صعوبات ربيعية   
الجمعة 1433/1/7 هـ - الموافق 2/12/2011 م (آخر تحديث) الساعة 13:41 (مكة المكرمة)، 10:41 (غرينتش)
عبدالعزيز الحيص


الربيع العربي أتى مصحوبا بفرح عربي كبير، فرغم أن الثورة الشعبية تخللتها مشاهد مروعة من تقتيل ومجابهات عنف، فإن الحس العربي -في عمومه- كان فرحا بها لأنه رأى أنها اقتلعت ما في طريقة من عقبات استبداد، جثمت على أنفاسه لمدة طويلة.

لقد وصلت الأوطان العربية إلى مرحلة انسداد بلغت الذروة مع مطلع العام 2011، وبدأ الأمر بأن العرب تراجعوا وتراجعوا حتى لم يعد أمامهم من شيء سوى الصعود.

مع مطلع العام 2011 بلغ الانسداد العربي ذروته، حين تم التصويت على "تقسيم" السودان، واستمرت موجة التشاؤم من العنف والطائفية، التي تجددت مع مطلع هذا العام في مصر عبر تفجير "كنيسة القديسين" في الإسكندرية. وقبل ذلك، كانت تقارير المنظمات الحقوقية تتوالى وفي جعبتها "الأنباء المتواترة" عن تردي حالة الدولة العربية في جوانبها المختلفة.

وكان العقد الأخير عقدا مقلقا ومعطلا لأي نشاط وحراك مدني، فهو عقد ما سمي بـ"الحرب على الإرهاب"، وفيه حدثت موجات أمنية وقمعية ومتطرفة كادت تشعل حروبا أهلية في بعض مناطق الشرق الأوسط.

لا أزال أذكر مقالين كتبا أواخر العام الماضي، قبل الربيع العربي بفترة بسيطة، كانا من أعظم ما يمكن أن يعبر عن تلك الفترة. كتبهما اثنان من أهم المفكرين في عالمنا العربي على موقع "الجزيرة نت".

الأول كان مقال فهمي هويدي "تحرير بعض الذي جرى في مصر.. في نوفمبر/تشرين الثاني 2010"، ووصف فيه هويدي كيف أن مرحلة الانحدار والانسداد انتقلت إلى "منظومة القيم" في المجتمع المصري، وأصابتها بالتفلت، وهذه المنظومة من القيم هي خط الدفاع الأخير لأي مجتمع، فإن انتفت، لن يعود لدى المجتمع أي شيء سوى انتظار مزيد من الأزمات والمشاكل.

أما المقال الآخر فكان لبرهان غليون "في أسباب تفكك عالم العرب وبؤس أحوالهم.. في أكتوبر/تشرين الأول 2010"، وفيه يشرح غليون بعدا آخر في مسألة الانسداد العربي، وهي كيف أن النظام الاجتماعي الجديد في العالم العربي أصبح خاضعا مستديما في تشكله الجديد، لطبقة أصحاب المصالح المتحالفة مع السلطة. ولا أنسى أبدا طعم المرارة التي حملها المقالان، اللذان عكسا بعمق حالة التردي والانسداد التي وصل إليها عالمنا العربي.

لقد كان وضع الانسداد والمأزق الخانق الذي عاشته الدولة العربية محتما لحدوث تغير جوهري في طبيعتها. ومن حسن الحظ أن التغير الذي حدث تم في المسار الصحيح، فالربيع العربي يستحق الاحتفاء والفرح، ليس فقط لأنه أزال عقبات جاثمة، وإنما أيضا لأنه اتخذ المسار المناسب.

فمسار هذا التغير مع الربيع -حسب شعارات الثورة- كان قد تم في سبيل "دولة مدنية ديمقراطية"، تكفل المساواة والعدالة لجميع المواطنين في وطنهم. بينما الطريق الآخر المحتمل أمام هذا الانسداد كان تغير "الدولة العربية القطرية"، عبر تجزئتها وتفتيتها، في سبيل الارتداد إلى كيانات وبنى تقليدية سابقة مثل القبيلة والطائفة.

ولأن الإيمان بالربيع، يقتضي الإيمان بما سواه من الفصول، فإن الصعوبات تتعدد أمام "دولة الثورة" في مرحلة الربيع العربي. أولى هذه الصعوبات تتمثل في الاحتياجات الأساسية للفرد العربي، مثل توفير الأمن، وتحقيق الكفاية الاقتصادية. ولا توجد دلائل على أن الثورة أحدثت اختلالات اجتماعية وأمنية، كما كانت تشي بذلك انطباعات متخوفة راجت نسبيا في العالم العربي.

فلم نشاهد انقسامات وحروبا أهلية أو طائفية في البلدان العربية التي وقعت فيها ثورات. وبخصوص الأمن، يذكر مركز "غالوب أبو ظبي للبحوث" أن معدل الجريمة في مصر في شهور ما بعد الثورة، بقي مماثلا لمستواها قبل الثورة.

وفي العموم، مواجهة هذا النوع من الصعوبات الأمنية والاقتصادية، التي تعد موجودة ومستمرة منذ وقت طويل قبل الثورة، هي أوفر حظا بعد الربيع العربي، فالثورة إنما هدفت لحفظ البلاد من استغلال عصابات المال والسلطة، ولجعل القانون فوق الجميع.

"
الصعوبة الملحة والمتجددة بفعل الربيع العربي اليوم، هي صعوبة الانتقال إلى الدولة المدنية الحديثة، وإلى أوطان الشراكة الفعلية بين المواطن وحكومته
"
الصعوبة الملحة والمتجددة بفعل الربيع العربي اليوم هي صعوبة الانتقال إلى الدولة المدنية الحديثة، وإلى أوطان الشراكة الفعلية بين المواطن وحكومته، فالقدرة على احتواء ظهور الأغلبيات الصامتة وتفعيل مشاركتها هو أولى أولويات الدولة المدنية الحديثة.

على أن أهم تحدياتها يتمثل في تطبيق شعار "إرادة الشعب" الذي رفعته الثورة، خصوصا أن صوت الناس الذي سيظهر، قد يكون مكبوتا، ولديه حمولة تاريخية ذات إرث صراعي وفئوي وإيديولوجي متباين، وقد يرتد إلى مناطق صراع لا تخدم الدولة المدنية ولا مبدأ المساواة والمواطنة.

في كتابها "في الثورة"، تذكر المفكرة "حنه أرندت" أنه من حسن طالع "الثورة الأميركية" في أواخر القرن الثامن عشر أنها حدثت في بلد لديه خبرة واسعة في الحكم الذاتي (ص 225). وبالفعل، اكتمال نضوج الثورة الشعبية، وتتميم مراحلها، يعتمد بشكل كبير على نجاح المعطى المدني، ومدى نضجه وقوة فعاليته في البلد. وصعوبات أي ثورة تزداد بحجم الفقر المدني والمؤسسي الموجود في البلد.

في بلدان عربية، تكون الصعوبة مضاعفة، لأن الثورة عندما تقوم، تهدف للتحول إلى دولة مدنية والتأسيس من جديد، وليس لتطوير هيكلية مؤسسية موجودة مسبقا، لذا من الواضح أنه من حسن حظ الثورة العربية أنها حصلت في البداية في تونس ومصر.

فالبلدان من أعرق البلدان العربية في الممارسة المدنية، فمنذ ما يقارب القرن، بدأ بهما العمل الحزبي والنقابي الذي كانت له جولات حتى أمام الاستعمار، ورغم أن تلك التجربة الحزبية والنقابية كانت مقيدة، وتعرضت للحل والإيقاف أحيانا تبعا لوطأة الاستبداد، فإن الهيكل التنظيمي، والحس المدني وحس المشاركة كان لهم وجود على نطاق واسع في البلدين.

لقد كان من الملاحظ كيف أن البنية المدنية في مصر وتونس، ساهمت مباشرة في إنجاح الثورة، وإعلاء حس الوطن، وتمثل هوية وطنية منسجمة وقت اشتداد لحظة الأزمة. ولاحظنا أيضا كيف أن الدكتاتور في حالة مصر وتونس، ورغم قوة جهازه القمعي، فإنه وجد نفسه محدودا في قدرته تجاه الثورة، واضطر أن يرحل. أما في حالة البلدان الأخرى كحالة ليبيا واليمن وسوريا فهو يفيد من الركون إلى صراع البنية التقليدية في البلد، ويتصرف في الدولة كأنها لا دولة، ويقاتل حد الفناء.

وكما أنه ساهم في إنجاح الثورة، فإن البعد المدني يكون قادرا على إنجاح مرحلة ما بعد الثورة. وفي هذه المرحلة، تكون الأولوية لتقوية الآلة المدنية والدستورية. فالبلد حتى بعد الثورة سيظل يرزح تحت وطأة مشاكله، وهيمنة نخب وسلطويات سابقة (غير السلطة السياسية) تجذرت فيه عبر انسجامها مع نظامه السابق، مثل نخبة رجال المال، أو النخبة العسكرية.

"
الديكتاتور في حالة مصر وتونس، ورغم قوة جهازه القمعي، فإنه وجد نفسه محدودا في قدرته تجاه الثورة، واضطر أن يرحل
"

وهذه النخب متنوعة، لو كان الأمر بيدها لساندت النظام السابق، فهي قد أصبحت نخبا تحت ظله، لكن الأغلب أنها وجدت نفسها أمام غضب شبابي وشعبي قاهر، لذا صارعت للبقاء بعد الثورة، وتحاول التموضع في ذات المكان الذي يضمن استمرار مصالحها.

هنا تكمن أهمية العمل المدني المؤسسي، في التنقيح والتعديل والتمرحل المستمر لبلاد ما بعد الثورة، فالتخلص من هذه النخب، ومؤسساتها، والأوضاع التي أقامتها يتطلب سنوات، ولا سبيل إلى ذلك إلا بعملية مؤسسية وممنهجة تساعد دوما على العودة إلى الدستور والقانون والعمل المدني، للوقوف أمام ثغرات الاستغلال والفساد، ولترقية الوضع في البلاد خطوة بخطوة. أما أي مواجهات من نوع آخر فستخلق أزمات، وستساعد هذه النخب على إدامة أوضاعها.

وهناك أيضاً، ضرورة لوجود بنية ثقافية مساندة لهذه البنية المؤسسية والمدنية في البلد. وينبه المفكر "جورج قرم" إلى أن هنالك اليوم تحليلات ثقافية وإعلامية تقدم قراءة "خطرة"، تهدد بتحويل الثورة العربية إلى فتن دينية ومذهبية. وهذه الرؤى هي نتاج ثقافتنا الحديثة التي تأُثرت بمفاهيم استشراق غربي، أو بثقافة تشدد وغلو ديني.

فعلى سبيل المثال، يذكر قرم أن كلمة "أٌقلية" هي كلمة مستوردة من القاموس الأوروبي في القرن التاسع عشر بعد إقامة الدولة الحديثة هناك، وهي كلمة تساهم في تصنيف "عنصري" لجماعة من المواطنين على اعتبار مخالفتهم للهوية السائدة.

في المقابل، لم يكن هناك في تراثنا استخدام لهذه الكلمة، ولا وجود لهذه الثنائية العنصرية الطابع بين أغلبية وأقلية مختلفة في الدين أو اللغة أو المذهب. بل كان يوجد لدينا مفهوم "الملة" الذي يؤكد قبول التعدد في ثقافتنا وتاريخنا. لذا لا بد من جهد ثقافي كبير لتفكيك وتحليل هذه الخطابات السائدة.

"
إن أكبر ثمرة للثورة، بعد التخلص من الاستبداد، تكمن في تفعيل بنية مدنية ومؤسسية حقيقية في البلد، وفي تجذير الثقافة والممارسة المدنية المصاحبة
"
إن أكبر ثمرة للثورة، بعد التخلص من الاستبداد، تكمن في تفعيل بنية مدنية ومؤسسية حقيقية في البلد، وفي تجذير الثقافة والممارسة المدنية المصاحبة. فهما الضامن الأكيد والمستديم لتحسن وتطور الأوضاع في البلد. ومن دونها، كل العواطف ومشاعر الفرح بإزاحة الاستبداد قد لا تعني شيئا. فالمشاعر قد تتقلب، ووهج الثورة وألقها قد ينطفئ في درب من المشاكل المحتملة. لذا لا مكسب للفرد العربي من الثورة، أقل من أن يخرج بتأسيس مدني حقيقي يحفظ له دربه.

قبل أقل من قرن، تحدث الكاتب البريطاني "جورج أورويل" عبر كتابه "المجد لكتالونيا" عن معاينته الحية للثورة الإسبانية في منتصف الثلاثينات. فكتب يصف، وهو الخبير، ملامح الفرح بالثورة الاجتماعية وكيف أن برشلونة كانت تتألق تحت وهج الثورة باحتفاء أهلها بالعدالة والمساواة، وكيف أنهم أصبحوا إخوة لا يوجد بينهم من يدعونه بالسيد، واختفت الطبقات الثرية، ووزعت الأراضي على الفلاحين، والمتاجر والسيارات الخاصة أصبحت تحت سيطرة الجمعيات العمومية.

ولكن كل فرح الشعب، وكل انطباعاته الإيجابية ليست وحدها ضمانات كافية.. يصف أورويل ما حدث لاحقا: "لقد اختفى العبق الثوري، فقد انزوى زي المليشيات وعادت الملابس الأنيقة إلى الظهور مرة أخرى، ومعها الأغنياء ذوو الكروش والسيدات الأنيقات، وعاد الجيش النظامي -القائم على التفرقة بين الضباط والجنود- للظهور من جديد. وفقدت الجماهير المدنية حماسها واهتمامها بما يحدث... فقد عاد تقسيم المجتمع، لأغنياء وفقراء، لطبقة عليا وطبقة دنيا، للظهور من جديد".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة