ثقافة السلام الجديدة   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

* بقلم/إبراهيم غرايبة

-السلام والحرب في الحالة العربية
-ثقافة الحرب والسلام
-تطبيع وتتبيع
-الثقافة الجديدة

رافقت عمليات التوجه للسلام وتسوية الصراع العربي الإسرائيلي عمليات ثقافية عربية تهدف إلى نشر السلام والتعاون بدلا من الحرب والمقاومة، في أوعية الإعلام والثقافة والمناهج التعليمية والأغاني والفنون المختلفة، وجرت تعديلات كبيرة على الخطاب الثقافي والإعلامي والمناهج التعليمية في عدة دول عربية. واستخدمت مصطلحات ومفاهيم جديدة تتفق مع مرحلة السلام، وحذفت أخرى يعتقد أنها تتناقض أو تفشل في حشد الرأي العام والجماهير وراء السياسات العربية الرسمية. ولكن السلام لم يتحقق، ولم تكن ثقافة السلام هدفا إسرائيليا أو أميركيا كما كان يعتقد قبل سنوات قليلة مضت.


التسعينيات هي البداية الفعلية لتأسيس ثقافة السلام بين العرب والإسرائيليين إذ صاحبت الاتفاقات الرسمية التي وقعت بين بعض العرب وإسرائيل
السلام والحرب في الحالة العربية

يمكن الملاحظة في حالة الصراع العربي الإسرائيلي أن حالة السلام التي كانت قائمة في فلسطين بين العرب واليهود قبل عام 1948 لم تمنع من قيام الحرب وخلق حالة من الكراهية والعداوة ربما تكون غير مسبوقة، ثم تبعتها ثقافة حرب وتعبئة اتبعت في الدول العربية منذ الخمسينيات وحتى الثمانينيات.

وبدأت مصر في عهد الرئيس السابق أنور السادات تتجه نحو السلام والغرب وتحديدا بعد حرب عام 1973، توجت هذه التوجهات بزيارة السادات للقدس وتوقيع اتفاقية للسلام بين مصر وإسرائيل. وقد اتخذت الدول العربية عقوبات ضد مصر كان العراق -بلد التطرف القومي- أول من خرق هذه العقوبات، ثم أعاد الأردن علاقاته مع مصر. وتم تطبيع العلاقات العربية مع مصر في مؤتمر القمة العربي الذي عقد ببغداد عام 1990. وبعد حرب الخليج عقد مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 وشاركت فيه سوريا والأردن ولبنان ومنظمة التحرير ومصر برعاية أميركية سوفياتية.

وربما تكون التسعينيات هي البداية الفعلية لتأسيس ثقافة للسلام بين العرب والإسرائيليين صاحبت الاتفاقات الرسمية التي وقعت. وقد شهدت أوائل التسعينيات زخما في العلاقات العربية الإسرائيلية بعد توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993 بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وتوقيع اتفاقية وادي عربة عام 1994 بين الأردن والإسرائيليين، وافتتحت مكاتب إسرائيلية في الدوحة ونواكشوط وتونس ومسقط. ولكن زخم السلام تراجع بعد عام 1996 حتى وصل مع الانتفاضة الفلسطينية عام 2000 إلى أدنى مستوياته.

وكان من الأنشطة العامة المصاحبة للسلام القيام بأنشطة اقتصادية واستثمارية إسرائيلية في بعض الدول العربية، وتراجع وتيرة ومستوى المقاطعة العربية للبضائع الإسرائيلية والشركات التي تتعامل مع إسرائيل، وبرامج ومؤتمرات ثقافية وترفيهية يشارك فيها مثقفون وشباب ونشطاء من العرب والإسرائيليين.

ثقافة الحرب والسلام

فلول اليسار والحركات والشخصيات المهزومة شعبيا وسياسيا وثقافيا تدعو إلى فرض السلام والتحديث والوعي والتقدم رسميا وبالإكراه
رافقت عمليات التحرر والاستقلال في الوطن العربي ثقافة مشجعة على المقاومة والحرية، وتواصلت هذه الثقافة في أوعية الفكر والاتصال العربية الرسمية وغير الرسمية والخفية أيضا منها.

وكانت تمرر على استحياء ثقافة تدعو للسلام والتصالح والقبول بإسرائيل والقبول بالآخر، وكان يظن أن إسرائيل وأميركا تسعيان لتشجيع هذه الثقافة وتنميتها. ولكن مجريات الأحداث وقراءة للعملية الثقافية والسياسية الجارية في الوطن العربي تشجع على الاستنتاج أن كلا من الولايات المتحدة وإسرائيل لم تكن تريد السلام ولا تشجع ثقافته، بل إنها اتبعت ثقافة تعبوية لنشر الكره والتمييز. وفي الوقت نفسه فقد كانت تسعى لفرض ثقافة ليبرالية قائمة على الانفتاح الاقتصادي والسوق الحرة والاندماج في العولمة، وأضيف إليها لاحقا مكافحة الإرهاب.

وقد فتح انهيار الاتحاد السوفياتي وحرب الخليج الثانية المجال واسعا لتحرك أميركي لإعادة صياغة المنطقة، فكان مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 برعاية أميركية وسوفياتية/ روسية ومشاركة عربية. ونشأت على الساحة العربية ربما بفعل الهزيمة والهيمنة الأميركية حالة من عدم اليقين الثقافي والسياسي يمكن ملاحظتها بالتحولات الدراماتيكية التي شهدها اليسار العربي بنخبه ومؤسساته نحو أقصى اليمين، وتحوله إلى بيت خبرة لدى الأنظمة السياسية العربية لترويج التطبيع ومواجهة الحركات الإسلامية.

وقد أدى الخلل في عملية التسوية إلى هزيمة ثقافة السلام، فلم تؤد الاتفاقات الموقعة باعتراف أصحابها ومؤيديها إلى تحقيق أهدافها المفترضة بل إنها زادت الحالة سوءا. وفي الوقت نفسه فقد تصاعدت عمليات مقاومة الاحتلال في فلسطين وفي لبنان، حتى أمكن تحرير جنوب لبنان عام 2000 بعد حوالي ربع قرن من الاحتلال. واندلعت عمليات مقاومة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين على نحو غير مسبوق، وتكونت حالة جديدة من الكراهية والتعبئة تفوق كثيرا الحالة التي كانت قائمة قبل الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987.

لكن حالة الهزيمة والانكسار القائمة فرضت محاولات لطرح برامج التطبيع الثقافي في الساحة العامة وفي المناهج وفي وسائل الإعلام.

وأتيح المجال للنخب الليبرالية الجديدة لقيادة وسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني التي وإن فشلت في نشر ثقافة سلام جديدة فإنها تحولت إلى مراكز قوى ومصالح اقتصادية ارتبط مصيرها ومكاسبها بعلاقاتها مع المشروعات الغربية، وتحول الصراع في حقيقة الأمر من ثقافي إلى طبقي.

فهذه الطبقة الناشئة من فلول اليسار والحركات والشخصيات المهزومة شعبيا وسياسيا وثقافيا، والتي تملك في الوقت نفسه مداخل العمل الثقافي والإعلامي وإمكانات مالية كبيرة تواجه حقيقة أنها مرفوضة تماما -كما دلت الانتخابات النيابية والنقابية والبلدية التي تجري في عدة دول عربية- ولذلك فإن خطابها لم يعد يدعو إلى الديمقراطية والحريات بل إلى فرض السلام والتحديث والوعي والتقدم رسميا وبالإكراه.

ولهذه الغاية راحت قوى سلام الإكراه تستخدم تقنيات ثقافية ومعرفية وإعلامية لإقناع العرب بضرورة التسليم بهزيمتهم الكاملة، والتسليم بأن عصر الثورات لقلب موازين القوى قد ولى إلى غير رجعة، وأن نهاية التاريخ قد حلت على أيديولوجيات التحرير والثورة والسيادة والاستقلال مثلما حلت في السياسة والأمن والاقتصاد.

ونجم عن مثل هذه الحملات الإقناعية بيئات عربية على مستوى الحكومات والمجتمع المدني تقبل الأمر الواقع وتتماهى معه، وبعضها راح يدعو إلى التكيف الإيجابي مع التحول الجديد والتعامل مع النظام العالمي والإقليمي من داخله على أمل تغييره.


الثقافة الإسرائيلية الصهيونية مكتظة بعناصر الشك والالتباس والتلفيق وبالشعور الدائم بخطر الآخر، ولهذا أظهرت ما يشبه الهلع الوجودي إزاء هلال حضاري إسلامي عميق الجذور
تطبيع وتتبيع
رافق عمليات التفاوض الذي دشن في مؤتمر مدريد تحول ثقافي يرى أن التطبيع الثقافي الصهيوني قدر لا راد له.

وعلى نحو ما فقد جاءت المحصلة واحدة بالنسبة لمروجي ثقافة التطبيع ومعارضيها على نحو متشائم فجائعي، والواقع أن نوعا من الاهتزاز في الخطاب السياسي الثقافي وفي لغة المواجهة قد سيطر. فلا التكيف الإيجابي مع واقع الحال حال دون أسئلة الشك، حتى من قبل أولئك الذين أغوتهم نظريات التكيف والتعامل الواقعي مع آليات الزمن السياسي السلمي وتفاصيله، وبدا كذلك ما يشجع الشعور بالتشاؤم بعدما أظهر السلام المتعثر امتناعا حادا لاجتماع أطراف السلام على نسق واضح المعالم.

كان زبيغنيو بريجنسكي المخطط الإستراتيجي ومستشار الأمن القومي في عهد الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر يبدي تشاؤمه من سلام شامل ودائم يؤسس لنظام إقليمي شرق أوسطي متعاون ومستقر. وبين بريجنسكي أن انتصار أميركا في حرب الخليج زج بها في انغماس سياسي وعسكري قد يطول أمده، وأنه تبعا لذلك لن تتحرك أزمة الصراع العربي الإسرائيلي باتجاه الحل.

وقد أثبتت تجربة السنوات التي تلت انعقاد مؤتمر السلام في مدريد عسر -إن لم نقل استحالة- قيام نظام للسلام بين العرب وإسرائيل، فالتجربة السلمية بعد حرب الخليج تأسست على معادلة شديدة التناقض والتعقيد. فالإسرائيليون تحولوا إلى الإصرار على الحد الأقصى لأهدافهم، بينما لم يعد لدى العرب ما يقدمونه من أجل السلام سوى الاعتراف بدولة إسرائيل.

وعلى المستوى الثقافي ظهر أيضا أن الثقافة الإسرائيلية الصهيونية مكتظة بعناصر الشك والالتباس والتلفيق وبالشعور الدائم بخطر الآخر. وبسبب هذه الطبيعة التكوينية للثقافة الإسرائيلية، برز إلي العلن ما استتر منها طيلة نصف قرن من انضوائها وانعزالها داخل أسوارها المغلقة، وظهر ما يشبه الهلع الوجودي بإزاء هلال حضاري قاري هو الثقافة الإسلامية التي لا تستطيع الثقافات الخارجية إلا الانكفاء أو الذوبان في محيطه.

فلئن أخذت الثقافة العربية الإسلامية من الإسلام مفهوم التسامح مع أهل الكتاب، والتعامل مع اليهود كدين، فإن الثقافة الصهيونية لم تر في العالم المحيط إلا سورا من العداوات ينبغي هدمه ليتحقق الأمان لدولة إسرائيل، ثم إن نزعة الاستعلاء التي تنبني الثقافة الصهيونية عليها ليست إلا الوجه الآخر للخوف من الآخر.

الثقافة الجديدة


فهم ثقافة السلام الجديدة قائم على ملاحظة صياغة العالم في ديمقراطية لا تتيح لغير النخب الليبرالية الوصول إلى مواقع النفوذ، وبالمقابل حرمان وتجاهل ومطاردة وربما اغتيال وتصفية للآخرين الممانعين

تبدو الإستراتيجيات الثقافية الأميركية والإسرائيلية عكس ما يروج له معظم أعداء التطبيع ومعارضو التسوية، الذين يعتقدون أن المرحلة القادمة ستشهد حالة من الترويج لثقافة السلام والتعاون بين العرب والإسرائيليين.

ويجد هؤلاء أدلة ومؤشرات صحيحة على عمليات التغيير التي تجري في المناهج المدرسية، وفي الخطاب الإعلامي، وفي التطبيع الدؤوب الذي تمارسه المؤسسات الإعلامية والثقافية والرسمية، وتفرد له مؤسسات وبرامج كثيرة ينفق عليها الكثير.

ولكن ثمة ما يدعو إلى الافتراض أن خطة العمل الثقافي الحقيقية قائمة على تكريس الهيمنة بإنشاء طبقات جديدة تفرض على الشعوب والمجتمعات العربية، وأن المضمون الثقافي لهذه الخطط والمؤسسات ليس قائما على السلام وإنما على المشاركة في الاقتصاد العالمي والانخراط في مكافحة الإرهاب. ولأجل ذلك يجب أن يكون ثمة إرهاب يبرر الوجود العسكري الأميركي والتعاون مع إسرائيل، وغياب الديمقراطية والتنمية.

والتطبيق الثقافي والإستراتيجي لهذه الرؤية أن العالم كله يجب أن يتبع النموذج الأميركي وأن ماعداه هو شر محض وتخلف (معنا أو مع الإرهاب)، وأن محاربة هذا النموذج هي محاربة الازدهار والحداثة والديمقراطية.

ولنتأمل على سبيل المثال هذا الحديث الذي نشرته جميع الوكالات ووسائل الإعلام لنائب وزير الدفاع الأمريكي لبول ولفويتز في معهد بروكنغز الأميركي، فقد عبر المسؤول الأميركي عن مخاوفه من وجود تصادم ناتج عن سوء فهم بين العالمين الغربي والإسلامي قال إنه يسفر عن "فجوة خطيرة" بين الجانبين. ودعا إلى إحداث تقارب بين هذين العالمين مطالبا بالعمل على ردم هذه الفجوة.

ويقول ولفويتز إن مهمة الولايات المتحدة في أفغانستان وفي العراق هي "مهمة تحرير لا احتلال"، وإن تركيا تقدم للعالم الإسلامي مثالاً مهماً أثناء انطلاقها على طريقها الخاص نحو نظام الحكم التمثيلي.

والغرب وفقا لولفويتز، متمثلاً في أميركا، يبعث برسالة إلى العالم الإسلامي يشير فيها إلى أن الحالة التركية "هي المثال الذي ينبغي على البلدان الإسلامية أن تحذو حذوه".
والحرب التي تخوضها الولايات المتحدة حالياً يراها نائب وزير الدفاع الأميركي "حرب أفكار" تتمثل في "الصراع بشأن التحديث والعلمنة، والتعددية والديمقراطية، والتنمية الاقتصادية الحقيقية"، وقال "هناك الملايين من المسلمين الذين يتوقون إلى الحداثة والحرية والازدهار والذين هم أنفسهم في الواقع في طليعة صفوف الصراع ضد الإرهاب".

وعند استعارة هذا النموذج يمكن الحديث عن مؤسسات ثقافية وصحف ومجلات ومؤتمرات وندوات ترعاها الولايات المتحدة وأوروبا تقود العمل الثقافي والإعلامي والتوجيه والمعلومات، وتحرم الاتجاه الآخر من فرص التعبير والظهور ومن أن يستمع إليه أحد أو تتاح له فرصة في مزاولة نشاطه ونشر فكرته بأي صورة من الصور.

والخلاصة فإن فهم ثقافة السلام الجديدة قائم على ملاحظة صياغة العالم في ديمقراطية لا تتيح لغير النخب الليبرالية الوصول إلى مواقع التأثير والنفوذ، وبناء مؤسسات أكاديمية وثقافية وعلمية لا يملك غير أعضاء الطبقة الجديدة الوصول إليها، وإغراق ثقافي وإغداق مادي وأدبي وجوائز وإغواء إعلامي وأضواء تقدم لفئة من النخب التابعة، وحرمان وتجاهل ومطاردة وربما اغتيال وتصفية للآخرين، وتشريعات وبرامج ثقافية وسياسية وإعلامية تفرض الثقافة الغربية وتحارب قيم الأسرة والتماسك والثقافة الوطنية، وإطلاق الحريات الفردية بلا حدود، والانفتاح الكامل على الثقافة والقيم الغربية، وتشجيع عادات وأنماط حياة وافدة مثل تحديد النسل وتنظيمه، والاختلاط، وإباحة العلاقة بين الرجل والمرأة خارج إطار الزوجية وحتى الشذوذ الجنسي الذي كان الليبراليون في المعارضة العراقية متعجلين على فرضه كأولوية تتقدم على إعمار العراق وإقامة نظام ديمقراطي فيه.
___________________
* كاتب أردني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة