مأزق القوى الوطنية العربية   
الثلاثاء 1429/9/3 هـ - الموافق 2/9/2008 م (آخر تحديث) الساعة 16:17 (مكة المكرمة)، 13:17 (غرينتش)


حسين عبد الواحد

الخيار الفلسطيني
العدالة في السودان
انقلاب موريتانيا
مواقف تاريخية

خلال السنوات الأخيرة من حكم الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، ومع تصاعد التهديدات الأميركية ضد العراق، وجدت القوى الوطنية العربية نفسها في مأزق صعب أصابها بالشلل والعجز عن تحديد موقف حاسم يتفق مع قناعاتها العربية ولا يتناقض مع القيم والمبادئ الإنسانية.

فتأييد الموقف الأميركي ضد صدام كان يعني ابتلاع المبررات الكاذبة لغزو العراق وما يترتب على ذلك من الوقوف في خندق واحد مع أعداء الأمة العربية إلى حد مساندة عدوان إجرامي على إحدى أهم الدول في العالم العربي.

أضف إلى ذلك حقيقة أن العراق، حتى تحت حكم صدام، كان يمثل رقما هاما في المعادلة التي كان العرب يسعون من خلالها إلى تحقيق توازن في القوى بينهم وبين إسرائيل، وبالتالي، فإن القبول بتدمير قوة العراق أو حتى مجرد تحييدها كان بمثابة تقديم خدمة كبرى للعدو الصهيوني وخيانة كل معاني القومية العربية.

وفى نفس الوقت، كان تأييد صدام حسين يعني دعم حكم الطغيان والدكتاتورية وقبول كل الجرائم التي ارتكبها سواء ضد الشعب العراقي أو ضد الدول العربية الأخرى مثل غزو الكويت.

وكان الوقوف مع صدام في مواجهته مع الغزاة الأميركيين يعني إهدار فرصة نادرة للتخلص من نظام عربي قمعي حاول شعبه مرارا التخلص منه دون جدوى.

"
انقسم العرب ومازالوا منقسمين إلى معسكرين: الأول يتعاطف مع صدام رغم كل أخطائه وخطاياه والثاني يتقبل بدرجة أو بأخرى الكوارث التي نتجت عن الغزو الأميركي للعراق ويعتبرها ثمن الحرية
"
هكذا كان السؤال الصعب الذي واجهته القوى الوطنية العربية هو. أيهما أفضل دعم نظام عربي حتى ولو كان دكتاتوريا ضد عدوان أجنبي مشبوه، أم انتهاز الفرصة للتخلص من طاغية حتى ولو تم ذلك بأيدي غزاة أجانب لا شك في أن لديهم أهدافهم وأطماعهم الخاصة ؟

ونتيجة لهذا الحيرة، انقسم العرب ومازالوا منقسمين إلى معسكرين: الأول يتعاطف مع صدام رغم كل أخطائه وخطاياه، والثاني يتقبل بدرجة أو بأخرى الكوارث التي نتجت عن الغزو الأميركي للعراق ويعتبرها ثمن الحرية التي يجب السعي إليها حتى من خلال مساعدة قوى أجنبية.

والحقيقة أن كل معسكر له مبرراته الموضوعية المقنعة وربما كان هذا هو السبب في استمرار الجدل وأيضا استمرار مأزق القوى الوطنية العربية ليس فقط تجاه المأساة العراقية بل أيضا في مواجهة العديد من المشكلات والأزمات العربية الأخرى.

الخيار الفلسطيني
والصراع الراهن بين حركتي فتح وحماس يطرح نموذجا آخر لمأزق القوى الوطنية العربية في مواجهة أزمة تنذر بكارثة جديدة تتجمع في الأفق العربي.

فهناك جناح يرى أن تأييد حركة فتح والسلطة الوطنية الفلسطينية في هذا الصراع هو الخيار الصحيح الذي يخدم المصلحة العربية. والأساس الذي يقوم عليه هذا الموقف هو أن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبو مازن) يتعامل مع الإسرائيليين على أساس واقعي أو عملي "براغماتى" ومن منطلق أن السياسة هي فن الممكن.

ولذلك فإن أي تنازلات يقدمها أبو مازن لإسرائيل ليست تفريطا في حقوق الشعب العربي الفلسطيني بقدر ما هي محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذه الحقوق خاصة في ضوء الظروف الدولية والإقليمية والعربية والفلسطينية التي تصب كلها في مصلحة العدو الإسرائيلي.

وهكذا يصبح دعم محمود عباس وحركة فتح والسلطة الوطنية الفلسطينية موقفاً قومياً يخدم المصالح العربية من الناحية العملية.

أما الجناح الآخر المساند لحركة حماس فهو ينطلق من أسس قوية أيضا أهمها أن حكومة حماس هي الممثل الشرعي والحقيقي للشعب الفلسطيني الذي اختارها في انتخابات ديمقراطية حرة.

ويرى أصحاب هذا الرأي أن تقديم التنازلات لإسرائيل لا يمكن أن يخدم القضية الفلسطينية وبالتالي فإن التمسك بكل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني هو الخيار الأمثل حتى ولو كان الثمن هو آلاف الشهداء وحصار وتجويع الفلسطينيين.

ويؤكد هؤلاء أن استمرار الاحتلال والمقاومة أفضل من قبول الحلول السلمية الصهيونية المشبوهة للمشكلة وفقا لمفهوم يعتبر الموت جوعا أفضل من تناول طعام مسموم.

"
الصراع الراهن بين حركتي فتح وحماس يطرح نموذجا آخر لمأزق القوى الوطنية العربية في مواجهة أزمة تنذر بكارثة جديدة تتجمع في الأفق العربي
"
ووسط هذا الخلاف بين الجناحين، تتردد دعوات لا يرفضها أحد وهى ضرورة توحيد الصف الفلسطيني ووقف الصراعات بين الفصائل الفلسطينية ولكن دون أن يدري أحد، على أى أساس يمكن تحقيق ذلك؟

المشكلة أن منطلقات الجناحين وطنية وقومية في الأساس رغم بعض الاتهامات لهذا الطرف أو ذاك بالعمالة من جانب أنصار التفسير التآمري للتاريخ.

وهنا يكمن بالتحديد مأزق الوطنيين العرب من المحيط إلى الخليج. والسؤال الصعب الذي يواجههم الآن: أي موقف هو الصواب وأي رأي يخدم مصالح الأمة العربية ؟

العدالة في السودان
وتعد المشكلة الأخيرة التي حدثت في السودان نموذجا آخر لمأزق القوى الوطنية العربية في تحديد الموقف الصحيح تجاه قضايا الأمة.

فقد جاءت محاولات المحكمة الجنائية الدولية لاستصدار أمر باعتقال عدد من المسؤولين السودانيين في مقدمتهم الرئيس السوداني عمر البشير، لكي تطرح سؤالا صعبا جديدا.

فالرئيس السوداني متهم بجرائم تتعلق بانتهاك حقوق الإنسان في دارفور. وهناك إجماع على حدوث تجاوزات لا يمكن أن تغتفر في هذه المنطقة التي تقع في غرب السودان.

واعتبر البعض أن أبسط مفاهيم العروبة تقضى بالوقوف مع الرئيس السوداني الذي تحاول قوى الاحتكار والهيمنة الأجنبية الضغط عليه لتقديم تنازلات تتعلق بوحدة السودان وسيادته على أراضيه.

ورأى هؤلاء أنه لا بد من مساندة الرئيس البشير في هذه القضية حتى لا تكون هناك سابقة تتكرر مستقبلا مع أي زعيم عربي يفكر في تحدي المصالح الأجنبية والاستعمارية في الأراضي العربية.

وقال هؤلاء إنه حتى في حالة تورط زعيم عربي في تجاوزات أو انتهاكات لحقوق الإنسان فإن صاحب الحق الوحيد في محاسبته هو شعبه وليس أي قوة أجنبية حتى ولو كانت تتخفى تحت قناع القانون الدولي.

وفى نفس الوقت رأى قطاع آخر من القوى الوطنية العربية أنه لا بد من تحقيق العدالة بصرف النظر عن الجهة التي تقوم بهذه المهمة. وفى هذا السياق يرى هؤلاء أن مصلحة الشعوب العربية تقضي بدعم أي جهد دولي لمحاسبة الحكام العرب على أخطائهم خاصة إذا كانت شعوبهم غير قادرة على أداء هذه المهمة بسبب ما تتعرض له من قهر.

ويقول أنصار هذا الموقف إن التخلي عن الدعم الدولي لقضايا حقوق الإنسان يحرم الإنسان العربي من فرصة كبيرة لردع حكامه وجعلهم يفكرون أكثر من مرة قبل ارتكاب أي تجاوزات أو انتهاكات لحقوق مواطنيهم.

ويضرب هؤلاء أمثلة عديدة لتأكيد وجهة نظرهم مثل المحاكمة الدولية للسفاح الصربي كراديتش الذي تخضبت يداه بدماء مسلمي البوسنة رغم أن الكثيرين يشككون في نزاهة موقف المجتمع الدولي ضد كراديتش وأمثاله على أساس أن العدالة الدولية تعانى من ازدواجية المعايير بدليل أنها لا يمكن أن تطال من ترضى عنهم أميركا وأنها لم تجرؤ على اتخاذ أي إجراء ضد سفاحين ومجرمي حرب آخرين مثل رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون والرئيس الأميركي جورج بوش.

انقلاب موريتانيا
"
تباين الآراء مسألة إيجابية ولا غبار عليها بشرط ألا يكون حول قضايا مصيرية تتعلق بحياة الأمة ومستقبلها, فمثل هذه القضايا تتطلب أكبر قدر ممكن من التوافق بين أبناء الأمة المخلصين الذين يسعون لخدمة مصالحها
"
وحتى في حالة الانقلاب العسكري الأخير في موريتانيا كان هناك نفس الانقسام العربي بين من يعارضون تدخل العسكر للإطاحة برئيس أو حاكم ومن يعتبرون الجنرالات أداة تغيير مشروعة ومقبولة عندما تعجز القوى المدنية العربية عن تحقيق هذا التغيير بوسائلها الديمقراطية أو السلمية.

هكذا وقفت بعض القوى الوطنية العربية مع الرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله الذي أطاح به الانقلاب الموريتاني بينما ساند معسكر آخر الجنرال محمد ولد عبد العزيز قائد الانقلاب الذي وعد بإجراء انتخابات رئاسية قريبا.

وقد يرى البعض أن هذا الانقسام في مواقف القوى الوطنية العربية تجاه الأزمات التي تتعرض لها الأمة هو نوع من الاختلاف في الرأي الذي لا يفسد للود قضية والذي يمثل ظاهرة صحية.

ولكن الحقيقة أن تباين الآراء مسألة إيجابية ولا غبار عليها بشرط ألا يكون حول قضايا مصيرية تتعلق بحياة الأمة ومستقبلها. فمثل هذه القضايا تتطلب أكبر قدر ممكن من التوافق بين أبناء الأمة المخلصين الذين يسعون لخدمة مصالحها من خلال الالتزام بموقف موحد في مواجهة كل الأخطار التي تهددها.

مواقف تاريخية
وتاريخ الأمة العربية حافل بهذه المواقف التي احتشدت كل القوى الوطنية الشريفة حولها. وأزمة السويس الشهيرة هي أحد الأمثلة على هذا الموقف الوطني الموحد في العصر الحديث.

ففي عام 1956 تعرضت مصر لعدوان ثلاثي من جانب إنجلترا وفرنسا وإسرائيل بعد أن أعلن الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر قراره بتأميم قناة السويس. وكان الهدف الرئيسي من هذا العدوان هو إسقاط عبد الناصر، حيث يقول الصحفي البريطاني مايكل آدمز إن أنتونى إيدن رئيس وزراء بريطانيا في ذلك الحين اتخذ قرارا بالإطاحة بعبد الناصر الذي كان يعتبره دكتاتورا مثل هتلر وموسولينى. والتقت إنجلترا وفرنسا وإسرائيل عند هذا الهدف رغم أن كل طرف كانت له أسبابه ودوافعه الخاصة.

وفى مواجهة هذا العدوان، كان هناك موقف عربي شامل وموحد يدعم مصر واتفقت كل القوى الوطنية العربية على ضرورة هزيمة هذا العدوان. وبينما كانت المقاومة تشتعل في مدينة بورسعيد المصرية ضد الغزاة عمت الإضرابات والمظاهرات مختلف أنحاء الوطن العربي من المحيط إلى الخليج.

وأوقفت الجماهير السورية تدفق النفط في خط التابلاين الذي كان ينقل النفط الخليجي إلى ميناء طرابلس اللبناني ومنعوا مرور نفط العراق إلى ميناء بانياس السوري.

كما نسف الأردنيون خط أنابيب النفط الذي كان ينقل البترول العراقي من كركوك إلى حيفا وكان من المفروض أن يتوقف هذا النفط بعد قيام إسرائيل عام 1948 ولكنه استمر حتى العدوان الثلاثي على مصر حيث تم تفجيره وتوقف عن العمل.

"
لم يكن هناك أي صوت عربي مؤيد للعدوان الثلاثي على مصر, حتى من كانوا يختلفون مع عبد الناصر أدانوا العدوان بكل قوة إدراكا منهم لحقيقة أن مصلحة الأمة العربية فوق كل الخلافات والتناقضات الثانوية
"
ورفض عمال الشحن في الموانئ العربية خدمة سفن الدول المعتدية وكان لذلك أكبر الأثر في حشد الرأي العام العالمي ضد العدوان البريطاني الفرنسي الإسرائيلي.

لم يكن هناك أي صوت عربي مؤيد لهذا العدوان الثلاثي. حتى من كانوا يختلفون مع عبد الناصر أدانوا العدوان بكل قوة إدراكا منهم لحقيقة أن مصلحة الأمة العربية فوق كل الخلافات والتناقضات الثانوية.

نفس الموقف تكرر بعد هزيمة مصر وسوريا والأردن خلال عدوان يونيو/حزيران الإسرائيلي عام 1967. ورغم الخلافات العربية التي كانت في أوجها خلال هذه الفترة إلا أن العرب أدركوا مرة أخرى خطورة التهديد الذي تتعرض له الأمة.

هكذا عقدت قمة الخرطوم العربية في أغسطس/آب 1967، بعد الهزيمة مباشرة وكان للعاهل السعودي الراحل فيصل بن عبد العزيز موقف تاريخي لا ينسى وهو يقود الصمود العربي رغم الخلاف السابق مع عبد الناصر حول حرب اليمن. وقرر مؤتمر الخرطوم دعم دول المواجهة العربية مع إسرائيل بكل الوسائل وضرورة المضي قدما لاستعادة كل الحقوق العربية المشروعة.

وكان أحدث مواقف التضامن العربي الشامل خلال حرب أكتوبر/تشرين الأول عام 1973، عندما قررت الدول العربية المنتجة للنفط وقف ضخ النفط وحظر تصديره للدول المؤيدة لإسرائيل مما كان له أكبر الأثر في دعم المواجهة العربية لإسرائيل.

هكذا كان الخيار واضحا أمام القوى الوطنية العربية عند تحديد مواقفها في مواجهة الأخطار التي تتعرض لها الأمة على عكس حالة الحيرة والفرقة التي نراها الآن والتي تترك أثارا سلبية مدمرة على المصالح الإستراتيجية للأمة العربية.

والسؤال المهم الذي يطرح نفسه الآن هو: ما سر افتقاد هذا الموقف العربي الموحد في مواجهة قضايا الأمة على الصعيد الشعبي قبل الرسمي؟ ولماذا تتباين الآراء إلى هذا الحد بين القوى الوطنية العربية أمام قضايا يتفق الجميع على خطورة ما تمثله من تهديد للأمة؟

ربما يري البعض أن الإجابة تكمن في ذلك المزج العربي الراهن بين الذاتي والموضوعي، بمعني أن الموقف من أي قضية عربية يتحدد في ضوء المصلحة الفردية والإقليمية أو المحلية بعد غيبة المفاهيم القومية. وربما كان العرب ضحية لمؤامرة تستهدف بث روح الفرقة بينهم والحيلولة دون اتفاقهم حتى في الرأي.

"
من المفيد أن نبحث قليلاً في ملفاتنا القديمة عن العوامل التي سبق وحققت التوافق والانسجام العربي في بعض القضايا العربية الأساسية, ولا غبار أن تكتسب رؤيتنا لهذه القضايا أبعاداً واقعية أو براغماتية أو عملية
"
وقد يرجع ذلك أيضاُ إلى العدد الهائل من وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة والتي تطرح كل وجهات النظر والخيارات بالشكل الذي يؤدي إلى التشويش على الحقيقة خاصة في ضوء أن بعض وسائل الإعلام هذه تتحرك لخدمة أطراف وأهداف ليست فوق مستوى الشبهات.

القضية ليست هي البحث عن رؤية شمولية عربية تزعم احتكارها للحقيقة وتسعى لفرض نفسها على الجميع. المسألة ببساطة شديدة هي السعي للاتفاق على عدد محدود من الأفكار والمفاهيم التي لا يمكن الاختلاف عليها.

وربما يكون مفيداً في هذا السياق أن نبحث قليلاً في ملفاتنا القديمة عن العوامل التي سبق وحققت هذا التوافق والانسجام ولا أقول الإجماع على زاوية واحدة للنظر منها إلى بعض القضايا العربية الأساسية.

ولا غبار أن تكتسب رؤيتنا لهذه القضايا أبعاداً واقعية أو براغماتية أو عملية، وفى نفس الوقت لا مانع من أن تكون لهذه الرؤية بعض الملامح الرومانسية.
ــــــــــــ
كاتب مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة