أوباما "التغيير" والآثار المنظورة على العلم والبيئة   
الأربعاء 1430/3/1 هـ - الموافق 25/2/2009 م (آخر تحديث) الساعة 20:44 (مكة المكرمة)، 17:44 (غرينتش)

 

وحيد محمد مفضل

- العلم كرهان على المستقبل وأهمية السياسات العلمية والبيئية
- وعود أوباما الخضراء وتوجهاته العلمية الحالمة
- أرض الواقع والملاحظات الأخيرة

"التغيير قادم".. شعار بسيط ولا يحتاج إلى أي شرح أو تفصيل، استخدمه أوباما بكل المعاني عنوانا لحملته الانتخابية الرئاسية، مدركا حاجة المجتمع الأميركي بل والعالم بأسره، لتغيير دفة اتجاه السياسات الأميركية -سواء كانت خارجية أو داخلية- عن الانحرافات التي شابتها في عهد بوش الابن طوال سنوات حكمه الثماني العجاف.

وبالفعل فقد تحقق لأوباما نصر مؤزر بفضل العزف على هذا الوتر، كما تحقق للشعب الأميركي فعليا جزء من التغيير المنشود يوم 20 يناير/كانون الثاني الماضي، حينما تم رسميا تنصيب أوباما كأول رئيس أميركي أسود، وهذا وسط حشد غير مسبوق لم يحظ به أي رئيس أميركي سابق.

وفي حفل التنصيب هذا، زكى أوباما حضوره المشهود بخطاب بليغ ومحتشد المعاني، صدح فيه بكلمات رنانة وتوجهات إيجابية كثيرة لم تعرفها أبداً أيديولوجية السيد بوش المتطرفة ولا قاموسه السياسي المتسلط، يصب معظمها في خانة تغيير المنهج السياسي الذي كان قائما، وتغيير مفردات الخوف والخلاف والعصا التي كانت سائدة، بمفردات الأمل والتكاتف ووحدة الهدف، معتبراً هذا أحد رهانات المستقبل، ونهجا أقوم لحل المشكلات الآنية والمستقبلية.

العلم كرهان على المستقبل وأهمية السياسات العلمية والبيئية
بنفس المنطق وبنفس الإصرار، تطرق أوباما في خطابه المقتصد إلى بعض رهانات المستقبل الأخرى، ومنها السياسات والتوجهات العلمية والبيئية المستقبلية لبلاده، مؤكدا عزمه إصلاح ما أفسده بوش فيها، و"إعادة العلم إلى مكانته التي يستحقها"، وواعدا بأن يكون هذا سبيلا لنفاذ بلاده والعالم من المشاكل البيئية المحيقة، وسبيلا أيضا لاسترداد أميركا السمعة والمكانة المرموقة التي تراجعت كثيرا خلال الفترة السابقة.

"
السياسات العلمية والبيئة للإدارة الأميركية الجديدة يمكن أن تشكل منعطفا هاما خلال المرحلة المقبلة سواء لمكانة أميركا ذاتها أو للمجتمع العالمي
"
بالنسبة لكثير منا -خاصة ممن ينتمي لدول تفتقد أساسيات الحكم الرشيد، ومهمش فيها دور العلم، وموضوع شؤون البحث العلمي والبيئة فيها ديكور وزاري لا أكثر- قد يبدو غريبا وغير معتاد أن تخصص قمة الهرم السلطوي وهي في قمة نشوتها باعتلاء كرسي الرئاسة، مقالا للحديث عن السياسات العلمية والبيئية المستقبلية. ومن هنا قد يسأل آحاد منا بالتبعية: ما أهمية تلك السياسات في تحقيق التغيير المنشود؟ وما شأننا بها؟ ثم كيف يمكن لها أن تحسن من الصورة الممقوتة التي خلفها الرئيس الغابر بوش لأميركا؟

للإجابة على هذه الأسئلة، ينبغي بداية توضيح نقطتين محوريتين: الأولى أن أميركا -شئنا أم أبينا- هي قبلة العلم في العالم، وهي حقيقة يفرضها ذلك التفوق الكاسح للمؤسسات والجامعات العلمية الأميركية على نظرائها في الدول الأخرى، ويفرضها كذلك عدد الأبحاث والجوائز والمنجزات العلمية والتقنية السنوية الصادرة عنها.

وهذه الحقيقة تعني في المقابل أن أي تغيير في الإستراتيجيات والتوجهات العلمية لدولة بمثل حجم أميركا ومن موقفها من بعض قضايا العلم والبيئة، من شأنه أيضا تغيير مقادير أمور أخرى كثيرة في العالم، وهذا بحكم أن جميع الأدوات المتاحة لنا ومن حولنا هي في الأصل مخترعات علمية ونتاج سياسات وخطط بحثية طويلة وقصيرة المدى، ومن شأنه أيضاً التأثير على التوجهات العلمية للدول الأخرى، لا سيما النامية التي يعتمد عدد كبير منها على التقليد العلمي وعلى استيراد منجزات العلم والتقنية الأميركية والأوروبية.

والنقطة الثانية هي أن السياسات العلمية والبيئية لدولة ما -خصوصا إذا كانت متقدمة مثل أميركا- يمكن أن تعلي أكثر من قيمتها بين الأمم، ويمكن أيضا أن تؤدي إلى تشويه صورتها وتزايد الكره لها، وهذا فعلا ما ينطبق على وضعية أميركا خلال السنوات الماضية.

فمثلما تحدت إدارة بوش إرادة المجتمع الدولي وسارت عكس التيار في مجال السياسة الدولية، فعلت نفس الإدارة في خط مواز نفس الشيء لكن في مجال العلم وحماية البيئة، وذلك بارتكابها عددا من الأخطاء العلمية التي لا تغتفر، وبمعارضتها عددا من التوجهات والاتفاقيات البيئية الدولية وبعضها يتعلق بمصير الأجيال القادمة ومستقبل كوكب الأرض والمعذبين فيها من جوعى وفقراء العالم، وبشكل أدى إلى تولد حالة من السخط والحنق العام على أميركا، لا سيما بين أوساط المثقفين والعلماء ومحبي البيئة، حتى باتت تعرف بين هذه الأوساط بأنها أكبر ملوث لكوكب الأرض وهي العدو الأول للبيئة، كما عرف بوش بأنه من أكثر رؤساء العالم مناهضة للسياسات البيئية الدولية.

نافلة القول من هذا كله، أن السياسات العلمية والبيئة للإدارة الأميركية الجديدة يمكن أن تشكل منعطفا هاما خلال المرحلة المقبلة سواء لمكانة أميركا ذاتها أو للمجتمع العالمي المهدد حالياً بجملة من المشاكل البيئية والاقتصادية الملحة. من هنا فإنه من الأهمية بمكان تسليط الضوء على توجهات وطموحات تلك الإدارة في مجال العلم وحماية البيئة، وعلى الآثار المستقبلية المنظورة لهذه التوجهات، مع ملاحظة أن نفس الأمر يتطلب الإشارة -ولو بصورة سريعة- إلى نقائص وأخطاء الإدارة السابقة في نفس المجال، على الأقل للتعرف على حجم الأضرار الناتجة عن هذا النهج غير القويم، وعلى حجم التأثير المنتظر للتغيير الجديد.

وعود أوباما الخضراء وتوجهاته العلمية الحالمة
على النقيض تماما من سلفه بوش، فإن أوباما يبدو -من واقع قدراته الشخصية اللافتة وثقافة اطلاعه الواسعة وخبراته المهنية المتنوعة- أكثر إحساسا بالمسؤولية الملقاة على عاتقه، وأكثر حسا بقيمة العلم وبأهمية قضايا البيئة.

والحقيقة أن قراءة وعود أوباما الانتخابية الخضراء وما اتخذه من خطوات وقرارات حتى الآن، وآخرها تعيين عدد من العلماء المرموقين والحائزين على نوبل كمستشارين علميين ووزراء ضمن طاقمه الإداري، تشير فعلا إلى رجاحة منهجه وإمكانية تحقيق هذه الخطط دفعة مشهودة في مجال التقدم العلمي والبيئي، سواء داخل أميركا أو خارجها.

"
ملف الطاقة والبحث عن مصادر نظيفة وبديلة -الذي طالما أهمله بوش (رجل النفط السابق)- يمثل واحداً من أكثر الملفات التي أولاها أوباما اهتماما أثناء جولاته الانتخابية
"
فالرجل أكد في المبتدأ ومرارا على احترامه للعلم ولحرية العلماء في إجراء الأبحاث وللنتائج التي يتم التوصل إليها، كما أكد على أهمية دعم منظومة البحث العلمي، مشيراً في هذا إلى عزمه مضاعفة الميزانية المخصصة للأبحاث خلال السنوات العشر القادمة.

وتكمن أهمية هذا التوجه تحديدا فيما ذُكر على لسان أوباما نفسه، بأن الإنفاق على البحث ودعم مهمة العلماء وإطلاق حرية البحث كان دائما الدافع وراء تحقيق أميركا عبر تاريخها لإنجازات علمية فريدة، ووراء تمكن علمائها من اختراق جبهات جديدة حققت لها دور السبق والريادة، وحققت للعالم النفع والرفاهية.

للتدليل أيضا على أهمية ومدلول هذا التوجه، تنبغي الإشارة إلى ما لاقاه البحث العلمي في عهد بوش من تضييق ومن تكرار شكوى عدد كبير من العلماء الأميركيين من تعمد خفض تمويل الأبحاث أو منحه بناء على التوجه السياسي، وشكواهم أيضا من تحريف نتائج بعض الأبحاث والانتقاء منها ما يتوافق مع وجهة النظر الرسمية، فضلا عن فرض قيود معينة على مجالات بحثية بعينها، بما ترتب عليه تفوق أوروبا في بعض التخصصات العلمية مثل الهندسة الوراثية وأبحاث الخلايا الجذعية والطاقة البديلة.

كما تنبغي الإشارة إلى تشدد الإدارة السابقة في منح تأشيرات السفر وفرضها قيودا صارمة ومجحفة على دخول طلاب وباحثين وعلماء أجانب جدد لأميركا، وما ترتب على ذلك من تراجع ملحوظ وشديد في نسبة العلماء الوافدين إليها، وبدرجة أثارت مخاوف كثيرة من إمكانية فقد أميركا دورها الريادي في علوم كثيرة نظرا لاعتماد كثير من جامعاتها ومراكزها العلمية والبحثية على الكفاءة العلمية للعقول الوافدة والعلماء المهاجرين.

رفع القيود المفروضة على أبحاث الخلايا الجذعية منذ العام 2001 من قبل إدارة بوش، وزيادة الدعم المخصص لها يشكلان جانباً آخر من التعهدات والوعود التي أطلقها أوباما بخصوص تشجيع البحث العلمي ودعم التوجهات العلمية الجديدة، ورغم القضايا الخلافية التي تثيرها لاسيما مع الحزب الجمهوري، ورغم إشكالياتها الأخلاقية والدينية المتعددة، فإن الفوائد والمزايا المرجوة من تطبيقها -وبحسب ما يرى أوباما والعلماء المؤيدون- يمكن أن تشكل منعطفا هاماً في مجالات علمية عديدة، وفي علاج كثير من الأمراض البشرية المستعصية والفتاكة، وما أكثرها حاليا.

تتميز الإدارة الأميركية الجديدة أيضا -على نقيض سابقتها- بتوجه أكبر نحو البيئة، وبإصرار بالغ على عودة أميركا إلى الصف العالمي في محاربة واحدة من أخطر مشاكله البيئية المحيقة بالمجتمع البشري حاليا، ألا وهي قضية التغير المناخي التي طالما أهملها بوش وقوض من الجهود العالمية الرامية إلى وضع حد لتداعياتها. فقد وعد أوباما ببذل جهود كبيرة لخفض الانبعاثات التي تقف وراءها بلاده، وبإعادة الانخراط في المحادثات الدولية التي تهدف إلى خفض معدلات التلوث في أنحاء العالم، متعهدا في هذا بخفض الانبعاثات الغازية بنسبة 15% بحلول العام 2020، وبنسبة 80% بحلول العام 2050.

ملف الطاقة والبحث عن مصادر نظيفة وبديلة -الذي طالما أهمله بوش (رجل النفط السابق)- يمثل واحداً من أكثر الملفات التي أولاها أوباما اهتماما أثناء جولاته الانتخابية، إذ أكد مراراً عزمه تعديل سياسات الطاقة في بلاده، وتحويل اقتصادها تدريجيا نحو ما يعرف باسم الطاقة النظيفة أو الطاقة الخضراء، وهو ما يقلل من الانبعاثات الغازية الملوثة للبيئة ومن اعتماد بلاده على "النفط الأجنبي" وعلى "الدول والأنظمة العدائية" المصدرة لها، بحسب تعبيرات أوباما نفسه.

بل إن طموح الرئيس الجديد امتد إلى إمكانية استغلال الطاقة "الوطنية" الخضراء اقتصاديا عبر توفير ملايين الوظائف الجديدة، وبيع حصة أميركا من الانبعاثات الكربونية المرجح فعلياً خفضها عبر استخدام مصادر الطاقة النظيفة، إلى الدول الأخرى التي لم تتمكن من تقليل انبعاثاتها الغازية الضارة، في آلية أطلق عليها اسم "Cap-and-Trade" أو "الخفض والمتاجرة" التي تشابه إلى حد كبير آلية الاتجار بالكربون المقترحة من قبل الاتحاد الأوروبي.

"
حجم الآمال المعقود على أوباما كبيرة وكثيرة جدا، بما يعني أن حاصل جهده مهما تحلى به من إصرار ومهما بلغه من توفيق، لن يوازي تلك الآمال "
أرض الواقع والملاحظات الأخيرة

لا شك أن أوباما أمامه فرصة ذهبية لإصلاح ما أفسدته إدارة بوش الغابرة ولاسترداد مكانة بلاده، إذا نجح في تنفيذ وعوده الخضراء وتوجهاته العلمية الحالمة التي قطعها على نفسه قبيل اعتلاء سدة الرئاسة.

والحقيقة أن جميع المؤشرات والقرارات الصادرة عن إدارة أوباما تشير حتى الآن إلى أن الرجل يسير بالفعل على الطريق الصحيح، ويبدو مصراً وصادقاً فعلا في تحقيق وعوده.

فبعد أيام من دخوله البيت الأبيض، أصدر توجيهات لإدارته بالعمل على مراجعة سياسات بوش في مجال التعامل مع الطاقة ومراجعة اللوائح الاتحادية الخاصة بالانبعاثات الغازية، كما أعطت إدارة الأغذية والعقاقير الأميركية إذناً غير مسبوق ببدء البحث في العلاج بالخلايا الجذعية التي تؤخذ من الأجنة.

بيد أن الطريق لا يزال طويلا، كما لا يزال مبكرا لإصدار أحكام نهائية أو قويمة، خصوصا أن هناك ملاحظات أساسية لا ينبغي إهمالها أو إغفالها، على الأقل كي لا يكون التفاؤل مفرطا أو صادما.

أولى هذه الملاحظات أن هناك قضايا كثيرة خلافية بين حزب أوباما الديمقراطي والحزب الجمهوري، ليس فقط بشأن التوجهات السياسية والسياسة الدولية، لكن أيضاً بشأن القضايا العلمية وسبل حماية البيئة، مثل أبحاث الخلايا الجذعية، وقوانين الإجهاض والطاقة، وحماية الكائنات المهددة بالانقراض وغيرها، وهذا يعني أنه من الممكن ألا يتمكن أوباما من تمرير بعض خططه وبالتالي تحقيق جل طموحاته، بسبب المعارضة المنتظرة للديمقراطيين في الكونغرس الأميركي.

الثانية أن حجم الآمال المعقودة على أوباما كبيرة وكثيرة جدا، بما يعني أن حاصل جهده مهما تحلى به من إصرار ومهما بلغه من توفيق، لن يوازي تلك الآمال، خصوصا إذا وضعنا في الاعتبار احتمال تعاظم دور بعض العوامل الأخرى المعاكسة، مثل تزايد دور لوبي المصالح من تحالف شركات الطاقة والبذور الزراعية المعالجة وراثيا والكيانات العملاقة الأخرى، للحيلولة دون تحقيق أهداف معينة مناهضة لها أو لمصالحها الاحتكارية.

الثالثة والأخيرة تنبع من تخوف البعض -ومنهم رئيس هيئة موظفي البيت الأبيض السابق جون بوديستا- من احتمال تعرض شخصية أوباما نفسها للتغير، وتحولها عن خصال القيادة الرشيدة التي أكسبت الرجل شعبية هائلة، وهذا بسبب فقد قدرته على الاتصال بالآخرين، وانحصار علاقاته واستشاراته بالجوقة المحيطة المحدودة، وهو ما قد يضعه في معزل عن هموم واهتمامات القاعدة العريضة من الجماهير، مثلما حدث مع سلفه بوش.

على أي حال، فإنه ليس بمقدور أي منا -وغالبيتنا من دول مستوردة لمنجزات العلم وتابعة سياسيا واقتصاديا وعلميا لقطب العالم الأوحد حاليا- سوى التمني والجلوس في مقاعد المتفرجين انتظاراً لما ستسفر عنه جهود الإدارة الجديدة خلال أربع أو ثماني سنوات أخرى من الحكم الأميركي، تاركين للتاريخ وحده حساب أوباما على وعوده وعلى أفعاله، وتاركين لأنفسنا تجرع مرارة التبعية.
ـــــــــــــــ
كاتب مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة