أخطاء إيران تساهم في عزلها عربيا   
الأحد 1431/1/3 هـ - الموافق 20/12/2009 م (آخر تحديث) الساعة 17:18 (مكة المكرمة)، 14:18 (غرينتش)
ياسر الزعاترة


هناك الكثير من البؤس الذي يمكن العثور عليه بين ثنايا الخطاب الذي يتحدث بلغة التهويل والتخويف عن إيران ومشروعها ونفوذها في المنطقة، لكن الوجه الآخر للصورة ما زال يشير إلى أخطاء يصعب تجاوزها في السلوك الإيراني، وهي أخطاء تمنح الطرف المعني باستهدافها لحسابات مختلفة ذخيرة مهمة وفاعلة، في ذات الوقت الذي يصعّب الموقف على الأطراف العاقلة التي تدعو إلى الوحدة ونبذ لغة الشقاق، والتي لا تتعامى عن الوجه الآخر لإيران ممثلا في دعم قوى المقاومة في المنطقة وتحدي المشروع الأميركي الصهيوني.

لا خلاف على أن شيوع الخطاب السلفي التقليدي ما زال يساعد في تصعيد أجواء الشحن المذهبي ضد إيران، وهذا الشيوع لا صلة له بقدرة الخطاب المذكور على الإقناع، بقدر صلته بالدعم والتبني الرسمي من قبل عدد من الأنظمة، وبالطبع لأنه يروج للعلمانية في جانبها الأروع بالنسبة للنخب الحاكمة، أعني تبنيه الضمني لمقولة "ما لقيصر لقيصر وما لله لله"، أي ترك السياسة وإدارة شؤون الناس للحكام من دون مساءلة أو انتقاد، مع ترك النشاط الديني لأهل ذلك الخطاب، أقله حتى حين، لأن ذلك لن يدوم إلا لمرحلة معينة يجري التخلص خلالها من مظاهر الصحوة الدينية بالتدريج.

"
شيوع الخطاب السلفي التقليدي لا زال يساعد في تصعيد أجواء الشحن المذهبي ضد إيران، وهذا الشيوع لا صلة له بقدرة الخطاب المذكور على الإقناع، بقدر صلته بالدعم والتبني الرسمي من قبل عدد من الأنظمة
"
من جانب آخر، ليس من السهل القول إن الهجمة الرسمية العربية على إيران هي فقط محض مجاملة للولايات المتحدة المعنية بشيطنة نظام الملالي تمهيدا لضربه (لحساب الدولة العبرية بالطبع)، إذ إنها تعكس أيضا مخاوف حقيقية من المشروع الإيراني، أكان بسبب دعمه لقوى المقاومة وما يترتب على ذلك من إحراج لأنظمة "الاعتدال" العربية، أم بسبب مخاوف تصعيد مطالب الأقليات الشيعية في المنطقة على نحو يثير بعض الاضطرابات في الدول التي تتواجد فيها، فضلا عن البُعد المصري في القضية ممثلا في مخاوف القاهرة من نفوذ إقليمي لإيران يأكل ما تبقى من نفوذ مصر التي تعيش أزماتها الخاصة من توريث ورفض للإصلاح يتطلب الدفع للولايات المتحدة من جيب قضايا الأمة.

نأتي إلى الجزء الأساسي من هذا المقال ممثلا في الأخطاء التي ارتكبتها وترتكبها إيران وتمنح خصومها ذخيرة لاستهدافها، وتجعل مهمة أصدقائها وكذلك دعاة الحوار واللقاء معها صعبة إلى حد ما. ولعل من المفيد هنا الإشارة إلى تصريح بالغ الأهمية للجنرال ديفد بتراوس، قائد القيادة الوسطى في الجيش الأميركي الذي قال مؤخرا لقناة فوكس نيوز إن "الإيرانيين ما زالوا أفضل المجندين للقيادة الوسطى الأميركية التي تضم الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، في الوقت الذي نطور فيه شراكاتنا".

وأضاف بتراوس قائلا إن القادة الإيرانيين "أثاروا قلقا شديدا لدى الموجودين على الضفة الأخرى للخليج"، وهنا أشار إلى جملة من الأنشطة الإيرانية التي خلط فيها السيئ بالحسن، لكن القاسم المشترك بينها هو إثارة مخاوف عدد من الأنظمة العربية، وربما الشعوب كذلك.

لا داعي في هذا السياق لاستحضار التاريخ كما يفعل دعاة الشحن المذهبي، سواء القديم منه، أم الحديث عبر الإشارة إلى دور إيران في احتلال أفغانستان، لأن طالبان لم تكن على ود مع إيران من جهة، ولأن أي موقف إيراني لم يكن ليمنع الاحتلال، الأمر الذي ينطبق على الموقف من احتلال العراق.

الأهم هو سؤال الحاضر وعلى رأسه ما يتعلق بالدور الإيراني في العراق، وهو دور ما زال يثير الكثير من الإشكالات بسبب إصرار إيران على دولة مذهبية تابعة، من دون أخذ تاريخ البلد ومكوناته الأخرى، فضلا عن حساسيات الوضع العربي في الاعتبار. ولا شك أن الدور السلبي لإيران في الاستهداف الرهيب الذي تعرض له العرب السنة بعد الاحتلال كان مثيرا إلى حد كبير، وإن توفر الكثير من المنطق في الحديث عن الردود العنيفة التي جاءت من قبل قوىً محسوبة على السنة، والتي تجاوزت الدين والأعراف في استسهالها سفك دماء الشيعة العراقيين.

والحق أنه إذا واصلت إيران سياستها الراهنة في العراق، فإن الحساسيات العربية، والسنية عموما حيالها ستتواصل، والأفضل بالطبع أن تبادر إلى دور أكثر إيجابية يتعامل مع العراق بروحية الوحدة ونبذ الطائفية وتفهم انتماء البلد لفضائه العربي، من دون أن يعني ذلك تناقضا مع مصالحها كجارة مسلمة، ولاسيما أن أمرا كهذا قد يساهم في علاقة أفضل بينها وبين العالم العربي.

"
إيران المستهدفة اليوم من قبل الولايات المتحدة في حاجة إلى تعاطف الأمة، وهو ما لن يحدث إذا واصلت نهجها في العراق, ولا شك أن موضوع الحوثيين كان خطأ آخر قارفته إيران
"
هناك إلى جانب الملف العراقي كل ما يتعلق بقصة التشييع، وفي حين سبق أن أبدينا رأينا في المبالغة التي تكتنف الموضوع، وما ينطوي عليه من إساءة للسنة ومذهبهم بتصويره بمظهر الهش، الأمر الذي لا يمكن أن يكون صحيحا بحال، إلا أن ذلك لا ينفي ضرورة أن تبادر إيران إلى لجم أي نشاط على هذا الصعيد يخرج من تحت عباءتها، لأن إطلاق هذا العفريت سيصيبها أكثر من سواها، وهي إن أصرت على دورها كممثلة لمذهب وليس دولة ضمن الفضاء الإسلامي لها مصالحها المعتبرة، فستجرّ على نفسها الكثير من المتاعب. وعموما، فإن أجواء الحشد المذهبي تستحق أن تُخصّ بمزيد من الحذر في أي سلوك مهما كان.

إن إيران المستهدفة اليوم من قبل الولايات المتحدة في حاجة إلى تعاطف الأمة، وهو ما لن يحدث إذا واصلت ذات النهج (لا نبرر تعاطف أي مسلم مع ضربة أميركية أو إسرائيلية توجه إليها). ولا شك أن موضوع الحوثيين كان خطأ آخر قارفته إيران، رغم قناعتنا بأنه ملف شائك يتحمل النظام اليمني وزره الأكبر.

إن دخول إيران على خط هذا الصراع لم يكن موفقا بحال، سواء بتغيير مذهب قلة من الزيود هناك إلى المذهب الجعفري، أم بتسليح القوم. لكن الأسوأ هو الخطاب السياسي الذي تابع الملف، والذي انطوى على تدخل واضح في الحرب، الأمر الذي استنفر حساسيات كثيرة، ولاسيما بعد الدخول السعودي على الخط. حدث ذلك بالطبع لأنه أعاد تقديم إيران للعالم العربي بوصفها ممثلة مذهب، تريد استثماره في تحقيق التوسع، الأمر الذي يسيء بالطبع للأقليات الشيعية في المنطقة ويقدمها بوصفها حصان طروادة الذي ستستخدمه إيران لتوسيع نفوذها.

وعندما تضطر أكثر الدول العربية قربا من إيران (سوريا) إلى مجاملة السعودية في حربها ضد الحوثيين، فهذا يعني أن إيران قد بدأت تصعّب الموقف على حلفائها، ولا ننسى التناقض القائم بين البلدين (أعني سوريا وإيران) في الملف العراقي، حيث تدعم كل واحدة طرفا في الصراع، ولعل ذلك يشكل جزءا من أسباب تعزيز العلاقات الإستراتيجية بين تركيا وسوريا خلال العامين الأخيرين، وهي علاقات لا تنظر إليها طهران بعين الارتياح.

كل ذلك يعيدنا بالضرورة إلى الوضع العربي البائس الذي ساهم في منح إيران دفقة من غرور القوة، وربما ساهم في اقترافها كل تلك الأخطاء، ولو كان الوضع العربي يعيش بعض العافية، وعلى رأسه مصر، لحسبت له إيران ألف حساب، ولما كان بوسعها أن تلعب في العراق وحدها بتلك الطريقة على سبيل المثال.

لو كان الوضع العربي يعيش قدرا معقولا من العافية، لفرض على إيران التواضع في طموحاتها من جهة، ولدفعها أيضا إلى حوار يأخذ القواسم المشتركة للطرفين بنظر الاعتبار، بخاصة في ظل صحوة تركيا الجيدة خلال العامين الأخيرين، وإن بقيت تراوح بين التزاماتها الأوروبية والغربية، وعلاقاتها مع الدولة العبرية، وبين طموحاتها في التمدد على المستوى الإسلامي.

"
الذين يتخصصون في الشحن المذهبي في الطرف السني، ينبغي أن يجيبوا على سؤال الكيفية التي يقترحونها للتعامل مع إيران من جهة وشيعة المنطقة من جهة أخرى، بينما على الطرف الآخر أن يجيب عن ما إذا كان بوسعه تحدي غالبية الأمة أم لا؟
"
على أن بؤس الوضع العربي الرسمي لا ينبغي أن يدفع إيران إلى تجاهل البعد الشعبي، وبالطبع حتى لا تتركه بسبب أخطائها نهبا لخطاب يشيطنها ويجعلها أكثر خطرا على الأمة والمنطقة من المشروع الأميركي الصهيوني، مع أننا قلنا وسنظل نقول إنها ليست كذلك، وأن الحوار بينها وبين جيرانها يمكن أن يحلّ كثيرا من الإشكالات القائمة إذا جرى استبعاد الشيطان الأميركي من عقل الأنظمة.

ويبقى دور القوى الحية في الأمة التي ينبغي أن يكون لها دورها في ترشيد الخطاب الشعبي من جهة، وقبل ذلك دفع الطرفين الإيراني والعربي الرسمي إلى حوار يحافظ على مصالح الأمة في مواجهة أعدائها الذين لا يريدونها إلا متناحرة يضرب بعضها رقاب بعض.

أما الذين يتخصصون في الشحن المذهبي في الطرف السني، فينبغي أن يجيبوا على سؤال الكيفية التي يقترحونها للتعامل مع إيران من جهة وشيعة المنطقة من جهة أخرى، بينما على الطرف الآخر أن يجيب عن ما إذا كان بوسعه تحدي غالبية الأمة أم لا؟ ولما كانت الإجابة هي لا أكيدة، فإن الحل هو الحوار بعد تقديم كل طرف لما عليه من استحقاقات الحوار والتفاهم، ومن ثم التعاون لمواجهة العدو المشترك.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة