إسرائيل وحروب الوجود التراثية   
الأحد 18/9/1433 هـ - الموافق 5/8/2012 م (آخر تحديث) الساعة 16:38 (مكة المكرمة)، 13:38 (غرينتش)
نواف الزرو

التغلغل في اختطاف التاريخ والتراث
العبث بحقائق الجغرافيا والمسميات العربية
صراع البقاء

في ظل الانشغالات العربية والإقليمية والعالمية بالحراكات والثورات الشعبية العربية، وفي الوقت الذي تتابع فيه عين صهيونية الجبهة الجنوبية (مصر) وتطوراتها السياسية الداخلية، بينما تتابع العين الأخرى تطورات الجبهة الشمالية، وخاصة ما يجري في سوريا، لم تغفل المؤسسة الصهيونية مخططاتها التهويدية الخاصة بفلسطين، بل هي تعتبر الأحوال العربية الراهنة، فرصة نادرة وذهبية -كما أعلنت وزيرة الخارجية الأميركية  في لقائها الأخير مع شمعون بيريز- للانقضاض على ما تبقى من الملفات الفلسطينية.

فأخذت سلطات الاحتلال الصهيوني تصعد من حربها التهويدية الجارفة على المكان والزمان الفلسطينيين، بل إنها انتقلت مؤخرا إلى مستوى إستراتيجي جديد أشد خطورة، وأعمق تغلغلا وتعمقا في تهويد واختطاف التاريخ والتراث والمقدسات في فلسطين، حينما أعلن المستشار القانوني للحكومة الإسرائيلية يهودا فاينشتاين الثلاثاء 17 يوليو/تموز 2012 "أن الحرم القدسي الشريف جزء لا يتجزأ من "أرض إسرائيل"، ولذا ينطبق عليه القانون الإسرائيلي، ولا سيما قانون الآثار وقانون التنظيم والبناء"، مما يمنح الاحتلال من وجهة نظرهم، مطلق الحرية والتصرف في كامل مساحة الحرم القدسي الشريف، بما يلائم مخططاتهم التهويدية من عمليات هدم، وتدمير، وتغيير للمعالم، على طريق تحقيق هدفهم المنشود بإقامة الهيكل المزعوم، على أنقاض المسجد الأقصى المبارك، سعيا لاستكمال مشروع "اختلاق إسرائيل"، واستكمال "الرواية الصهيونية" المزيفة.

ما يجري في فلسطين المحتلة هو حروب صهيونية مفتوحة على كافة الجبهات، هدفها الإستراتيجي، تهديم مقومات المشهد العربي الإسلامي بكافة مضامينه واستبداله بمشهد صهيوني كامل

التغلغل في اختطاف التاريخ والتراث
في ظل هذا القرار الصهيوني الخطير، وبالتوازي معه، اختتم المؤتمر العربي السادس للأسماء الجغرافية، الذي نظمه المركز الجغرافي الملكي الأردني في عمّان أعماله، وخرج  المشاركون في المؤتمر بتوصيات تنطوي على أهمية إستراتيجية توثيقية عليا في هذه المحطة المصيرية في تاريخ الصراع مع المشروع الصهيوني. وكان من أهم  التوصيات، تلك التي تدعو إلى تشكيل لجنة خاصة من الخبراء العرب المختصين، وتكليفها بجمع الوثائق والخرائط القديمة، وتوثيق الأسماء الجغرافية العربية، وتثبيت أسماء المواقع الفلسطينية التي تتعرض للانتهاكات الصهيونية.

كما أوصى المؤتمر بتوفير الدعم لهذه اللجنة، وقال المشاركون إن التوصية جاءت نتيجة لما قام ويقوم به الكيان الصهيوني حتى الآن، من تهويد وتغيير وتحريف وإزالة للأسماء العربية على أرض فلسطين المحتلة، وفي المناطق المحتلة الأخرى، وحفاظاً على الإرث الثقافي والتاريخي العربي، الذي يتعرض لأبشع عمليات الإزالة والطمس.

وفي التهويد والتحريف وعمليات الإزالة والطمس للأسماء العربية في فلسطين فحدث...!
فمساحة عمل وتحركات "البلدوزرات" الصهيونية، لا تترك شبرا فلسطينيا إلا وتعمل فيه تجريفا وتدميرا وتخريبا.

فما يجري هناك في فلسطين المحتلة عام 48، من الجليل إلى المثلث فالنقب، امتدادا لكل الأماكن الفلسطينية المحتلة عام 67، من الخليل والقدس حتى نابلس، حتى نهر الأردن، هي حروب صهيونية مفتوحة على كافة الجبهات، هدفها الإستراتيجي، تهديم مقومات المشهد العربي الإسلامي بكافة مضامينه التاريخية والحضارية والتراثية والدينية، واستبداله بمشهد صهيوني كامل، مغلف بنصوص توراتية ومقولات سياسية مزيفة، ينتهي إلى استكمال اختلاق رواية وهوية وحضارة صهيونية مزيفة، على أنقاض روايتنا وهويتنا وحضارتنا.

ولذلك ليس صدفة أو يقظة صهيونية مفاجئة، أن يعلن نتنياهو شن حرب تراثية حضارية صريحة متصلة، من أجل تهويد وضم نحو ثلاثين ألف معلم تراثي يهودي مزعوم، تمتد حسب العقيدة اليهودية من الحرم الإبراهيمي في خليل الرحمن وكل المواقع الأثرية في خليل الرحمن، إلى مسجد بلال -قبة راحيل- في بيت لحم، إلى قبر يوسف في نابلس، وجبل عيبال في شمال المدينة، وجبل جرزيم "النار" جنوب المدينة، وموقع القطار في قرية سبَستيا، وصولا إلى مغارات "كومران" في البحر الميت، مع التركيز دائما وأبدا على المدينة المقدسة باعتبارها "مدينة الآباء والأجداد" لهم، فكل ذلك يأتي في سياق الإستراتيجيات والأيديولوجيات الصهيونية التي تسعى إلى تهويد واختطاف فلسطين وتزييف تاريخها.

وبالتزامن مع الإجراءات والاجتياحات على الأرض، حرصت المؤسسة الصهيونية على تزييف البعد الثقافي التربوي أيضا، فانتقلت حملة التهويد والتزييف إلى التربية والتعليم، حيث أطلق وزراء التعليم الصهاينة تباعا، حملات متتابعة تهدف إلى "تعميق الصهيونية والتراث اليهودي داخل المدارس في 'إسرائيل'".

وتشتمل الخطط التي جرى تعميمها على المدارس الإسرائيلية بما فيها المدارس العربية هناك، على مصطلحات تتحدث عن أهم وأبرز الأحداث المتعلقة بالصراع عبر حملات مركزة موجهة معسكرة صهيونيا، بما يسوق ويكرس الرواية الصهيونية المزيفة، وقررت الحكومة الإسرائيلية إلزام كافة طلبة الجامعات والمعاهد العليا في "إسرائيل" بالانضمام إلى دورات تعليمية حول "تراث إسرائيل"، ثم قامت وزارة المعارف الإسرائيلية، بتنظيم جولات لآلاف الطلاب في المناطق التي يعتبرونها "جزءا من تراث الشعب اليهودي".

وفي المشهد، تتلاحق وتتكاثف الأحداث والتطورات والحملات الصهيونية، على نحو محموم لم يسبق أن شهدناه قبل ذلك، وكأن الكيان الصهيوني في سباق مع الزمن والأحداث والثورات العربية، يريد أن يجهز على الأرض والتاريخ والحضارة والتراث والمقدسات، وكل المعالم التي تحكي حكايات الوجود والحضور العربي في هذه البلاد (فلسطين)، قبل أن يشتد عود العرب، وقبل أن يتمكنوا من  صياغة جملة عربية واحدة مفيدة  في مواجهة تاريخية مع ذلك الكيان.

ارتفع منسوب الهجوم الصهيوني إلى مستوى العبث بحقائق التاريخ والجغرافيا والمسميات العربية، ليطال اللغة وأسماء المعالم العربية التاريخية

العبث بحقائق الجغرافيا والمسميات العربية
وفي الآونة الأخيرة، ارتفع منسوب الهجوم الصهيوني، إلى مستوى العبث كذلك بحقائق التاريخ والجغرافيا والمسميات العربية، ليطال اللغة وأسماء المعالم العربية التاريخية، فأعلن وزير المواصلات الصهيوني على سبيل المثال، عن حملة لتغيير الأسماء والمسميات العربية على امتداد فلسطين والقدس!

وتأتي هذه الحملة التهويدية، كخطوة سياسية أيديولوجية تهويدية خطيرة، تهدف إلى شطب الأسماء العربية للمكان الفلسطيني من الذاكرة، وإجبار العرب على التعامل مع أسماء صهيونية جديدة تحل محل الأسماء العربية التاريخية، مما يضعنا أمام الحقيقة الكبيرة الساطعة، وهي أن الدولة الصهيونية، قامت وما تزال تواصل تدمير وشطب عروبة فلسطين تاريخا وحضارة وتراثا، كما قامت، وما تزال تواصل تهجير الشعب الفلسطيني وتهويد أرضه ووطنه وتحويله إلى "وطن يهودي"!

فلم يعد سرا، أن تلك الدولة اقترفت أبشع أشكال التطهير العرقي، وقامت بتهديم المكان العربي، على امتداد مساحة فلسطين، فدمرت ومحت عام 48 نحو ستمائة قرية وبلدة فلسطينية على رؤوس أصحابها، في الوقت الذي واصلت فيه الحكومات الصهيونية المتعاقبة منذ ذلك الوقت، سياسات التطهير العرقي ذاتها كنهج وطريق وحيد لإلغاء الآخر العربي، ومحوه عن وجه الأرض الفلسطينية. والمثير في هذا السياق، هو تلك الوثائق التي يتم الكشف عنها تباعا، والتي تعترف بأن أعمال الهدم والتدمير والتطهير، تمت كلها بقرارات من قبل القيادات العليا الصهيونية، عن سبق تخطيط وتبييت وإصرار.

فكشفت صحيفة هآرتس العبرية، النقاب مثلا، عن "أن ما حدث في (فلسطين) إنما هو تدمير جذري لمدن وقرى، وتدمير لحضارة كاملة، بحاضرها وبماضيها، ومن معالم للحياة خلال 3000 سنة"، وأكدت "أن الهدم كان يهدف إلى القضاء على بقايا الوجود العربي الذي أزعج القادة الإسرائيليين".

وعلى نحو مكمل، جاء في تقرير للكاتبة الإسرائيلية تسفرير رينات نشر في هآرتس بعنوان: "أين اختفت القرى العربية؟" قالت فيه: "إن المؤرخين الناقدين للحركة الصهيونية بصورة خاصة، مثل الدكتور إيلان بابيه، يؤكدون أن اختفاء القرى الفلسطينية من مواقعها، هو جزء من سياسة منهجية مبرمجة لطمس وجودها، من أجل بلورة تاريخ جديد يتلاءم مع الرواية الصهيونية، التي تدعي أن البلاد كانت فارغة، وأنها تحولت إلى أرض خضراء مزدهرة بسبب نشاطات الكيرن كييمت -الصندوق القومي اليهودي- وأمثالها".

هكذا هي الحكاية إذن، بالمعطيات والحقائق والشهادات، وبالوثائق المفرج عنها من أرشيف الجيش الصهيوني، الذي عمل منذ قيام الدولة الصهيونية، على إزالة آثار القرى والبلدات العربية التي تم تهجير سكانها ومحوها من الوجود، وقام بتنفيذ حملات بأوامر صادرة في حينه، عن الجنرال موشيه ديّان، الذي حول فلسطين إلى صحراء مدمرة لطمس الوجود العربي هناك.

صراع البقاء
هي إذن، حروب مفتوحة متصلة يشنها الكيان الصهيوني المختلق، على فلسطيننا، ويخضعها من بحرها إلى نهرها تحت مخالب التجريف والتهديم والاقتلاع والترحيل والتهويد، وهو في ذلك يوظف كل ما يمتلك من قدرات وجيوش وآليات وإدارات وقرارات ومخططات على الأرض، يضاف إليها كل ما يمتلك من علاقات ولوبيات وتأثيرات على المستوى الدولي، لغاية دعم وحماية حروبه الوجودية الشاملة، الجارية على قاعدة "إما نحن أو هم"، التي تبناها واعتمدها منذ ما قبل قيام كيانهم الآباء المؤسسون وأقطاب دولتهم على مدى العقود الماضية، وإن كان هناك من يعارض منهم ذلك في سنوات ماضية، فالمؤشرات تتحدث اليوم عن شبه إجماع صهيوني على "إما نحن وإما هم"، والإجهاز على الملفات الفلسطينية بكاملها.

في فلسطين المحتلة 48، تداعت كافة القوى والفعاليات الوطنية العربية، للتصدي لهذا الهجوم الصهيوني الإستراتيجي التربوي الثقافي الاقتلاعي الجارف، الذي يستهدف الرواية والحقائق العربية برمتها، ونجحت في "وضع كراسة أطلقوا عليها اسم "هوية وانتماء -مشروع المصطلحات الأساسية للطلاب العرب"، وهي رد على مشروع المصطلحات الصهيونية، وتتسم المصطلحات العربية في هذا المشروع بالتاريخية وهدفها تكريس الهوية والانتماء للطلاب العرب".

الفلسطينيون يسطرون عبر انتفاضاتهم المتتابعة، ملاحم صمود وتصد عز نظيرها، في ظل اختلالات القوى المرعبة، ويجمعون اليوم على مواصلة الكفاح والتصدي, وصولا إلى الخلاص من الاحتلال

وتتصاعد مظاهر التصدي العربي هناك على نحو فاعل وملفت، لدرجة "أن الإجماع الصهيوني في المؤسسة الأمنية السياسية الأيديولوجية، أخذ يعتبر "أن عرب 48 يشكلون تهديدا إستراتيجيا ووجوديا لإسرائيل"، وهم يبيتون، بل ويتخذون كافة القرارات والإجراءات العنصرية الحصارية التضييقية التي من شأنها التخلص منهم بشتى الطرق والوسائل.

وفي القدس والضفة الغربية المحتلة، يسطر الفلسطينيون عبر انتفاضاتهم المتتابعة، ملاحم صمود وتصد عز نظيرها، في ظل اختلالات القوى المرعبة، ويجمعون اليوم على مواصلة الكفاح والتصدي عبر كافة أشكال المقاومة المتاحة، وصولا إلى الخلاص من الاحتلال.

نثق ثقة عالية بأن هوية الوطن المحتل، بتراثه وتاريخه ومقدساته وروايته أقوى وأبقى، ونعتقد أن كافة مخططات محو التاريخ العربي، لبناء رواية ومشهد صهيوني آخرين، تصطدم بإرادة البقاء والصمود الأسطوري الفلسطيني!

يراهنون على أن الآباء يموتون والأبناء ينسون!
لكن لسان حال أهل فلسطين من الحائط للحائط يقول: إننا ها هنا باقون!
كما أن فلسطين بالإضافة إلى كل ذلك, تحتاج إلى حضور عربي عروبي حقيقي ومسؤولية عربية حقيقية، كما تحتاج إلى فعل عربي إسلامي مشترك مؤثر، في مواجهة تلك الحروب الصهيونية الاقتلاعية الوجودية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة