جدار الفصل الإسرائيلي.. الدلالات والآثار المتوقعة   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

بقلم: ياسر الزعاترة

-السور الواقي والجدار الفاصل
-كيف تمت الموافقة على بناء الجدار؟
-إشكالات تواجه الجدار
-المواقف المختلفة من الجدار

فلسطينية تجلس فوق حطام منزلها وفي الإطار عرفات وبيريز أثناء مؤتمر فورمنتر (أرشيف)
تبدأ قصة جدار الفصل الذي شرع الإسرائيليون في المرحلة الأولى من بنائه في السادس عشر من شهر يونيو/حزيران الجاري من مربع الفشل الذي أصاب عملية "السور الواقي"، تلك التي وضع لها شعار ضرب البنية التحتية للإرهاب.

ما من شك في أن العملية المشار إليها قد أصابت بالفعل قدراً كبيراً من البنية التحتية للمقاومة، بيد أنها لم تضرب إرادة الفعل المقاوم لدى الشباب الفلسطيني الذي أصبح أكثر إقبالاً على المقاومة والشهادة من ذي قبل.

السور الواقي والجدار الفاصل


في شهر مايو/أيار الماضي سقط من الإسرائيليين 32 قتيلاً، أما شهر يوليو/تموز فسجل 60 قتيلاً ليصبح الشهر الثاني بعد مارس/آذار من زاوية عدد القتلى في عام 2002 وشهور الانتفاضة عموماً
الأرقام تشير إلى المعادلة الأمنية التي أراد شارون عبر عملية "السور الواقي" قلبها رأساً على عقب بهدف فرض شروط جديدة للعبة تقوم على شطب الملاذ الآمن "للإرهابيين" والوصول إليهم في عقر دارهم. في سياق إعلان أرباح عملية "السور الواقي" قال القادة الأمنيون إن من بين 104 مطلوبين لحركة المقاومة الإسلامية حماس تمت تصفية 34 واعتقال 50 ولم يبق سوى 20 مما يشير إلى أن كل شيء يسير على ما يرام.

لم تكد أنباء النصر المؤزر لشارون تأخذ مكانها في وعي الجمهور الإسرائيلي حتى بدأت موجة عمليات جديدة للمقاومة، ففي شهر مايو/أيار الماضي سقط من الإسرائيليين 32 قتيلاً، أما شهر يونيو/حزيران فسجل حالة متقدمة حين خسر الإسرائيليون حتى الخامس والعشرين منه 60 قتيلاً ليصبح الشهر الثاني بعد مارس/آذار من زاوية عدد القتلى في عام 2002 وشهور الانتفاضة عموماً.

كيف تمت الموافقة على بناء الجدار؟

الضغط الشعبي
"حيمي شليف" المحلل السياسي المعروف في صحيفة "معاريف" يجيب على ذلك بالقول "بعد انهيار المعركة السياسية وعلى ضوء فشل الخيار العسكري أصبح الفصل المادي هو الحل الأخير الذي لم يجرّب في محاولة لوقف الإرهاب". أما السبب الحقيقي وراء موافقة قادة الحكومة فهو تحوّل الجدار إلى "صرعة شعبية" يصعب تجاهلها أمام موسم الانتخابات التمهيدية الذي يلوح في الأفق.

إذاً هي قوة الدفع الشعبية التي وصلت حداً غير مسبوق في حماستها لبناء الجدار، فقد أكد استطلاع لصحيفة معاريف نشر في الحادي والعشرين من شهر يونيو/حزيران 2002 أن 69% من الإسرائيليين يؤيدون إنشاء الجدار، وهذه النسبة كافية بالنسبة لرجل مثل شارون يحرّكه النبض الشعبي أكثر من أي شيء آخر.


الجدار سيعزل عملياً مدينة قلقيلية عن الأراضي الفلسطينية، كما سيعني ضم إسرائيل لأراض من 22 قرية، وسيحرم أهالي قرى أخرى من أراضيهم الزراعية. ويعيش في تلك القرى 30 ألف فلسطيني سيعيشون داخل الأسلاك الشائكة والخنادق والجدران
الدواعي السياسية والأمنية
ينطوي قرار إنشاء الجدار الفاصل على أبعاد سياسية وأمنية بالغة الأهمية:

  • فعلى الصعيد الأمني يمكن القول إن القرار ينطوي على اعتراف بالهزيمة أمام المقاومة والعجز عن مواجهتها بالأساليب العسكرية، مما يشير إلى أن عملية "السور الواقي" لم تسفر عن هزيمة للفلسطينيين وانتصار لشارون كما روّج غير واحد من قادة السلطة، هو إذاً اعتراف متأخر من شارون بعدم القدرة على مواجهة قوى المقاومة التي تتمرد على كل محاولات الضرب والإفناء رغم شراسة الهجوم عليها.
  • أما الأبعاد السياسية فهي من النوع الواضح وإن حاول شارون وبن إليعازر إخفاءها على نحو ما. هذه الأبعاد فهمها رموز اليمين أكثر من سواهم. فهذا آفي إيتام زعيم حزب المفدال يقول إن "إقامة الجدار انتصار كبير للإرهاب وسيكون رمز الهزيمة العسكرية الإسرائيلية أمامه، هذا ليس جداراً أمنياً بل رسماً لخط انسحاب، في إطاره ستقام دولة إرهاب". أما الناطق باسم مجلس المستوطنين "يشع" فقد ذهب إلى أن الجدار قد "جاء ليعيد إسرائيل إلى حدود 67". وقال نائب الليكود يوبيل شتاينتس "إنه رغم معارضة الفلسطينيين للجدار فإنهم يحتفلون بانتصارهم لأول مرة منذ عام 1967 لأن الخط الأخضر لن يمحى من جديد فقط، بل سيستخدم نقطة انطلاق لأي مفاوضات مستقبلية. الجدار هو كارثة من ناحية دولة إسرائيل مع انعدام الفائدة الأمنية".

من الطبيعي أن يقول شارون ووزير دفاعه إن أهداف بناء الجدار هي أمنية بحتة ولا دلالة سياسية لها، وأن يؤكدوا أن بناءه لن يكلف إزالة أية مستوطنة، بيد أن هذا الموقف سيكون مؤقتاً في معظم التقديرات التي يراها معارضو هذه الرؤية الداعية لإزالة المستوطنات الأمنية التي ستبقى خارج الجدار.

دبابة إسرائيلية تتمركز في بيت لحم وفي الإطار شارون وعرفات
طبيعة الجدار وهدفه

تقوم فكرة الجدار على منع تسلل رجال المقاومة إلى الأراضي المحتلة عام 48 لتنفيذ عمليات في العمق الإسرائيلي، وسيلتف حول المناطق الفلسطينية عن طريق جدر وأنفاق بينها وأسلاك شائكة مكهربة وأجهزة إنذار إلى غير ذلك من الأدوات اللازمة لضمان عدم القدرة على التسلل منه.

سيكون طول الجدار حوالي 350 كلم، أما المرحلة الأولى فستشمل 115 كلم تبدأ بكيلومترات معدودة من قرية سالم جنوب شرق مجدو وحتى جنوب مدينة أم الفحم، حيث ينبغي أن يفصل بين من يسميها الإسرائيليون "مدينة الانتحاريين" أي جنين وبين أم الفحم. بعد ذلك سيمتد الجدار من قرية سالم وحتى كفر قاسم. أما أول كيلومترين من الجدار فيمران من المنطقة التي يسميها وزير الدفاع الإسرائيلي "المصب" التي مر منها عدد من الاستشهاديين إلى العفولة والخضيرة وحيفا.

إشكالات تواجه الجدار


الجدار سيترك عدداً كبيراً من المستوطنات داخل المناطق والتي تضم حوالي 30 ألف مستوطن، وهؤلاء سيحتاجون إلى وسائل حماية
الكلفة والقدس والفلسطينيون
بالنسبة للكلفة العالية للجدار (حوالي مليون دولار لكل كيلومتر) فقد رفض شارون الحديث عنها وطالب بالشروع الفوري في العمل وبعد ذلك يتم تدبير المبلغ المطلوب.

هناك إشكالية بالنسبة للجدار تتعلق بمدينة القدس التي يندمج فيها السكان العرب واليهود والأحياء العربية باليهودية حيث ستقام المرحلة الأولى من الجدار في المنطقة الممتدة من بيت جالا وبيت ساحور من جهة بيت لحم الغربية ومستوطنة جيلو، وفي المرحلة الثانية سيقام الجدار شمال المدينة حيث سيقام هناك معبر جديد بين القدس ورام الله.

ثمة إشكالات عديدة لبناء الجدار فلسطينياً، فهو سيعزل عملياً مدينة قلقيلية عن الأراضي الفلسطينية، كما سيعني ضم إسرائيل لأراض من (22) قرية، بعضها ستضم بالكامل مثل قرية الطيبة (جنين) وبرطعة الشرقية وباقة الشرقية ونزلة عيسى، أما الأخريات فسيحرم أهلها من الكثير من أراضيهم الزراعية. ويعيش في تلك البلدات والقرى حوالي 30 ألف فلسطيني سيعيشون داخل الأسلاك الشائكة والخنادق والجدران، فضلاً عن فقدانهم لأراضيهم الزراعية كما ذهب كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات الذي كان يعبر عن رفض السلطة لبناء الجدار.

من الزاوية الإسرائيلية يمكن القول إن الجدار سيترك عدداً كبيراً من المستوطنات داخل المناطق الفلسطينية يستوطنها حوالي 30 ألف مستوطن، وهؤلاء سيحتاجون إلى وسائل حماية.

الإشكالات الأمنية
يطرح معارضو فكرة الجدار جملة من الإشكالات الأمنية لبنائه مما يجعل فكرته غير ذات جدوى في الحيلولة دون عمليات المقاومة، ومن تلك الإشكالات:

  • أولاً: أن المستوطنات التي ستبقى خارج الجدار ستكون هدفاً جيداً للمقاومة، وبالطبع يرد أنصار الجدار على ذلك بالقول إن الجيش سيتحرر من مهام البحث عن "الانتحاريين" في الخضيرة والعفولة والقدس، وسيتفرغ لحماية تلك المستوطنات وسكانها، في حين يرد الآخرون بأن ذلك سيعني تكرار تجربة لبنان حين ترسل الأمهات أبناءهن للدفاع عن المستوطنات ثم يعودون في الأكفان، فيبدأ مسلسل جديد يضطر معه الجيش إلى إزالة تلك المستوطنات والانسحاب من المناطق.
  • ثانياً: ليس هناك جدار يقدم حلاً لمشكلة القدس والمناطق المكتظة بالسكان خصوصاً أن إمكانية تجنيد شبان "انتحاريين" من هناك ستبقى واردة.
  • ثالثاً: تدل معطيات الأمن أن 95% من منفذي العمليات قد اجتازوا الخط الأخضر عبر المعابر وليس عبر الحقول المفتوحة.
  • رابعاً: ليس هناك جدار يمنع إطلاق نيران المدفعية، والأهم من ذلك هو حجم القوات المطلوبة لحراسة الجدار، وإذا لم يكن هناك حسم في ضرب من يقترب منه فلن يبقى طويلاً في مكانه.
  • خامساً: أن رجال المقاومة لن يواصلوا استخدام نفس الطرق العادية للدخول، بل قد يعمدون إلى أساليب جديدة مثل استخدام الشبان الفلسطينيين من عرب 48 أو حفر الأنفاق أو استخدام الهويات المزيفة أو وسائل الطيران الخفيفة، وهذه بعض الأدوات التي تحدث عنها مناهضو فكرة الجدار.

المواقف المختلفة من الجدار


الجدار يشكل اعتداء فظيعاً.. وهو من فعل العنصرية الصهيونية والعقل العنصري

ياسر عرفات

السلطة ترفض

كانت السلطة الفلسطينية هي الأولى في رفض بناء الجدار الذي وصفه عرفات بأنه "يشكل اعتداء فظيعا"، و"أنه من فعل العنصرية الصهيونية والعقل العنصري". أما صائب عريقات فيرى أن "إقامة الجدار الفاصل يحول السلطة إلى كنتونات منفصلة وفق برنامج شارون لإقامة دولة فلسطينية على 42% من الضفة الغربية دون تواصل جغرافي".

واشنطن ترحب
بيد أن الولايات المتحدة على لسان سكوت مكليلان المتحدث باسم البيت الأبيض لم تجد في القرار ما يشين، حيث إن من حق إسرائيل أن "تتخذ القرارات المتعلقة بإجراءات الأمن التي تحتاج لاتخاذها". أما فرنسا فعارضته بوصفه يزيد صعوبة عيش الفلسطينيين، وكذلك فعل عمرو موسى أمين عام الجامعة العربية الذي وصفه بأنه "حائط برلين آخر".


رغم معارضة الفلسطينيين للجدار فإنهم يحتفلون بانتصارهم لأول مرة منذ عام 1967 لأن الخط الأخضر لن يمحى من جديد فقط، بل سيستخدم نقطة انطلاق لأي مفاوضات مستقبلية. الجدار هو كارثة من ناحية دولة إسرائيل مع انعدام الفائدة الأمنية

يوبيل شتاينتس

الموقف الإسرائيلي

أسلفنا أن الموقف الشعبي هو صاحب القرار الحقيقي في إقامة جدار الفصل، وذلك بعد سنوات طويلة من الجدل بشأنه في الأوساط الإسرائيلية، فقد طرح المشروع للمرة الأولى من جانب وزير الشرطة موشيه شاحال والمفتش العام للشرطة رافي بيلد قبل ثماني سنوات أيام حكم إسحق رابين بعد موجة عمليات استشهادية لحماس. بيد أن رابين وكذلك شمعون بيريز لم يقبلاه في ذلك الوقت وكذلك إيهود باراك الذي آمن بإمكانية عقد اتفاق نهائي مع الفلسطينيين، بيد أن فشله في ذلك أثناء قمة كامب ديفد (يوليو/تموز 2000) ربما أسهم في دفع الفكرة إلى الأمام في الوعي الشعبي.

لم يتوقف الجدل بشأن الجدار طيلة هذه السنوات الثماني وكان على أجندة الصحف والمقالات والتعليقات على نحو شبه يومي. وبينما كان يجد أنصاراً في بعض الأوساط فإنه حظى بالكثير من الانتقاد في الأوساط الأخرى. أما شارون فكان موقفه منه هو الرفض بسبب دلالاته السياسية لاسيما فيما يتصل بمسألة تفكيك المستوطنات التي وقفت على الدوام عائقاً دون قبول المشروع.

لم تكن مواقف أعمدة الحكومة الحالية تصب في صالح بناء الجدار، فشارون لم يكن متحمساً لبنائه، وبيريز "لا يؤمن به"، أما وزير الدفاع بنيامين بن إليعازر فقد "تحفظ على إقامته حتى الآونة الأخيرة".

خلاصة القول هي أن إقامة الجدار قد جاءت بمثابة اعتراف صريح بالفشل أمام المقاومة، وضرورة خروج الاحتلال من المناطق المحتلة عام 67. أما الجدوى فإن الزمن سيحكم عليها، بيد أن بالإمكان القول إن الصعوبات التي سيخلقها الجدار أمام المقاومة ستكون حافزاً لإبداع وسائل جديدة في تجاوزه وضرب المحتلين سواء أولئك الذين سيبقون داخله أم داخل الأراضي المحتلة عام 48.

وفي المحصلة سيصلون إلى الخلاصة التي وصل إليها رئيس جهاز الشاباك آفي ديختر عندما قال "ثمة أمام الحكومة خياران: العودة إلى مدن الضفة الغربية بصورة دائمة أو التوجه نحو الفصل المطلق فوراً، وكل الإمكانات الأخرى تشكل تفريطاً بمواطني إسرائيل". أما يحيام بريئور رئيس الحركة من أجل الفصل الأحادي الجانب فقال "يبدو أن شارون وفؤاد (وزير الدفاع) ينتظرون 2000 قتيل آخر من أجل الاقتناع بالقيام بشيء ما".

_______________
كاتب صحفي فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة