مؤتمر القاهرة العراقي.. البيان التلفيقي والتداعيات   
الجمعة 2/11/1426 هـ - الموافق 2/12/2005 م (آخر تحديث) الساعة 18:58 (مكة المكرمة)، 15:58 (غرينتش)
ياسر الزعاترة

- الفرقاء ومواقفهم المسبقة
- إشكالية التمثيل في المؤتمر
-
تناقضات البيان الختامي
- مواقف لاحقة تنقض البيان

كان طبيعياً أن لا يخرج مؤتمر الوفاق الوطني العراقي الذي عقد في القاهرة خلال النصف الثاني من الشهر الماضي خالي الوفاض من دون بيان يشير إلى قدر من النجاح، فعاصمة العواصم العربية لا تسمح لأحد أن يعقد لقاءً فيها ثم يخرج ليقول إنه كان فاشلاً، ولا بد من صيغة توفيقية أو حتى تلفيقية إذا لزم الأمر من أجل حفظ ماء الوجه للشقيقة الكبرى.

ما من شك في أن ذلك يبدو مفهوماً من لدن العاصمة العربية الأكبر التي يعنيها على نحو استثنائي دورها المحوري، بصرف النظر عن حقيقة التقدم في القضية التي تتبنى حواراً حولها.

وطالما تابعنا مناسبات من هذا النوع من بينها لقاءات الفصائل الفلسطينية، حيث كانت الدبلوماسية المصرية تمارس أصعب أنواع الضغوط كي لا تخرج الاجتماعات بلا شيء، فيما يعلم الجميع أنه من الصعوبة بمكان مخالفة توجهات الشقيقة الكبرى، الأمر الذي يدفع إلى قدر من التوفيق أو التلفيق، بحسب القضية، وحتى لو مال كل طرف بعد ذلك إلى فعل ما يريد.

كان ذلك هو ما تابعناه في لقاء القاهرة بين فرقاء الساحة العراقية، مع فارق أن المسافة بين عناصر الساحة الفلسطينية بدت أقرب بكثير منها بين نظرائهم في الساحة العراقية، الأمر الذي استدعى مزيداً من الدبلوماسية والضغوط للخروج من مأزق الخلاف ببيان يرفض الاعتراف بالفشل، فيما يحيل المسائل المستعصية إلى مؤتمر يعقد في بغداد نهاية فبراير/شباط، أو بداية مارس/آذار القادم.

"
وسط تلك الجلبة التي تحدثها عمليات قاعدة الجهاد ضد المدنيين، يعلم المراقبون أن عمليات تطهير عرقي وعقوبات جماعية تتعرض لها فئة العرب السنة على نحو يومي
"
الفرقاء ومواقفهم
المسبقة
في قراءة المواقف الخاصة بكل من فرقاء الساحة العراقية تجاه المؤتمر، يمكن القول إن الموقف الأبرز هو ذلك المتعلق بالائتلاف الشيعي الذي جاء إلى المؤتمر مكرهاً، لسبب بسيط هو معارضته لأي دور عربي محوري في العراق، على اعتبار أن المحيط العربي هو محيط سني ينحاز للعرب السنة، ويرفض حق الشيعة في حكم العراق الجديد. كما أن هذا الوسط في العموم، شعبياً ورسمياً، يميل إلى المقاومة العراقية، بما فيه سوريا، موئل المعارضة العراقية سابقاً وحليف إيران الشيعية.

وبالطبع تبعاً لاعتقاد المحيط العربي بضرورة إفشال مشروع الأميركان في العراق، يعتقد الشيعة أن ذلك الأمر لن يمر إلا من خلال إفشال الحكومة التابعة لذلك المشروع في بغداد.

على أن ذلك لم يمنع سادة الائتلاف من الحضور على رغم التحفظات المبدئية، والسبب هو الرغبة في عدم الظهور بمظهر الخارج عن الإجماع العربي أو الراغب في حرف الوجهة العراقية نحو إيران دون غيرها، كما هي الاتهامات العربية التي انطلقت خلال الشهور الأخيرة.

ثمة سبب آخر للحضور الشيعي يتعلق بالرغبة الأميركية في تجريب المسار السياسي برعاية عربية، وحين يرى الأميركيون ضرورة الحضور الشيعي، فلن يخالف سادة الحكومة التابعة لهم.

إضافة إلى أن بعض منطق المحتلين يبدو معقولاً من زاوية أن المؤتمر ربما ساهم في جوهره في تأكيد إدماج العرب السنة في العملية السياسية وبالتالي منحها الشرعية الضرورية محلياًُ وعربياً، الأمر الذي سيعزل مسار العنف.

أما بالنسبة للأكراد فإن رد الزيارة لعمرو موسى الذي جاملهم في دولتهم يبدو ضرورياً، إلى جانب حرصهم على عدم الظهور بمظهر الصدام مع العالم العربي الذي يدينون بدينه ومذهبه الغالب.

وهم يميلون أيضاً إلى تشريع دمج العرب السنة في العملية السياسية التي تمنحهم (أي الأكراد) بالإضافة إلى دولتهم القائمة دوراً كبيراً في الحكومة المركزية، أي أن الوفاق العراقي يفيد الأكراد ولا يضرهم بحال من الأحوال.

أما العرب السنة فهم أيتام الوضع الجديد كما يقال، أو أكراده بحسب بعض التوصيفات، وهم يبحثون عن سند عربي لهم، وطالما استصرخوا محيطهم العربي وناشدوه بالتدخل لنصرتهم من المذبحة الصامتة التي تجري بحقهم.

وبالطبع وسط تلك الجلبة التي تحدثها عمليات قاعدة الجهاد ضد المدنيين، يعلم المراقبون أن عمليات تطهير عرقي وعقوبات جماعية تتعرض لها هذه الفئة على نحو يومي.

جاء العرب السنة من العراق وهم يحملون على كاهلهم ما ورد ذكره من عقوبات جماعية، إضافة إلى التهميش السياسي، ومعه دستور تفتيتي لم يتمكنوا من إسقاطه بسبب عمليات التزوير التي ساندها بعضهم بأخطائه، أما الأهم فهو أنهم يأتون بتراث مقاوم يبحثون عن الاعتراف بشرعيته أمام العالم أجمع بوصفه مقاومة مشروعة لا إرهاباً مرفوضاً كما تردد دوائر المحتل وأذنابه.

إشكالية التمثيل في المؤتمر
مشكلة التمثيل بالنسبة للمكونات الثلاثة كانت شبه محسومة بالنسبة للشيعة الذين حضر الائتلاف الموحد ممثلاً عن معظمهم، بما في ذلك التيار الصدري الذي لم تعد تفصله مسافة كبيرة عن ذلك الائتلاف بعد أن قرر دخول الانتخابات ضمن صفوفه، وإن بقي على شعار إخراج قوات الاحتلال.

وتبقى بعض التيارات محدودة التأثير، وإن كانت قوية الحضور من الناحية الإعلامية، مثل التيار الخالصي والبغدادي والحسني (نسبة إلى رجل الدين محمود الحسني).

الأكراد كانوا كالعادة موحدين -في الظاهر على الأقل- بحضور الطالباني، فيما يعلم الجميع أن الإسلاميين الأكراد (التيار الثالث ويمثله الاتحاد الإسلامي الكردستاني) ليست لديهم مشكلة في الامتداد العربي للعراق، لاسيما إذا لم يعترض عليه الحزبان الرئيسيان.

يبقى العرب السنة الذين جاؤوا كالعادة متفرقين، وإن كانوا موحدين في معظم المطالب المتعلقة بوقف العقوبات الجماعية بحقهم، ومطلب التفريق بين المقاومة والإرهاب، مع فارق أن هناك من بينهم من يعول كثيراً على العملية السياسية ويرى أنها الدواء الشافي لكل العلل التي يعانون منها، الأمر الذي يرفضه آخرون، وعلى رأسهم هيئة علماء المسلمين التي برز أمينها العام الشيخ حارث الضاري بوصفه الممثل الأكثر إقناعاً لهم بكل المقاييس.

"
مقابل المزايا الملتبسة التي بدا أن العرب السنة قد حصلوا عليها حصل الشيعة والأكراد على الكثير غير ما ذكر، إذ تم الاعتراف بالعملية السياسية التي يسودونها
"
تناقضات البيان
الختامي
حين يقرأ المراقب البيان الختامي للمؤتمر سيجد الشيء ونقيضه من دون عناء يذكر، إذ ينص البند الثاني على "الالتزام بوحدة العراق وسيادته وحريته واستقلاله".

وهذا الجزء موجه للعرب السنة الخائفين من الدستور، أما الجزء التالي فينقضه وهو موجه للشيعة والأكراد، ويقول "احترام إرادة الشعب العراقي وخياراته الديمقراطية في إطار التعددية ونظام اتحادي وحقه في تقرير مستقبله بنفسه"، فأية وحدة تبقى بعد ذلك؟!

بند التفريق بين المقاومة والإرهاب الذي احتفل به البعض قال الشيء ونقيضه أيضاً، فالمقاومة "حق للشعوب كافة"، لاحظ التعميم، "بيد أن الإرهاب لا يمثل مقاومة مشروعة، وعليه ندين أعمال العنف والقتل والخطف التي تستهدف المواطنين (ليس المدنيين، أي أنه يشمل الجيش والشرطة) ..إلخ".

قد يبرز شيء من التوفيق وليس التلفيق في منح الشيعة بند إدانة التكفير مقابل الدعوة إلى الإفراج عن المعتقلين الأبرياء الذين لم يدانوا أمام القضاء.

لكن التلفيق يعود مجدداً في البند المتعلق بسحب القوات الأجنبية وفق جدول زمني، إذ جرى رهن هذا المطلب ببناء "القوات المسلحة تدريباً وإعداداً وتسليحاً على أسس سليمة تمكنها من حماية حدوده وضبط الوضع الأمني، وضمان أمن المواطن والوطن وإنهاء العمليات الإرهابية مع الأخذ في الاعتبار ما جاء في هذا الشأن في قراري مجلس الأمن رقم 1646 و1673".

في هذه الفقرة تتبدى جدلية البيضة والدجاجة، إذ أيهما ينبغي أن يسبق الآخر: ضبط الوضع الأمني أم خروج القوات الأجنبية، وأية مقاومة مشروعة تلك التي ستجري ضد قوات صديقة موجودة بطلب من الحكومة العراقية المستقلة؟!

مقابل هذه المزايا الملتبسة التي بدا أن العرب السنة قد حصلوا عليها فقد حصل الشيعة والأكراد على الكثير غير ما ذكر آنفاً، إذ تم الاعتراف بالعملية السياسية التي يسودونها.

بل جرى الحض على المشاركة الواسعة في الانتخابات والاحتكام إلى صناديق الاقتراع، كما جرت المطالبة بإلغاء الديون المستحقة على العراق، وتدريب الكوادر العراقية، وتعزيز الوجود الدبلوماسي العربي في العراق، أي الاعتراف بالوضع القائم هناك، ليس من خلال الجامعة العربية فحسب، وإنما من خلال الدول أيضاً.

قد لا يبدو الأكراد حاضرين هنا بقوة، لكن الواقع ليس كذلك إذ أنهم حاضرون في كل ما من شأنه الاعتراف بالوضع القائم سياسياً واقتصاديا وعلى مختلف الأصعدة، أي أن وجودهم الشمالي مضمون، ومعه الحصة الكبيرة في المركز أيضاً.

"
جرى نقض البيان من قبل بعض المعنيين مباشرة قبل أن يجف الحبر الذي كتب به، ولم يأت ذلك من قبل مجموعات هامشية في الساحتين الكردية والشيعية، بل جاء من أكثر الرموز أهمية فيهما
"
مواقف لاحقة
تنقض البيان
للتأكيد على عبثية ما جرى والتناقضات التي حفل بها، جرى نقض البيان من قبل بعض المعنيين مباشرة قبل أن يجف الحبر الذي كتب به، ولم يأت ذلك من قبل مجموعات هامشية في الساحتين الكردية والشيعية، بل جاء من أكثر الرموز أهمية فيهما.

مسعود البرزاني هو القطب الثاني في التحالف الكردي، وهذا الأخير ذهب في محاولة لشطب تصريحات زميله الطالباني حول إمكانية الحوار مع المقاومة.

فقد قال إنه لا توجد في العراق مقاومة بل مجرد إرهاب في إرهاب، والسبب في رأيه هو أن القوات الأجنبية هي قوات تحرير، أو قوات صديقة، وكل ما يوجه لها هو إرهاب.

هذا المضمون أكده وزير الداخلية الذي اعتبر أن تشريع المقاومة مواز لاعتبار وجود مليشيات مستقلة قانوناً، مضيفاً أنه إذا كانت هناك مقاومة لا يمكنه العمل لأنه لا يستطيع أن يميز بينهم وبين الشرطة.

أما مسؤول منظمة بدر فاعتبر أن القوات الأجنبية موجودة بطلب من الحكومة العراقية، "فلماذا علينا قتلهم؟".

من جهة ثانية كان عبد العزيز الحكيم، زعيم ما يعرف بالمجلس الأعلى للثورة في العراق، ورأس التحالف الشيعي أو الائتلاف الموحد، يعيد التأكيد أمام رموز عشائرية من الجنوب العراقي أنه سيسعى إلى إقامة فيدرالية الجنوب بعد الانتخابات، ملمحاً إلى أنه سيطرح المسألة على مؤتمر بغداد القادم، وهكذا ألغى الحكيم تلك الفقرة التي احتفل بها البعض حول تأكيد وحدة العراق.

في ذات السياق وفي أجواء مؤتمر القاهرة كانت صحيفة الاتحاد لسان حال حزب الطالباني تنشر نص مسودة دستور إقليم كردستان العراق الذي يؤكد حق الأكراد "في تقرير مصيرهم في أي وقت وظرف يرونه مناسباً"، معتبراً "كركوك عاصمة للإقليم الكردي".

بل ومضيفاً إلى مساحته أجزاء معتبرة من محافظتي نينوى وديالى، بل وواسط أيضاً!!

"
ما جرى في القاهرة كان مجرد اجتماع احتفالي لم يربح العرب السنة منه سوى تأكيد انخراطهم في العملية السياسية والمراهنة عليها، مما يعني ورطة جديدة
"
هكذا يتضح أن ما جرى في القاهرة كان مجرد اجتماع احتفالي لم يربح العرب السنة منه سوى تأكيد انخراطهم في العملية السياسية والمراهنة عليها، مما يعني ورطة جديدة، إذ سيعقد المؤتمر القادم في القاهرة بعد الانتخابات.

وبعد أن يتبين أن حصة العرب السنة لا تتعدى عشرين في المائة، مما يضع معارضتهم لأي توجه في سياق معارضة الأقلية لخيارات الأكثرية، الأمر الذي يؤكد عبثية مراهنة بعض قصار النظر في الساحة العربية السنية على الانتخابات، والسبب هو عبثية المراهنة على نزاهتها، لاسيما بعد تصميم قانون الانتخابات على نحو لا يمنح العرب السنة إلا الأقلية في كل الأحوال حتى لو توجهوا جميعاً إلى الصناديق، فضلاً عن أن التحالف الشيعي الكردي سيواصل استئثاره بغالبية كبيرة وصفقة معروفة تمر من تحت عباءة الاحتلال، خلافاً لوعود الطالباني لبعض القوم في الحزب الإسلامي وسواه.

هكذا يتأكد أن شيئاً لن يتغير في الواقع العراقي بعد مؤتمر القاهرة، وكذلك بعد الانتخابات، حيث ستتواصل المقاومة بصرف النظر عن النتيجة، لأن وحدة العراق وسيادته لن تتحقق ما دام رمز الشيعة الكبير يريد فيدرالية في الجنوب، فيما يعتبر رمز الأكراد الأكبر أن قوات الاحتلال هي قوات تحرير ومقاومتها ضرب من الإرهاب.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة