابت الأهم في الوعي الفلسطيني أن إنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة الداخلية يحتاج إلى إنفاذ الإرادة الفلسطينية الداخلية فحسب، ووضع المصلحة الوطنية العامة فوق كل المصالح الفصائلية والاعتبارات الشخصية.

في كل الأحوال، فإن حماس ألقت بالكرة في ملعب الرئيس عباس، وكلنا أمل في أن يتدارس الرئيس الموقف بعناية، ويبتدر موقفا شجاعا تجاه إنقاذ الشعب الفلسطيني المنقسم من محنته الكبرى التي يعيش فصولها السوداء حاليا.

(5)

تقف حماس اليوم في إطار علاقتها مع الناس والجماهير داخل قطاع غزة على مفترق طرق.
لقد بلغ الحصار المضروب من القسوة وشدة الألم والمعاناة مبلغا صعبا على المستوى الإنساني والاقتصادي، وبات الناس اليوم في أكثر أحوالهم سوءا وبؤسا وترديا.

لذا، فإن القبول باستنساخ مصاعب وتعقيدات المرحلة الراهنة كي تنسحب على المرحلة القادمة يشكل خيارا صعبا تنتفي معه الصبغة الموضوعية والرؤية المنطقية.

وباستقراء موضوعي بين يدي المرحلة وصعوبتها فإن حماس تجد نفسها اليوم أمام خيارين أساسيين:

الأول، العمل على تلمس الاحتياجات المعيشية للناس في القطاع، وتوفير المساعدات المالية الكفيلة بتأمين الحياة الكريمة لهم ولأطفالهم.

أما الثاني، فيترتب على العجز عن التماس الخيار الأول، ويقود -بالتالي- إلى مضاعفة الجهود الوطنية باتجاه إنجاز صفقة المصالحة مع حركة فتح، بما يدفع باتجاه إنهاء الحصار، فالناس يشكلون -دون جدال- رأس المال الأساسي لأي حركة أو فصيل وطني، ومن أوجب الواجبات استفراغ الوسع من أجل التقرب منهم وحل مشكلاتهم والتخفيف من معاناتهم قدر الإمكان.

الخيار الثاني يشكل الخيار الأنسب وطنيا، والأكثر تماشيا مع ظروف ومعطيات الواقع بغية إعادة تصحيح مسار العلاقة مع الناس، ومواجهة تحديات ومتطلبات المرحلة القادمة.

الحل الإستراتيجي أو العلاج الشامل يقتضي خروجا من نفق أوسلو ونتائجه الكارثية على قضيتنا ومشروعنا الوطني، وإعادة قولبة النظام السياسي الفلسطيني من جديد بما يتناسب مع مهام وظروف مرحلة التحرر الوطني، وتوحيد الرؤى والبرامج النضالية

(6)

في تشخيص وتوصيف أزمة المشروع الوطني الفلسطيني ينبغي الاعتراف، وبدون مكابرة، بأن الساحة الفلسطينية بفصائلها المختلفة وشرائحها ومنظماتها المجتمعية، لا تملك القدرة الناجزة على إتيان الحل الموضوعي الشامل الذي يتولى إعادة صياغة الواقع الفلسطيني، رؤى وبرامج وهياكل، على أسس جديدة وسليمة.

لا مفر من الاعتراف بأن القضية الفلسطينية تعيش حالة ارتكاس غير مسبوقة، وأن بوصلة التحرر الوطني في الوعي الجمعي الفصائلي قد أصابها الزيغ والانحراف لصالح مشروع السلطة الخاضعة لشروط وإملاءات ومحددات الاحتلال.

ولا ريب في أن إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية محليا وإقليميا ودوليا، والاستواء على قيم ومفاهيم التحرر الوطني، في ظل المعطيات والظروف الراهنة، يقتضي الانحياز إلى حلول إستراتيجية شاملة بعيدا عن الإجراءات التكتيكية أو الحلول الترقيعية التي تلامس السطح دون الجوهر، واللوذ بحبل المصالح الوطنية الفلسطينية العليا فحسب، وإعلاء الأجندة الفلسطينية الخالصة، وهذا أمر جلل ومهمة عظيمة دونها الكثير من العنت والجهد والتضحيات.

الحل الإستراتيجي أو العلاج الشامل يقتضي خروجا من نفق أوسلو ونتائجه الكارثية على قضيتنا ومشروعنا الوطني، وإعادة قولبة النظام السياسي الفلسطيني من جديد بما يتناسب مع مهام وظروف مرحلة التحرر الوطني، وتوحيد الرؤى والبرامج النضالية في إطار برنامج وطني فلسطيني مشترك، والاستعداد لدفع ثمن مواجهة المواقف والسياسات الأميركية والإسرائيلية.

وهذا الحل متعذر حاليا بالنظر إلى غياب الإرادة السياسية لدى بعض أطراف المعادلة الفلسطينية، وطبيعة المهام الوظيفية المرتبطة بعمل وأصل نشأة السلطة، ما يقودنا اليوم إلى اجتراح حلول مرحلية متوافق عليها لإيقاف النزف الفلسطيني المستمر، وتشكيل حاضنة وطنية توافقية قادرة على دفع وتعزيز وتطوير رؤى وبرامج ذات طابع إستراتيجي خلال المرحلة القادمة.

وعليه، فإن المصالحة المطروحة برسم التوافق الوطني التي تستحثها الفصائل الفلسطينية اليوم تشكل بداية المشوار، والخطوة الأولى على الطريق فحسب.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة