ما قيل.. وما لا يقال   
الخميس 1429/1/24 هـ - الموافق 31/1/2008 م (آخر تحديث) الساعة 12:47 (مكة المكرمة)، 9:47 (غرينتش)
توجان فيصل


لم يكن الأستاذ محمد حسنين هيكل قلقا بشأن أمن مصر القومي ومصير سيناء فقط في حديثه الأخير عن مخاطر ما يعد على هذه الجبهة, بل كان، كما أكد مراراً وكما نعرف عن تاريخه الطويل, قلقاً على الأمن القومي العربي.

"
معبر رفح بالذات له خصوصية تستوجب طلب موقف سيادي صارم من مصر تجاهه، كونه أول معبر حدودي مع دولة عربية، وما يجري عليه سيعمم على المعابر الحدودية للضفة الغربية مع الأردن
"

ولم يأت حديثه في تلك الحلقة من برنامجه بعد ولا في ضوء أحداث قيام سكان غزة بفتح المعبر بينهم وبين مصر عنوة, وهو ما أوضحته محطة الجزيرة حين نوهت بأن تلك الحلقة جرى تسجيلها في بداية ديسمبر/كانون الأول المنصرم.

ومع ذلك اضطر الأستاذ هيكل لسوق مقدمة طويلة عن تغيرات الطبيعة التي تفرض نفسها, رضينا أم أبينا, حتى في شكل زلازل وفيضانات, لتتواءم مع تغيرات تحصل في باطن الأرض وتعيد نوعاً من التوازن على سطح الأرض, ليبرر قلقه مما يجري تحت الأرض في عالم السياسة وتداعياته على الأرض العربية (هي سيناء في هذه الجزئية) والأمن القومي العربي.

ولو تأخر تسجيل تلك الحلقة إلى ما بعد أحداث معبر رفح الأخيرة, لربما اضطر الأستاذ هيكل إلى مقدمة أطول وإلى تبريرات إضافية, كي لا يقال إنه ليس مع فتح معبر رفح أمام أهل غزة, أو أنه يفكر بمصلحة مصر دون مصلحة بل وحاجات أهل غزة الإنسانية الملحة!

فكلنا يفعل هذا بدرجة أو بأخرى، بل إن من لا يخاف غضبا ولا يطلب رضى الأنظمة والسلطات الحاكمة العربية, والأحرص منا على التواصل مع الجماهير خدمة لمصالحها, يحتاط أكثر من سوء الفهم الجماهيري.

ومن هنا يتكرر أن نجد أنفسنا نمارس في الثانية "رقابة ذاتية" أقسى مما نمارسه في الأولى، وتزيد المشكلة صعوبة حين يتعلق الأمر بشأن له علاقة بأطراف عربية أخرى, كي لا يقال إننا "قـُطريون".. فتلك ثالثة الأثافي عند القوميين, في حين يجاهر بها بجراءة تصل حد الصفاقة كتاب الأنظمة القـُطرية وأبواقها.

وقد تكون أسوأ آثار سايكس بيكو أنها أوجدت تقسيمات داخل نفوسنا من لا يتواءم معها بطبعه وبحكم مبادئه, يتعثر بها أكثر فيجهد أكثر في الدفاع المسبق عن نفسه.

وإذا عدنا إلى مثال الأستاذ هيكل عن التغيرات الطبيعية، فإن جميع الكائنات تستشعر هذه التغيرات مسبقاً فتنطلق بالتالي مجتاحة كل ما يقف في طريق حفاظها على "أمنها".. ولكن هذا امتياز لم يعد متاحاً للبشر, مجاميع وأفرادا، بنفس البساطة، لكون غالبية التغيرات الأكثر تأثيراً على أمنهم وبقائهم لم تعد "طبيعية"، بل بفعل فاعل، هو في الأغلب يعرف ويتوقع رد الفعل، وقد يكون يسعى لاستخلاصه بدرجة أو بأخرى.. وهنا قد تحل تسويات محسوبة محل التوازن الذي تقوم به الطبيعة.

وهذا لا يعني أن ما قام به أهل غزة ليس صحيحا، بل وليس أمراً رائعاً يؤشر على شجاعة وإرادة قوية تتصدى فيها جموع محاصرة شبه عزلاء لقوى دولية جائرة عجزت دول بأسرها عن التصدي لها.

ولكن لا شيء، في السياسة بالذات، كله خير لا يشوبه ضرر، ذلك أن اللاعبين في السياسة متعددون، ولكل أجندته التي يحملها للحدث وتداعياته.

"
هدم الأسوار مع مصر، رغم أنه إنجاز شعبي لحظي كبير من أهل غزة فإن ما يحدد آثاره الطويلة الأمد على مصر وحماس وعلى كامل مصير القضية الفلسطينية هو كيفية تعامل الطرفين المصري والحمساوي مع هذا الوضع المفتوح على كل الاحتمالات
"
وحتى أعظم الثورات وحركات التحرر في العالم لم تخل من توظيفات أخرى لمصالح لم تكن بدت للعيان بعد. ومن هنا أهمية دراسة التاريخ والإطلال على مختلف مكونات الأحداث ومن مختلف الزوايا.

حين قام أهل غزة بهدم الجدار الحدودي بينهم وبين مصر، كنت في دمشق لحضور المؤتمر الوطني الفلسطيني، وقد بثت أخبار الحدث روحاً حماسية في المجتمعين وعززت من قناعتهم بضرورة الوقوف بلا مهادنة في وجه التنازلات الجارية عن الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني.

ولكن أحدا لم يشر لغير هذا في خطاباته، وهو ما يفهم جزئيا ضمن إطار الهدف من هذا الجمع الذي تنادى إلى دمشق في ظروف صعبة أقلها الثلج الذي غمر الطرقات وغيم الأجواء أمام القادمين براً وجوا.

ومن جانبي فقد رفضت إلقاء كلمة، واكتفيت باقتراح أن تكون الكلمات موجهة "للفعل" ( action oriented )، وقدمت توصية نصها أن يتم التوجه للشقيقة مصر بطلب أن تمارس "حقها ودورها السيادي على معبر رفح", باعتبار أن الأول أمر لا يجوز لأية دولة التنازل عنه لأنه يقع ضمن أمنها الوطني ولو في أضيق حدوده.. أما الثاني فهو ما يحدد موقعها وموقفها من محيطها العربي، وهو متعلق بأمنها القومي الأشمل.

وللدلالة على أهمية تحديد هذين الأمرين بما لا يقبل أي لبس، أشرت إلى موضوع المعابر التي مرت في اتفاقية أوسلو دون وقفة تذكر رغم ما بدا من تحميلها, ومنذ البداية، أهدافاً إستراتيجية تتجاوز الترتيبات الأمنية المتوقعة والمقبولة عند بداية فك اشتباك بين أطراف مقتتلة.

وأهم هذه الأهداف إحكام السيطرة التامة، الاقتصادية والسياسية على كل مناطق الأراضي المحتلة التي جرى زعم الانسحاب منها، وصولاً إلى توظيف تلك المعابر كأدوات عقاب وإذلال للشعب الفلسطيني، وهو ما تبين بشكل سافر مؤخرا.

ولكن معبر رفح بالذات له خصوصية تستوجب طلب موقف سيادي صارم من مصر تجاهه، لكونه أول معبر حدودي مع دولة عربية، وما يجري عليه سيعمم على المعابر الحدودية للضفة الغربية مع الأردن.

وبينت أنه, وحسب اتفاقية وادي عربة, لن تكون هنالك حدود بالمعنى الحقيقي، لكون تلك الاتفاقية نصت على مشاريع مشتركة, أردنية إٍسرائيلية أميركية "لأخدود الأردن" (لاحظوا أنه لا ذكر للفلسطينيين هنا مما يعني أن الاحتجاج الأخير على إعلان بقاء المستوطنات في الأغوار كان أكثر من ساذج، إن لم يكن مضللا في بعض صوره) بصورة تضمن سلامة البيئة.

وشرط "البيئة" يرتبط عادة بالمشاريع طويلة الأمد، إن لم يكن نية البقاء في تلك الأرض بشكل دائم.. وهو مؤشر على تسوية لا تتضمن حدودا مع الأردن، ولكنها ستتضمن معبرا أو معابر لضمان تفريغ الكتلة السكانية الفائضة عن حاجة إسرائيل الاقتصادية والمؤثرة على ما تعتبره أمنها، إلى الضفة الشرقية.

وغني عن القول إن ما يتم القبول به من دور للشقيقة الأكبر مصر على معبر رفح، سيتم القبول بمثله على المعابر التي تصل الكانتونات الفلسطينية الممزقة مع دولة أصغر بكثير كالأردن.. مما يعني حصاراً مبيدا للفلسطينيين!

"
دعوة مصر لفتح وحماس إلى اللقاء والتحاور في القاهرة التي أطلقت كصفارة طوارئ في يوم عطلة أسبوعية لن تكفي، لأن الحراك الشعبي الجارف وضع حكومتي حماس ومصر في وضع متقارب المخاطر والمكاسب, مما يستدعي أكثر من مجرد الوساطة والقبول "
ولم أشر في تلك اللحظة الاحتفالية، للتفريغ السكاني الذي توقعت أن يجري لغزة عبر رفح، وهو ما بينت الأحداث المتسارعة أنه يجري، اضطرارا وإن بدا طوعيا، من بعض السكان الذي خرجوا إلى مصر لينتقلوا منها, سواء بشكل دائم أو مؤقت, إلى دول عربية أخرى، ولا أشرت لاحتمالات ضم غزة لمصر مما لا أعتقد أنه غائب عن ذهن المخططين الصهاينة, خاصة إن تم تكريس الفصل بين الضفة والقطاع.

ولكن مخططات الضم قد لا تكون تسير باتجاه واحد، فما أشار إليه الأستاذ هيكل من تقسيمات لغزة، حسب اتفاقيات كامب ديفد، وتكرار التشكيك في هوية سيناء المصرية, يؤشران على احتمال أن تكون سيناء هي المستهدفة عبر غزة وبذريعتها.

وهذا يعني أن هدم الأسوار مع مصر، رغم أنه إنجاز شعبي لحظي كبير لأهل غزة، وأن إغاثة المصريين لإخوتهم الغزيين أمر حميد ولا يُقبل غيره.. فإن ما يحدد الآثار الطويلة الأمد لهذا الحدث على مصر وحماس أولا، ثم على كامل مصير القضية الفلسطينية (السلطة الفلسطينية لا تحسب هنا لأن دورها, بشخوصها وسياساتها الحالية على الأٌقل, مرحلي وستنتهي معه) هو كيفية تعامل الطرفين المصري والحمساوي مع هذا الوضع المفتوح على كل الاحتمالات.

ونكون أصدق مع أنفسنا ومع الجماهير العربية إن قلنا إن هذا الذي جرى، وفي ضوء معادلة أخطر كرست منذ ما سمي بعودة المنظمة إلى الداخل بقبول الأراضي المحتلة ساحة القتال الوحيدة المشروعة، واعتبار ما عداها مناطق خضراء المعارك فيها رمزية في أحسن الأحوال، يدعونا نحن إلى القلق من مجمل مجريات الأمور بأكثر مما تزعم أميركا وإسرائيل.

ودعوة مصر لفتح وحماس إلى اللقاء والتحاور في القاهرة التي أطلقت كصفارة طوارئ في يوم عطلة أسبوعية لن تكفي.. فذلك الحراك الشعبي الجارف وضع حكومتي حماس ومصر في وضع متقارب المخاطر والمكاسب, مما يلزم بما هو أكثر من مجرد الوساطة من جهة والقبول بها من جهة أخرى!

ولكننا لم نتجاوز, بعد، لا حدود الاعتذارات عن سايكس بيكو ممن لم يخطئ لمن لم يجر خطأ بحقه، ولا خرجنا من حدود القول الجائز لنشارف الفعل الواجب. فكما قال الشاعر الأردني تيسير السبول الذي قضى منتحرا: أبعد من كل ما قيل.. ما لا يقال.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة