أيباك.. منظمة أميركية أم عميلة لإسرائيل؟   
الأربعاء 5/5/1435 هـ - الموافق 5/3/2014 م (آخر تحديث) الساعة 17:00 (مكة المكرمة)، 14:00 (غرينتش)
مروان بشارة



نجاح أيباك
إخفاقات أيباك
أيباك وقاحة إسرائيلية

افتتح مؤتمر "ترويج إسرائيل" السنوي في العاصمة الأميركية واشنطن هذا الأسبوع في ظروف استثنائية، حيث خيم على أجوائه الانشغال الأميركي بالشأن الأوكراني من جهة، وإصرار إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما على التفاوض مع إيران وفلسطين بعكس رغبة نتنياهو.

إلا أن كل ذلك لم يؤثر سلبا في مستوى تفاؤل الحاضرين في مؤتمر لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (أيباك) بمستقبل العلاقات الاميركية الإسرائيلية، ويبدو أن لتفاؤلهم سببا وجيها.

إذا كان الشأن السياسي محليا برمته بشكل أو بآخر، فإن انتخابات الكونغرس النصفية المقبلة يمكن أن تعزز قدرة أيباك على لعب لعبة "العصا والجزرة" فيما يتعلق بتركيبة الكونغرس، وخاصة مجلس الشيوخ، وينجر ذلك على تأثيرها في الأجندة التشريعية لواشنطن في السنتين المقبلتين.

تأسست لجنة أيباك في خمسينيات القرن الماضي، ومدّها انتصار إسرائيل في حرب عام 1967 بزخم قوي، وأصبحت أعتى وأكثر جبروتا في منتصف السبعينيات

أيباك في موقع جيد للتأثير في سير حمى المنافسات الانتخابية في عموم الولايات المتحدة. ويتجلى ذلك في ما ذكره رئيس اللجنة المنصرف مايكل كاسِن أمام أعضائها يوم الأحد الماضي حيث قال: بينما تلعب السياسة كعامل "فرقة لأميركا"، فإنها "توحد" اللوبي اليهودي.

وعلينا ألا ننسى أن عقيدة أيباك تضع نصب عينيها هدفا واحدا وقضية واحدة فقط لا غير: إسرائيل.

الرئيس أوباما يعلم ذلك علم اليقين. ولهذا السبب قرر إرسال وزير خارجيته لمؤتمر أيباك وأن يلتقي هو شخصيا مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (والذي أعتقد أنه يبغضه بشدة).

نجاح أيباك
تأسست اللجنة في خمسينيات القرن الماضي، ومدّها انتصار إسرائيل في حرب عام 1967 بزخم قوي، وأصبحت أعتى وأكثر جبروتا في منتصف السبعينيات.

تُعرف أيباك في واشنطن بأنها "اللوبي"، هكذا ببساطة. تاريخيا، استمدت هذه المؤسسة قوتها من عاملين رئيسيين: الأول داخلي، ويتمثل في حضور رؤساء جميع الطوائف اليهودية الرئيسية التسعة والأربعين في الولايات المتحدة في لجنة أيباك التنفيذية، وهي مجموعات تعرف بتنظيمها ونفوذها.

والثاني دولي، ويقوم على أهمية إسرائيل الإقليمية بالنسبة للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط الغنية بالنفط وتضم أعداء الحرب الباردة التقليديين.

وبطبيعة الحال، فإن هذين العنصرين قد مهدا الطريق لتحالف سياسي أوسع وأشمل وأقوى بين اللوبي اليهودي ومجموعات متنوعة المصالح تبدأ من المسيحيين الإنجيليين ولا تنتهي بالمجموعات العسكرية العقائدية، ويكون هذا الطيف بمجمله ما يعرف بـ"اللوبي الإسرائيلي في أميركا".

وتتمتع أيباك بنفوذ في الكونغرس وبرنامجه التشريعي بفضل عامل الضغط الذي تمارسه في العاصمة واشنطن على البيت الأبيض والسياسة الخارجية سواء في الشرق الأوسط أو العالم.

إستراتيجية أيباك هي إستراتيجية مساومة وتبادل مصالح. فهي تساعد المشرعين والمشرعات على الفوز في الانتخابات التشريعية، ومن ضمن ذلك الدعم المالي، وفي المقابل يرد لها على شكل دعم للقضايا التي تهمها.

وبنفس المبدأ، فأيباك تساعد الرؤساء الأميركيين على تمرير برامجهم في الكونغرس باستخدام نفوذها على المشرعين الذين ساعدتهم على الفوز بمقاعدهم التشريعية، ويرد لها هذا الصنيع على شكل دعم البيت الأبيض للقضايا التي تهمها وعلى رأسها إسرائيل.

وقد أثمرت هذه الإستراتيجية بشكل فريد طوال العقود الماضية، حيث دعمت الولايات المتحدة إسرائيل بالمال والسلاح أكثر من أي دولة في العالم.

وبفضل إستراتيجية أيباك هذه -والتي تتبعها أيضا مجموعات ضغط أخرى كذلك- فإن موقع إسرائيل ونفوذها ظل في تعاظم مستمر في واشنطن رغم الإخفاقات الإستراتيجية الكثيرة والفضائح السياسية المتتالية التي شهدتها منذ حرب عام 1973.

لكن من جهة أخرى، فإن الخبراء الإقليميين يطرحون جدلية أخرى وتبدو مقنعة، ومفادها أن إسرائيل أخفقت في تحقيق الجزء المتعلق بها من سياسة تبادل المصالح، على الأقل منذ نهاية الحرب الباردة في أوائل تسعينيات القرن الماضي.

بل يذهب الخبراء إلى أبعد من ذلك بالقول إن إسرائيل أضحت عبئا على الولايات المتحدة أكثر منها عاملا مساعدا.

ولكن، بينما يعتبر سجل أيباك كوكيل لدولة إسرائيل سجلا باهرا، إلا أن هذه المجموعة المبالغة بالثقة بنفسها، قد تسببت في أحيان عدة في تصدع في العلاقات الأميركية الإسرائيلية.

لقد نجحت أيباك بصورة عامة عندما اتخذت موقع العين والرقيب الساهر على مصالح إسرائيل وعلاقتها الوثيقة بالولايات المتحدة.

ولكن عندما لعبت دور عميل إسرائيل الذي لا يتردد بفتح النار على أي منتقد لسياسة إسرائيل القصيرة النظر فيما يتعلق بالأمن والرغبة في التوسع، فإن النتائج كانت في أفضل الأحوال، متباينة.

إخفاقات أيباك
دشنت أيباك بداية كل عقد من العقود الماضية بافتعال أزمة مع البيت الأبيض، بالنيابة عن إسرائيل.
في عام 1981 كانت هناك قضية بيع طائرات الإنذار المبكر (أواكس) للسعودية، وفي عام 1991 مسألة ضمان القروض المتعلقة بإسرائيل، وفي عام 2001 حلف مكافحة الإرهاب الذي أقامه جورج بوش (الابن) مع عدد من الدول العربية، ومنذ عام 2011 قضية التفاوض مع إيران.

لقد كان رونالد ريغان أول مرشح رئاسي يجمع عددا من الأصوات اليهودية لصالحه يفوق ذلك الذي حققه منافسه الديمقراطي، وأصبح بذلك من أشد وأشرس الداعمين لإسرائيل، رافعا مستوى العلاقة معها إلى مستوى حليف إستراتيجي دولي.

ورغم كل ذلك، لم تتردد أيباك في شن هجوم سياسي لاذع ضد إدارة ريغان ووزير دفاعه كاسبر واينبرغر لدعمهم صفقة الأواكس مع السعودية والتي قدرت في وقتها بثمانية مليارات دولار. قامت أيباك حينها بتصعيد القضية، ولكنها خسرت في النهاية خسارة موجعة ومهينة.

بدأت أصوات يهودية ناقدة لأيباك وسياسة إسرائيل التوسعية بالظهور أكثر فأكثر، رغم أنها تبقى أقلية ضمن المجموعات اليهودية المنظمة تنظيما عاليا

إلا أن اللوبي اليهودي استل سيفه من جديد مع بداية العقد اللاحق وتحديدا عام 1991، عندما ربطت إدارة جورج بوش (الأب) ضمانات القروض المقدرة بعشرة مليارات دولار بوقف بناء المستوطنات الإسرائيلية. لقد كان ثمنا بخسا لاستحداث حلف أميركي جديد بعد الحرب الباردة وانتصاراتها في حرب الخليج.

إلا أن أيباك وربيبتها إسرائيل لم يتمكنا من رؤية المشهد من منظور أوسع.

وبعد وقت قصير من فوزه بالانتخابات للمرة الثانية عام 1992، كان التحدي الأول الذي ينتظر رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين هو: لجم أيباك.

وسرعان ما بدأ رابين حملة توبيخ لأيباك -وهو الدبلوماسي والسفير الإسرائيلي السابق في واشنطن- متهما إياها بافتعال أزمات ليس لها معنى مع واشنطن.

وبسرعة البرق، منحت واشنطن ضمانات القروض لإسرائيل، وفي الوقت ذاته تسارعت وتيرة الاستيطان بشكل لم يسبق له مثيل، حتى زاد عدد المستوطنين الإسرائيليين بنسبة 50% خلال فترة حكم رابين بين عام 1992 حتى اغتياله عام 1995.

ومرة أخرى، في أكتوبر/تشرين الأول عام 2001 تبنت أيباك تهديد رئيس الوزراء الإسرائيلي حينها أرييل شارون للولايات المتحدة بأنها جازفت باسترضاء العرب بنفس الطريقة التي جازفت بها دول أوروبا الديمقراطية باسترضاء هتلر عشية الحرب العالمية الثانية.

ذلك الاستفزاز الرخيص، كان بإمكانه أن يتصاعد بسهولة إلى مواجهة سياسية مفتوحة بين الولايات المتحدة وإسرائيل لولا موقف إدارة بوش (الابن) الداعم لإسرائيل حينها، ورغبة واشنطن في التعاون مع إسرائيل في حربها ضد ما يسمى "الإرهاب".

بعد ذلك تكرر هذا السيناريو مرة أخرى عامي 2010/2011 عندما بدأت أيباك مواجهة مع إدارة أوباما حول عملية السلام وبرنامج إيران النووي.

وكان التوتر قد تصاعد في أوائل العام الجاري، بعد أن حاولت أيباك دفع الكونغرس لفرض عقوبات جديدة بما يتعارض مع بنود الاتفاق المؤقت الذي وقع بين إيران ودول 5+1 التي تضم الولايات المتحدة.

ونظرا للدعم الشعبي للاتفاق المؤقت والردع المتمثل بالفيتو الرئاسي، وضعت أيباك خططها بشأن العقوبات جانبا إلى إشعار آخر.

في هذه الأثناء، كانت المعارضة الحقيقية لأيباك لا تأتي فقط من البيت الأبيض، بل من الجالية اليهودية الأميركية نفسها، وهي جالية داعمة لإسرائيل بطبيعة الحال، ولكن لا تحبذ بالضرورة طريقة أيباك.

لقد بدأت أصوات يهودية ناقدة لأيباك وسياسة إسرائيل التوسعية بالظهور أكثر فأكثر، رغم أنها تبقى أقلية ضمن المجموعات اليهودية المنظمة تنظيما عاليا.

وفي هذا السياق، بدأت مجموعات يهودية جديدة مثل جي ستريت بترك بصمتها على المشهد السياسي في واشنطن.

أيباك وقاحة إسرائيلية
وطبقا لما أوردته الصحيفة اليهودية اليومية "فوروارد"، فقد عقد رؤساء المؤسسات اليهودية الرئيسية اجتماعا في القدس مؤخرا مع نتنياهو، وقد قيل لهم في هذا الاجتماع أن "يعودوا إلى المواجهة مع البيت الأبيض فيما يخص زيادة العقوبات، وذلك بعد 11 يوما من إعلان أيباك عن وقف جهودها في هذا الصدد".

يقول نتنياهو خلال حملته الانتخابية عام 2001 "إن أميركا شيء يمكن أن يتم تحريكه بسهولة كبيرة، لنحركها بالاتجاه الصحيح، وسوف لن تقف في طريقنا"

وسيكشف المستقبل القريب إن كانت هذه السياسة التي تعتمد على المواجهة ستسبب هزات ارتدادية تضرب إسرائيل، أم ستصب في مصلحة نتنياهو في مساوماته المستمرة مع أوباما حول إيران وفلسطين؟

إسرائيل قد تتخلى عن ضغطها حيال الملف الإيراني، ولكن هذا السيناريو لن يتحقق إلا إذا أطلقت واشنطن يد إسرائيل في الملف الفلسطيني.

ولنا أن نتوقع والحال هذه، أن تعود إدارة الرئيس أوباما إلى ما تعودت عليه الإدارات التي سبقتها، حيث انتخابات الكونغرس النصفية على الأبواب، فمن الأسلم والمرجح أن تفضل حث الفلسطينيين -وهم الحلقة الأضعف في المعادلة- على تقديم تنازلات فيما يخص اتفاق الإطار المؤقت، بدل حث الإسرائيليين على ترك أسلوبهم الفظ والمستفز.

واستنادا إلى الدلائل التي يثيرها صمت الإدارة الأميركية مؤخرا على الإهانات الموجهة لوزير الخارجية الأميركي جون كيري من قبل وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه يعالون، فيبدو أن لنتنياهو أسبابا كافية ليضمن حصول إسرائيل وأيباك على ما تريدانه من الإدارة الأميركية.

وكما قال نتنياهو لبعض الإسرائيليين خلال حملته الانتخابية عام 2001 "إن أميركا شيء يمكن أن يتم تحريكه بسهولة كبيرة، لنحركها بالاتجاه الصحيح، وسوف لن تقف في طريقنا".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة