الأنبا تواضروس.. الكنيسة والوطن   
الأربعاء 23/12/1433 هـ - الموافق 7/11/2012 م (آخر تحديث) الساعة 11:50 (مكة المكرمة)، 8:50 (غرينتش)
محمد مورو

أفرزت القرعة الهيكلية التي أجريت يوم 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2012 على ثلاثة مرشحين فازوا بأعلى الأصوات في انتخابات البطريرك للكنيسة المرقسية الأرثوذكسية المصرية التي أجريت في نهاية شهر أكتوبر/تشرين الأول 2012 الماضي، فوز البابا تواضروس.

في القرعة الهيكلية يختار أحد أطفال الكنيسة ورقة من بين ثلاث أوراق في صندوق قد عبرت عن الاتجاهات التقليدية أو التي صارت تقليدية داخل الكرازة المرقسية

وفي القرعة الهيكلية يختار أحد أطفال الكنيسة ورقة من بين ثلاث أوراق في صندوق قد عبرت عن الاتجاهات التقليدية أو التي صارت تقليدية داخل الكرازة المرقسية أو الكنيسة الأرثوذكسية المصرية، حيث جاء في المركز الأول الأنبا رافائيل الذي حصل على 1980 صوتاً، وهو طبيب حاصل على بكالوريوس الطب والجراحة من جامعة عين شمس عام 1982، وهو من مواليد القاهرة عام 1958، وهو الأكثر شباباً بين المرشحين ويؤمن بالانفتاح على باقي الكنائس المصرية غير الأرثوذكسية، وهو يجمع بين مدرسة البابا كيرلس السادس البابا السابق على البابا شنودة الذي لا يتدخل في المسائل الدنيوية، ومدرسة البابا شنودة الثالث الذي جعل من الكنيسة حزباً سياسياً بامتياز .

الثاني كان الأنبا تواضروس، وهو الذي فاز بالمنصب، وهو تلميذ الأنبا باخوميوس الذي أدار المرحلة الانتقالية في الكنيسة بعد وفاة البابا شنودة الثالث. الأنبا تواضروس الذي حصل على 1633 صوتاً وجاء ترتيبه الثاني، ولد في 4/11/1952 وهو نفس اليوم الذي فاز فيه بالقرعة الهيكلية 4/11/2012، أي أنه أصبح بطريركاً للكرازة المرقسية في يوم بلوغه 60 عاماً تماماً.

حصل البطريرك تواضروس على بكالوريوس الصيدلة من جامعة الإسكندرية عام 1975 ثم بكالوريوس الكلية الإكليريكية وحصل على زمالة الصحة العالمية بإنجلترا عام 1985، وعمل مديراً لمصنع أدوية في دمنهور تابع لوزارة الصحة المصرية، وترهبن في 31/7/1988 بدير الأنبا بيشوي ليتغير اسمه من وجيه صبحي باقي إلى الأنبا تواضروس.

عمل أسقفا على أبرشية البحيرة قبل توليه منصب البابوية وكان قد حصل على تزكية من الأنبا رافائيل وستة من الأساقفة داخل وخارج مصر هم: أسقف سوهاج، وأسقف عام البحيرة، وأسقف عام المنيا، وأسقف ملبورن بأستراليا، وأسقف دير السريار.

وهو يؤمن بضرورة لمّ الشمل وجذب أقباط المهجر، والحوار مع الشباب ويسعى إلى وضع ميزانية ضخمة لإنشاء معهد لخدام الكنيسة في المهجر، وهو شخصية واضحة وبسيطة، ومن ثم فهو يميل إلى دور دنيوي للكنيسة على غرار البابا شنودة، وهو أمر له تداعياته خاصة مع الحكم الإسلامي الإخواني لمصر، وظرف صعود الإسلام السياسي بالمنطقة والسيولة السياسية في المنطقة العربية بعد الربيع العربي.
 
كان الثالث في ترتيب الأصوات هو الأنبا أفامينا وقد حصل على 1430 صوتاً من أصوات الناخبين، وهو من مدرسة البابا كيرلس السادس الذي يؤمن بضرورة اقتصار دور الكنيسة على الجانب الروحي فقط، وترك الأمور الدنيوية تماماً، وهو من مواليد 1942.

بتحليل مضمون نتيجة الانتخابات نقول إن المدارس الثلاث داخل الكنيسة المصرية لا تزال موجودة، وإن كانت المدرسة الروحية هي الأقل نفوذا. ومن ينتمي إليها من كبار السن الأنبا أفامينا (72 عاماً). وإن الأكثر نفوذاً داخل الكنيسة هي المدرسة التي تجمع الروحية والدنيوية مثل الأنبا رافائيل الأصغر سنا (54 عاما)، والمدرسة الثالثة التي تميل إلى الجانب الدنيوي والاهتمام بالمهجر هي وسط في العمر مثل البطريرك تواضروس (60 عاماً)، الذي فاز بالقرعة الهيكلية.

الأنبا الجديد يؤمن بضرورة لمّ الشمل وجذب أقباط المهجر والحوار مع الشباب، ويسعى إلى وضع ميزانية ضخمة لإنشاء معهد لخدام الكنيسة في المهجر، وهو شخصية واضحة وبسيطة

بالطبع فإن الدور الروحي للكنيسة أمر لا يمكن تجاهله، بل هو الذي يعطي للبطريرك قيمته ونفوذه داخل الوسط الأرثوذكسي، ولكن الاهتمام بالأمور الدنيوية -وهو مدرسة البابا شنودة- له مخاطره الشديدة على أكثر من مستوى.

فنحن أمام صعود إسلامي في المنطقة والعالم، وفي مصر تحديداً نحن أمام رئيس إسلامي إخواني، وهناك ضغط من تيارات إسلامية أكثر تشدداً من الإخوان لن تجعل الأمور سهلة حتى لوزراء الرئيس الإخواني لإبداء المرونة.

وكذلك فإن زيادة نفوذ أقباط المهجر له تعقيدات كثيرة، فمن ناحية هناك نفوذ مالي كبير لهؤلاء، وهناك اختراقات من أكثر من جهة وأكثر من دولة كبرى وصغرى داخل هذا القطاع، ويمكن لهؤلاء جرّ الكنيسة إلى مشاكل لا حصر لها.

والأمر الأكثر خطورة، أن ممارسة السياسة أو الأمور الدنيوية بالنسبة للبابا يجعل الكنيسة حزباً سياسياً بقيادة البابا، وفي المقابل يكون رئيس الجمهورية المسلم رئيساً لحزب سياسي آخر إسلامي، ويحدث استقطاب سياسي حاد، بل أكثر حدة في وجود رئيس إسلامي لمصر.

نحن بالطبع لا نجزم بوجود حتمية للسلوك السياسي للبابا الجديد رقم 118 "البطريرك تواضروس"، لأن قناعات الشخص خارج المؤسسة شيء وقناعاته داخل المؤسسة والضرورات والتوازنات تحت المسؤولية شيء آخر، ويمكننا أن ننظر لنرى كيف سيدير البابا الجديد هذه المسألة.

ولكن من الضروري التنبيه على عدد من الحقائق كالتالي:
- إن الكنيسة المصرية "الكرازة المرقسية" كنيسة عريقة جداً.

- إنها صنعت تاريخها من خلال الشهداء ومواجهة الاضطهاد الروماني في عصر الوثنية الرومانية، ثم في عهد المسيحية الرومانية المختلفة في المذهب، وأصرت الكنيسة المصرية دائماً على الاستقلال في عقائدها عن الكنيسة الرومانية، وأصرت على فصل ما هو روحي عما هو دنيوي، وأصبح استقلالها علماً دائماً على رأسها.

- إن ممارسة دور سياسي تحت أي مسمى، سواء كان مسمى الدفاع عن المسيحيين الأرثوذكس ضد الاضطهاد المجتمعي أو الرسمي أو غيرها من المسميات، ستحول مصر إلى حالة من الاستقطاب الحاد بين حزب إسلامي بقيادة رئيس الجمهورية، وحزب مسيحي أرثوذكسي بقيادة البابا، وهو أمر له مخاطره.

- إن الكثير من الملفات الشائكة تنتظر البابا الجديد كالمسيحيات اللاتي يسلمن من أجل الزواج من مسلم، أو اللاتي يدخلن في الإسلام طواعية وكان يتم تسليمهن للكنيسة، وهذا لم يعد مستطاعاً الآن في ظل الظروف المستجدة، وهو أمر شائع جدا، فإما السكوت والظهور بمظهر الضعيف أمام الوسط الأرثوذكسي ومنظمات أقباط المهجر المخترقة من أجهزة دولية أو حتى غير المخترقة، وإما إثارة المشاكل والدخول في صراع مع قوى إسلامية متشددة غير قادرة أصلاً على المرونة في مثل هذه القضية، بل قادرة على منع مرونة الاتجاهات الإسلامية الأخرى الأقل تشدداً مثل الإخوان، وهو أمر لا تحتمله مصر طبعا.

البابا الجديد يواجه مشكلات ضخمة في الكنيسة ذاتها أو مشاكل ذات طبيعة مسيحية مع ضرورة تعديل لائحة انتخاب البابا، وملفات الفساد المعروفة والخفية داخل الكنيسة

- إن البابا الجديد يواجه مشكلات ضخمة في الكنيسة ذاتها أو مشاكل ذات طبيعة مسيحية مع ضرورة تعديل لائحة انتخاب البابا، وملفات الفساد المعروفة والخفية داخل الكنيسة، ومراكز القوى التي نشأت حول البابا شنودة، وخاصة في أواخر أيامه، وكذا الصدام مع العلمانيين حول مسائل الطلاق والزواج، والعلاقة مع أقباط المهجر، ثم طريقة المشاركة السياسية للأقباط في ظل وجود حكم إسلامي، وموضوع بناء الكنائس وما يرتبط به من مشاكل وعلاقات وصراعات، وغيرها من القضايا التي تحتاج إلى حكمة كبيرة خاصة مع ظرف إقليمي دولي غير موات بالمرة على أكثر من مستوى.

لا يمكننا الحكم بالطبع على البابا الجديد، ونترك الأيام ذاتها والظروف الذاتية والموضوعية لتسفر عن التوجه الثابت والمتغير للبابا الجديد، وبديهي أننا لن نعول على خلفية الرجل بأكثر مما ينبغي، لأن المسؤولية لها تداعياتها، ولا يمكننا أن نعول أيضاً على التصريحات التي ينطق بها البابا الجديد في الأيام الأولى، لأنها عادة تكون في اتجاه طمأنة وإرضاء الجميع، وهذا أمر معروف في كل الحركات الدينية والدنيوية، ولن يكون البابا الجديد شيئاً مختلفاً في هذا الإطار. ونسأل الله أن يحفظ مصر.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة