الصومال ونكبة الربيع العربي   
الاثنين 2/1/1435 هـ - الموافق 4/11/2013 م (آخر تحديث) الساعة 17:08 (مكة المكرمة)، 14:08 (غرينتش)
حمدي عبد الرحمن



أوهام الحرب على الإرهاب
دلالات هجوم نيروبي
دروس وعبر

على الرغم من الطابع الدموي العنيف للهجوم الذي شنه بعض مقاتلي حركة الشباب المجاهدين الصومالية على أحد المجمعات التجارية الكبرى في العاصمة الكينية نيروبي أواخر سبتمبر/أيلول الماضي وراح ضحيته عشرات الأبرياء فإنه أعاد التذكير بقصة الصومال التي لم تكتمل حلقاتها بعد.

إذ يبدو أن العرب الذين تجاهلوا التراجيديا الصومالية منذ بدايتها عام 1991 قد حسبوا أن تدخل القوات الأفريقية بمساندة غربية سوف يمثل الدواء الناجع لما اصطلح على تسميته بالمرض الصومالي.

وإذا كانت عملية نيروبي تجسد تحولا فارقا -وإن كان متوقعا- في الرؤية الإستراتيجية للحركات الجهادية الإسلامية في الصومال ومنطقة شرق أفريقيا بشكل عام فإن عملية التعامل معها والتداعيات المترتبة عليها تطرح العديد من التساؤلات والإشكالات المرتبطة بالصومال وجوارها الإقليمي، ولا سيما دول الربيع العربي.

إنها تطرح أوهام الحرب على الإرهاب وما يرتبط بها من مشروعات الهيمنة الإستراتيجية على العالم غير الغربي، كما أنها تعيد الاعتبار لأهمية التمسك بمقولة "الحلول الأفريقية للمشكلات الأفريقية".

وهي أخيرا تطرح العديد من الدروس والعبر المرتبطة بنكبة الربيع العربي ولا سيما الحالتين المصرية والسورية، وهنا تكمن أهمية المشابهة والمقابلة مع الحالة الصومالية والتي يحاول هذا المقال التعرض لها بالمناقشة والتحليل.

إذا كانت عملية نيروبي تجسد تحولا فارقا، وإن كان متوقعا، في الرؤية الإستراتيجية للحركات الجهادية بلصومال والمنطقة فإن عملية التعامل معها والتداعيات المترتبة عليها تطرح العديد من التساؤلات والإشكالات المرتبطة بالصومال وجوارها
أوهام الحرب على الإرهاب
من الواضح تماما أن الحرب السرية التي تقودها الولايات المتحدة ضد الشباب المجاهدين في الصومال هي أقل من حيث الاهتمام الإعلامي والدعاية المرتبطة بها مقارنة بما يحدث في كل من أفغانستان واليمن، ومع ذلك فإن المحصلة النهائية لا تختلف كثيراً.

فالعالم بعد مرور عقد أو يزيد على أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، لم يعد أكثر أمنا، فالولايات المتحدة تمتلك وجوداً عسكرياً كبيراً في قاعدة لومونية في جيبوتي حيث توجد بها طائرات بدون طيار وقاذفات إف 18 وناقلات جنود وقوات تدخل سريع.

وتشير بعض التقارير إلى أن الإدارة الأميركية تقوم بأعمال توسعة في هذا المعسكر بتكلفة (1.4) مليار دولار ليتمكن من استيعاب المزيد من قوات المارينز الأميركية.

وعلى صعيد آخر فإن القوات الأفريقية التي تحظى بدعم دولي وأميركي قد تمكنت من طرد الشباب المجاهدين من مقديشو، فضلاً عن قيام القوات الكينية التي غزت الأراضي الصومالية في أكتوبر/تشرين الأول 2011 بالسيطرة على مدينة كيسمايو الإستراتيجية.

ورغم كل هذه الانتكاسات العسكرية التي تعرضت لها حركة الشباب، ولا سيما في المراكز الحضرية، فإنها لا تزال تسيطر على معظم مناطق جنوب ووسط الصومال، وطبقاً لتقرير أعدته الأمم المتحدة مؤخراً فإن هيكل الحركة القيادي والعسكري الذي يعتمد على نحو خمسة آلاف مقاتل لا يزال متماسكاً.

ويعتبر أكا أحمد عبدي جوداني المكنى بالمختار أبو الزبير زعيم الحركة بلا منازع والذي استطاع بشخصيته الطاغية وتخلصه من معارضيه أن يحافظ على القدرات العسكرية والمالية للشباب المجاهدين.

ولعل أول هجوم تقوم به الحركة خارج الأراضي الصومالية يتمثل في تفجيرات العاصمة الأوغندية كمبالا والذي راح ضحيته نحو 74 شخصاً أثناء مشاهدتهم لمباريات كأس العالم في يوليو 2010، يعني ذلك تحول الحركة إلى نهج حرب العصابات.

ولا شك أن تعقيدات الوضع الداخلي في الصومال وتشابك المصالح الإقليمية والدولية عوامل تقف جميعها حجر عثرة أمام أي تسوية حقيقية للمعضلة الصومالية، فانتخاب الرئيس حسن شيخ محمود لا يعني نهاية لحالة الانقسام والتشرذم التي يعاني منها المشهد الصومالي أكثر من كونه تعبيرا عن إرادة دولية وإقليمية راغبة في وضع حد لحالة الفوضى الصومالية.

لم يكن غريبا أن يذكر تقرير الأمم المتحدة الأخير عن الصومال أنه في نوفمبر/تشرين الثاني 2012 بدأت القوات الكينية وحليفها الشيخ أحمد مادوبي بتصدير الفحم من ميناء كيسمايو من جانب واحد في انتهاك صارخ للحظر الذي فرضه مجلس الأمن، وبالمخالفة لتعليمات الرئيس الصومالي.

وفي نفس الاتجاه لا تزال حركة الشباب محافظة على دورها في الشبكات التجارية في مجال الفحم حيث تحصل منها على مزايا مادية كبيرة.

وفي المحصلة النهائية فقد أفضت السياسات الدولية والإقليمية الخاطئة لمحاربة الإرهاب إلى إعادة إنتاج العنف والإرهاب عبر آليات أخرى، لقد أضحى أسامة بن لادن ومن على شاكلته في مناطق التوتر والصراع الأفريقية بمثابة شي جيفارا للحركة الجهادية المناوئة للغرب وحلفائه في الداخل.

دلالات هجوم نيروبي
إن القراءة الواعية للهجوم على مجمع ويست غيت في العاصمة نيروبي والتي تعد القلب التجاري النابض لمنطقة شرق أفريقيا تفصح عن دلالات أربع مهمة لها تأثيراتها المهمة على مستقبل ديناميات التفاعل الإقليمي والسياسات الأمنية المرتبطة بالنظام الإقليمي العربي في امتداده الأفريقي.

أول دلالات الهجوم هو تزايد الإحساس بعدم الأمن وعدم الاستقرار، وهي أمور تقف في وجه الطموحات المتزايدة لقوى إقليمية صاعدة مثل كينيا وإثيوبيا وأوغندا التي تحاول جاهدة الاستفادة من تراجع دول الربيع العربي كمصر، وانقسام وانشغال السودان
أول هذه الدلالات يشير إلى تزايد الإحساس بعدم الأمن وعدم الاستقرار، وهي أمور تقف في وجه الطموحات المتزايدة لقوى إقليمية صاعدة مثل كينيا وإثيوبيا وأوغندا التي تحاول جاهدة الاستفادة من تراجع دول الربيع العربي في شمال أفريقيا وعلى رأسها مصر بالإضافة إلى انقسام السودان وانشغاله بمشكلاته التي لا تهدأ أبدا.

ويلاحظ أن طريقة الهجوم ونوعية الأسلحة المستخدمة، ثم احتجاز رهائن يعكس قدرة كبيرة على التخطيط والتنفيذ لجماعة الشباب المجاهدين، ولعل ذلك يمثل في أبسط معانيه إمكانية اختراق الأمن الوطني لدول الجوار الصومالي.

أما الدلالة الثانية فهي تشير إلى اتساع البيئة الحاضنة للعنف والتي توفر مصادر للتجنيد من قبل الجماعات الجهادية، فعلى مدى العقدين الماضيين نزح آلاف من الصوماليين من ديارهم صوب كينيا، وقد عاش هؤلاء في مخيمات للاجئين على أطراف الصحراء أو في ضاحية إيستلي التي أضحت تعرف باسم "مقديشو الصغرى" أو العاصمة الثانية للصومال.

وقد وجدت حركة الشباب ضالتها في هذه المخيمات لتجنيد مقاتليها من بين صفوف هؤلاء اللاجئين الذين فقدوا آمال في العودة إلى ديارهم.

ويبدو أن دعاوى الجهاد ضد الغرب قد وجدت آذاناً صاغية بين المجاهدين الصوماليين في الولايات المتحدة والدول الغربية، وهو ما يبرر مشاركة بعض رعايا هذه الدول في القتال إلى جانب الشباب المجاهدين.

وتطرح الدلالة الثالثة لهجوم نيروبي تحولات الخطاب الإسلامي المتشدد في شرق أفريقيا، لقد أضحت مفردات الخطاب تؤكد على البعد الديني للصراع في الصومال وعلى المواجهة بين قوى الإسلام وقوى الكفر.

ولعل إحدى التغريدات التي بثتها جماعة الشباب على الإنترنت تؤكد ما نقول، لقد أعلنت الجماعة بكل وضوح أن "المجاهدين دخلوا مجمع ويست غيت لقتال الكفار الكينيين في عقر دارهم".

وإذا صحت التقارير التي تفيد بأن المهاجمين في نيروبي كانوا يتجنبون قتل المسلمين بسؤال المتسوقين عن اسم والدة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، ومن يفشل في الإجابة يطلق عليه الرصاص فإن ذلك يعني تحولاً خطيراً في الصراع الصومالي بحيث أنه أصبح يلتحف بعباءة الدين.

وعلى الرغم من أن بعض المحللين نظر إلى إعلان الشباب المجاهدين في العام الماضي انضمامهم لتنظيم القاعدة بأنه لا يتعدى دلالته الرمزية فإن عملية نيروبي تمثل نموذجاً مثالياً لنهج القاعدة الذي طالبت به على لسان زعيمها أيمن الظواهري في 13 سبتمبر/أيلول 2013 حيث حذرت الدول الأفريقية المشاركة في التحالف الأميركي المعادي للصومال.

ولعل الدلالة الرابعة هنا تتمثل في الاختراق الإسرائيلي والغربي لنظام الأمن الأفريقي، وهو ما يخلق وضعا جيوإستراتيجيا جديدا في دول الجوار الأفريقية.

لقد تدافعت كل من إسرائيل والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وغيرها من الدول لتقديم المشورة والمساعدة للقوات الكينية في تعاملها مع مقاتلي الشباب المجاهدين وتحرير الرهائن في المجمع التجاري.

وطبقا لوزير كيني فإن وكلاء الموساد الإسرائيلي شاركوا في التحقيقات حول الهجوم، نظرا لوجود متاجر وعاملين إسرائيليين في هذا المجمع، ويبدو أن هذا الجانب في أزمة رهائن نيروبي لم ينتبه إلى أهميته أو دلالته كثير من الكتاب العرب، أو أن الموضوع لم يلتفت إليه أحد وكأنه لا يعنينا في شيء.

دروس وعبر
أحسب أن القراءة السابقة لمعنى ودلالات هجوم نيروبي وإعادة الأنظار مرة أخرى للمشهد الصومالي بتعقيداته وتشابكاته المستعصية على التسوية تهدف إلى استخلاص الدروس والعبر وإعادة التأمل في مآلات دول الربيع العربي، ويمكن في هذا السياق الإشارة إلى ثلاثة دروس كبرى:

أول هذه الدروس يتمثل في ضرورة تغليب السياسي على الأمني في التعامل مع إشكالية السلطة بين القوى السياسية المتصارعة، فاقتحام القوات الكينية للمجمع التجاري وتحرير الرهائن أمر كان في حكم المؤكد، كما أن استخدام القبضة العسكرية من جانب القوى الأفريقية لطرد الشباب المجاهدين من مقديشو وكيسمايو قد يحسم الصراع لصالح أحد الأطراف إلى حين، لكننا في الحالتين لم نشر إلى جوهر المشكلة والأسباب الحقيقية المفضية للصراع، وهي تحتاج بلا شك إلى إعلاء السياسي على الأمني.

ضرورة تغليب السياسي على الأمني في التعامل مع إشكالية السلطة بين القوى السياسية المتصارعة، فاقتحام القوات الكينية للمجمع التجاري، ومواجهة الأفارقة للشباب أمران متوقعان، لكننا في الحالتين لم نشر إلى جوهر المشكلة والأسباب الحقيقية للصراع
ثاني هذه الدروس يتمثل في ضرورة تحقيق التوافق الوطني والبعد عن أوهام الإقصاء والاجتثاث والتي تعد الطريق السريعة المفضية إلى إعادة إنتاج العنف والتطرف السياسي. فالحالة الصومالية التي اعتمدت على الحل المفروض من قوى دولية وإقليمية ضاغطة لم تستطع الانتقال نحو الديمقراطية والاستقرار.

وعوضا عن ذلك فإنها لا تزال تعاني من تداعيات التهافت الإقليمي والدولي سعياً وراء السيطرة والنفوذ، ومن جهة أخرى اتجه خطاب الجماعات الإسلامية التي تم إقصاؤها من التفاوض السياسي إلى مزيد من التشدد والعنف.

أما الدرس الثالث فإنه يشير إلى مصالح القوى الدولية والإقليمية التي لا تهتم بتطلعات وآمال الشعب الصومالي قدر اهتمامها بتحقيق مصالحها وأهدافها الإستراتيجية.

إننا أمام نموذج واضح لعمليات الفك والتركيب التي تشهدها الصياغة الجيوإستراتيجية لإقليم القرن الأفريقي وشرق أفريقيا بشكل عام.

ولا شك أن توجه بعض القوى السياسية الموالية للحكومة المصرية بعد 30 يونيو/حزيران 2013 إلى إعلاء القبضة الأمنية في التعامل مع قضايا ذات طابع سياسي واجتماعي أو التمادي في غلواء الأيديولوجيا والقول بإقصاء الإخوان المسلمين أو اجتثاث تيار الإسلام السياسي -على غرار تجربة البعث في مرحلة ما بعد صدام حسين- من أجل بناء دولة مدنية عصرية في مصر إنما هو تكرار لأخطاء فادحة حدثت في الصومال، وحدثت في مصر نفسها في ظل أول حكومة ديمقراطية منتخبة بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011.

فهل نتعلم الدرس الصومالي؟ أم نترك العنان لبعض قوى الداخل والخارج لكي تطيح بآمال الجماهير في بناء دولة العدالة والقانون التي تسع جميع مواطنيها دون تمييز أو إقصاء؟
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة