فجر التسوية لا يزال في الأفق   
الثلاثاء 5/7/1434 هـ - الموافق 14/5/2013 م (آخر تحديث) الساعة 14:33 (مكة المكرمة)، 11:33 (غرينتش)
زياد منى

مع ذكرى اغتصاب فلسطين في مايو/أيار 1948، من المهم لنا، نحن العرب، أصحاب القضية القومية بامتياز، العودة قليلاً إلى التاريخ لنقرأه على نحو دقيق، بعيدًا عن كل اعتبارات ومجاملات وخداع النفس، ومن دون الوقوع في فخ الانحياز العاطفي لهذا التحليل أو ذاك.

لا شك أن أي قراءة لتاريخ تطور القضية الوطنية/القومية الفلسطينية تقف دونها عقبات كثيرة وفي مقدمتها غياب أي سبيل للوصول إلى الوثائق ذات العلاقة، إلا القليل الذي نشرته بعض الدول المستعمِرة.

أي قراءة لتاريخ تطور القضية الوطنية/القومية الفلسطينية تقف دونها عقبات كثيرة وفي مقدمتها غياب أي سبيل للوصول إلى الوثائق ذات العلاقة

مع ذلك، يمكن للباحث في التاريخ الوصول إلى استنتاجات مؤكدة بخصوص جوانب كثيرة من مؤامرة اغتصاب فلسطين اعتمادًا على الشواهد الظرفية. نقول: مؤامرة، لأن الاستعدادات كانت تجري في الغرف المغلقة، وفيها كانت الخطط والاتفاقات تحاك.

لنبدأ بالقول إن تمكن الحركة الصهيونية من اغتصاب جزء من أرض فلسطين -الانتداب- في عام 1948 ما كان ليتم من دون موافقة الأنظمة العربية المؤثرة التي كانت قائمة حينذاك.

فما يسمى النظام العربي، أي أن أسس البنية السياسية/الكيانية القائمة حاليًا، كان نتاج اتفاق الدول العظمى آنذاك، والكيان الصهيوني كان جزءًا من النظام ولنسميه: النظام الشرقأوسطي.

ومن هذا المنطلق، فإن حرب عام 1948 لم تقم لمنع قيام الكيان الصهيوني وإنما لضمان قيامه وفي الوقت نفسه منع قيام كيان فلسطيني لابد وأن يكون مصدر خطر على الأول. أي أن الدول العربية دخلت وقتها لحرب بهدف تقاسم أرض فلسطين مع الحركة الصهيونية وطمس الاسم من الخريطة، تمهيدًا للتطبيع معه.

لا وثائق لدينا عن هذا، سوى المذكرات الفردية هنا وهناك، وبعض الوثائق الرسمية التي نشرتها الدولة المستعمِرة. لكن حجب كل الوثائق السرية ذات العلاقة، بعد مرور خمس وعشرين سنة المعتمدة، يشي بأنها تحوي أسرارًا تؤثر حتى يومنا هذا في مسار القضية وتفضح مدى تآمر تلك الحكومات على شعب فلسطين العربي.

على أي حال، لسنا في حاجة إلى وثائق ولا إلى براهين. فالتطورات اللاحقة تثبت صحة هذه النظرة. إذ إن الرئيس جمال عبد الناصر، بعدما أسقط هو ورفاقه النظام الملكي الذي شارك في مؤامرة اغتصاب فلسطين، قد سمح للفدائيين بالعمل العسكري انطلاقًا من قطاع غزة، ورفض المساهمة في طمس الاسم (فلسطين).

وبعد الهزيمة المفجعة في عام 1967، دخلت الأنظمة العربية، جميعها، بيت الطاعة ووافقت على النظام الشرقأوسطي حيث يشكل الكيان الصهيوني جزءًا لا يتجزأ منه. لكن الأنظمة العربية آنذاك لم تتجرأ على البوح علنًا بتخليها عن أرض فلسطين وحقوقنا، نحن العرب، فيها، خوفًا من ردة فعل الجماهير، ولأن الشعب الفلسطيني وقياداته الوطنية لم تكن لتقبل بالأمر، حاولت حجب عين الشمس بالغربال عبر تبني ما تعرف باللاءات الثلاث، أي لا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض، في مؤتمر القمة العربية الرابع في الخرطوم في أواخر شهر أغسطس/آب من عام الهزيمة.

من الواضح أن ذلك المؤتمر قرر التخلي نهائيًا عن استعادة فلسطين أرضًا عربية مغتصبة، وسعى للتسوية مع الكيان الصهيوني على أرضية الانسحاب من الأراض المحتلة في عدوان عام 1967 مقابل الاعتراف بشرعية الدولة الصهيونية.

نعم، لقد حاولت الأنظمة العربية القائمة وقتها حجب الحقيقة، لكن انسحاب مندوب فلسطين الراحل أحمد الشقيري من المؤتمر كشف الاتفاق الضمني، وإن رفض كثير منا وقتها تصديق ذلك. انسحاب أحمد الشقيري من المؤتمر كان سببه رفضه الموافقة على التخلي عن فلسطين، فكان أن أزاحته الأنظمة لتثبت قيادة فلسطينية أكثر مطواعية قادت شعبنا وقضيتنا إلى الكارثة الكبرى التي نعانيها الآن.

على أي حال، وكما يقال: أول الرقص حنجلة، بدأت سلسلة تنازلات النظام العربي الرسمي، وهو، وكما أسلفنا، من إفرازات النظام الشرقأوسطي الذي ولد في يالطا في فبراير/شباط 1945، عندما اقتسم المنتصرون الرئيسيون في الحرب العالمية الثانية مناطق النفوذ في العالم، والذي جاء تعديلاً للاقتسام الأول في معاهدة الصلح بباريس التي أغلقت ملف الحرب العالمية الأولى، لكنها في الوقت نفسه مهدت للحرب العالمية الثانية، ويمكن للراغب الاطلاع على تفاصيلها في كتب عديدة مهمة، بالاعتراف بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 242 الذي يثبت شرعية الكيان الصهيوني ضمن حدود آمنة ومعترف بها، والذي يعد القضية الفلسطينية قضية إنسانية وقضية لاجئين حيث لا يرد ذكر لفلسطين فيه، وتلك كانت البداية الفعلية لمسيرة تنازلات لم تتوقف إلى يومنا هذا.

مع حلول الذكرى الحزينة من المناسب لكل منا نحن العرب تأمل مسيرة التنازلات وحصر ما جلبته للعرب من فوائد، إن وجدت، وما ألحقته بنا من خسائر، وما أكثرها

الآن، ومع حلول هذه الذكرى الحزينة من المناسب لكل منا، نحن العرب المهتمين حقًا بقضايانا الوطنية والقومية، أو حتى المدعين لذلك، تأمل مسيرة التنازلات وحصر ما جلبته للعرب من فوائد، إن وجدت، وما ألحقته بنا من خسائر، وما أكثرها، بهدف صياغة خطة عمل تعيد لكل ذي حق حقه. دعونا هنا من الكلمات الطنانة والرنانة والاتهامات والاتهامات المضادة، ولنبتعد عن النعوت والتوصيفات، ونقول: كل ما نريده هو استعادة حقوقنا الوطنية والقومية في بلادنا التي أُخرجنا منها بغير حق ليُقام فيها نظامٌ عدواني عنصري يشكل قاعدة متقدمة للغرب، تمامًا كما تصوره تيودور هرتزل، الذي يحلم بإعادة عجلة التاريخ إلى العهد الروماني.

والخطوة الأولى في هذا الاتجاه تبدأ بقراءة التاريخ كما كان، وإنصاف الشعب الفلسطيني والاعتراف بتمسكه اللامتناهي بوطنه، رغم خذلان المؤسسات السياسية العربية له، والمؤسسة السياسية الفلسطينية جزء منها.

في ظننا أن تنازلات العرب المستمرة للعدو الصهيوني لم تجلب أي تنازل منه، بل على العكس من ذلك قادت إلى تنازلات جديدة تلحقها تنازلات، رافقها تصفيق العدو واستحسانه لتلك السياسات العقيمة وتشجيعه النظام الرسمي العربي على المضي قدمًا في تقديم المزيد.

فكل ما قدمته المؤسسة الرسمية العربية، وكل تنازلات قيادة المؤسسة السياسية الفلسطينية لم تجلب سوى المزيد من الاحتلال، والمزيد من الانعزال وفقدان الأصدقاء، والمزيد من الشهداء والقتلى والجرحى والمعاقين والمساجين والأسرى، والمزيد من تحلل بنية المجتمع الفلسطيني وتشظي الأرض ومؤسساته السياسية وانقسامها والتهائها بفرض هيمنتها المسلحة على مناطق نفوذ تابعة لها، حيث صار همها الرئيسي الاحتفاظ بكرسي السلطة، حتى لو كانت على مجاري أريحا، أو حتى على ظهر حمار، كما قيل يومًا في بيروت.

إن استمرار المؤسسة الرسمية العربية في تقديم التنازل تلو الآخر للعدو المغتصب لم يجلب لشعوب أمتنا سوى الخراب والفرقة والاسترخاء في وقت نحن في أمسّ الحاجة فيه إلى التلاحم وأقصى درجات اليقظة، إن أردنا أن يكون لنا وجود، كأمة، في القرن الحادي والعشرين.

في المقابل، ومع أننا لسنا دعاة حرب، ولا نؤيد اللجوء إلى السلاح إلا ضد العدو المغتصب، وفقط في حال إصراره على الاستمرار في عدوانه، إلا أننا نذكر بأن القضية الفلسطينية لم تنل المرتبة العربية والعالمية التي وصلت إليها في السبعينيات إلا بفضل العمل المسلح ضد العدو، على علاته غير الخافية على كل متابع ومراقب، واليقين باستحالة التعايش معه، وعندها فقط أسقط الشعب الفلسطيني كافة التهم الجارحة والكاذبة الموجهة إليه بأنه باع بلاده.

إن عقودًا من التنازلات المجانية وانتظار تراجع الصهيونية العالمية، بمختلف تجلياتها الأوروبية، عن عدوانها لم تجلب سوى الخراب لبلادنا ولمجتمعاتنا، ولم تقربنا خطوة واحدة من وطننا.

والمطلوب منا، وتحديدًا من أجيالنا الجديدة التي لم تتلوث مثلنا، والتي لا تزال تؤمن بقوتها الذاتية كما أظهرتها في الحراكات العربية الأخيرة، العودة إلى النفس وتأمل كل الطرق التي سُلكت في الماضي ونبذ ما ثبت بطلانه والتمسك بكل ما ثبت صحته. لا المؤتمرات الاستعراضية تفيد، ولا التمسح بهذا أو بذاك جلب لنا خيرًا أو قربنا ولو شبرًا من لحظة خلاصنا.

المطلوب حركة عربية جديدة، قومية، عابرة للحدود، تضع نصب أعينها الهدف الوحيد الذي يجمع عليه كل العرب، وهو استعادة فلسطين أرضًا عربية ودولة ديمقراطية، كونها جزءا من الوطن العربي الكبير. ففلسطين توحدنا.

المطلوب حركة عربية جديدة، قومية، عابرة للحدود، تضع نصب أعينها الهدف الوحيد الذي يجمع عليه كل العرب، وهو استعادة فلسطين أرضًا عربية ودولة ديمقراطية

لنتذكر مجددًا كلمات وزير الخارجية البريطاني كرستفر سايكس الذي عبر عن موقف الغرب من الصهيونية بكلمات واضحة فصيحة لا التباس فيها حيث قال في عام 1916 إن الصهيونية متجذرة في الفكر والوجدان الأوروبيين وتشكل جزءا لا ينفصم عن منظومته الفكرية وضاربة عروقها في تاريخهم، وهي أهم بما لا يقاس من طموحات وتطلعات سكان فلسطين العرب.

لقد ذكَّرنا مِرارًا بأن الغرب الاستعماري، وثمة غرب ليس استعماريًا، ينظر إلى هذا الجزء العزيز من بلادنا، بلاد الشام، على أنها أرض الكتاب المقدس، وأن العرب المسلمين فيها غزاة جلف، وأن مسيحييها هراطقة، وأنه هو من يمثل المسيحية ويمتلك بالتالي حقا تاريخيا وإلهيا للسيطرة عليها.

لذا، الآن وبعد أن اقترب عمر تنازلات المؤسسة الرسمية العربية للحركة الصهيونية وللغرب بشأن فلسطين من 65 عامًا، نقول إنه حان أوان إحالتها إلى التقاعد لأن التسوية العادلة والشاملة لا تزال تلوح في الأفق، فقط من منظور معرفتنا أن الأخير خط وهمي يرسمه الناظر، كلما اقترب منه ابتعد عنه!

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة