تحسين صورتنا.. لمن وكيف؟   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ منير شفيق

ثمة حملة شعواء أخذت تشن في الإعلام العالمي المسيطر عليه صهيونيا، وعلى التحديد في الولايات المتحدة الأميركية، ضد العرب والمسلمين أنظمة ومجتمعات، وشارك في هذه الحملة عدد من قادة الإدارة الأميركية الحالية بتصريحات رسمية دعت إلى تغيير أنظمة التعليم، وإلى مراقبة الجمعيات الإسلامية الخيرية، وإلى تغيير أنظمة معينة. وعبر الرئيس الأميركي جورج بوش عن ذلك بصورة غير مباشرة، أو من خلال شعار "إيجابي"، في خطابه في 6 نوفمبر/ تشرين الثاني 2003 حول ضرورة نشر الديمقراطية في البلدان العربية والإسلامية، وعلى التحديد في الشرق الأوسط.


نُمطت صورتنا وأعيد تركيبها من أجل السيطرة علينا، ومن السذاجة التصور أن القوى الصانعة للإستراتيجيات والسياسات وإعادة تشكيل صور الشعوب الأخرى لا تعرفنا جيدا
وردا على هذه الحملة وما صحبها من تحد باستخدام القوة العسكرية -كما حدث في أفغانستان والعراق- انطلقت دعوة من قبل عدد من المثقفين والسياسيين حثت على ضرورة "تحسين صورتنا" لدى الغرب، ولدى الولايات المتحدة على الخصوص، من أجل تجنب ما يمارس من ضغوط وحملات، وما قد يتبع من تدخل عسكري.

الفكرة تنطلق من قاعدتين، الأولى تعتبر أن العيب فينا وفي ما تعكسه صورتنا لدى الغرب، والمقصود لدى الإدارة الأميركية الحالية التي تنفرد وحدها بالحملة.

والثانية أن الإسراع في تحسين صورتنا (الإصلاح الداخلي) بما يستجيب لتلافي النواقص التي تستند إليها الحملة، من شأنه أن يرفع الضغوط عنا ويمنع تعرضنا للعدوان.

هاتان القاعدتان تستغلان الحملة والتهديدات، إن حسن الظن، من أجل تحقيق إصلاح يشغلنا ونحن بحاجة إليه، وهذه فرصتنا للتغيير وتحقيق الديمقراطية.

ولكن هاتين القاعدتين لا تلحظان الأهداف السياسية والاقتصادية والثقافية وحتى الدينية، وراء تلك الحملة، وما يشار إليه من نواقص تتعلق بالتعليم والديمقراطية أو قضية المرأة أو الحريات.

فهذه الأخيرة ذرائع يتكئ عليها صقور الإدارة الأميركية من أجل تحقيق أهداف أخرى وفي مقدمتها ما يتعلق بالمشروع الصهيوني والقبول بكل الإملاءات المتعلقة به.

ومن ثم فإن ما نسعى إليه من إصلاح وتغيير، وما تطالب به النخب في الداخل من مشاركة وديمقراطية هو غير ما تستهدفه الحملة. بل إذا تحقق بقوة فقد تزداد الحملة والتهديدات وليس العكس.

ومع ذلك لا بد من مناقشة فكرة "تحسين صورتنا" لدى الغرب عموما وأميركا خصوصا، من خلال طرح أسئلة أولية. هل الصورة التي لدى هؤلاء صحيحة؟ وهل القناعة بها ناجمة عن عدم معرفة؟ ثم من المقصود بتحسين صورتنا في أعينهم؟ هل هم يمتلكون النفوذ ومقود القيادة ويوجهون السياسات ويضعون الإستراتيجية، ومعهم النخب المؤيدة لهم، أم هم الرأي العام العادي والنخب الحرة المعارضة؟

فبالنسبة للسؤالين الأولين فإن من يقرأ كتاب "الاستشراق" لإدوارد سعيد الذي غادرنا مؤخرا يلحظ أن صورتنا نمطت وأعيد تركيبها من أجل السيطرة علينا وتبريرها، ولهذا من السذاجة التصور أن القوى الصانعة للإستراتيجيات والسياسات، بما في ذلك إعادة تشكيل صور الشعوب الأخرى لا تعرفنا جيدا، ومن ثم يجب أن نحسن صورتنا بأعينها، وتعريفها بحقيقتنا.

عجبا هذا الغرب الذي عاش بين ظهرانينا مستعمرا لأكثر من 200 سنة، واحتك بنا قبل ذلك لقرون عدة، وأصدر أكثر من 60 ألف كتاب في الاستشراق، وما زال طلابنا يكتبون أطروحات الماجستير والدكتوراة بالمئات والآلاف حول مختلف شؤون مجتمعاتنا وتراثنا وتاريخنا وإسلامنا. ومن ثم هل يمكن اتهامه بأنه لا يعرفنا على حقيقتنا أو أننا يجب أن نعرفه حتى بإسلامنا؟


التصور بأن تحسين الصورة يقنع الآخر بتغيير ما يحمل من صورة بعيدا عن الإستراتيجية والسياسة إنما هو وهم من الأوهام وجهل في معرفة الحقائق الأهداف المتوخاة
هذه بساطة وتبسيطية إلى حد السذاجة في فهم القوى السياسية والثقافية والاقتصادية والعسكرية المسيطرة في الغرب، وهي سذاجة أشد في فهم الإستراتيجيات السياسية والاقتصادية والعسكرية التي توجه مراكز الإعلام والبحوث وصناعة الرأي العام في أميركا بالخصوص.

أما في موضوع إفادته عن النواقص وضرورة التخلص منها حتى لا يأخذها ذريعة، فالجواب عليه متضمن في ضرورة فهم الإستراتيجيات والسياسات التي تنبع من داخله بالدرجة الأولى، مثل الهيمنة على الأسواق والمواد الخام والسيطرة على طرق التجارة الدولية ولا تتشكل بسبب نواقص في المجتمعات العربية أو الصينية أو الهندية أو الأفريقية.

ثم هل هنالك من جهة أخرى مجتمع مثالي كله ولا عيب فيه ولا ثلمة، أم أن من سنن المجتمعات أن تحتوي على الصالح والطالح الحسن والقبيح الظالم والمظلوم الفساد والفضيلة، وإن تفاوتت النسب.

ولهذا فمن أراد لغرض في نفس يعقوب أن يضخم السلبي وينجس الإيجابي سيفعل، ويسوقهما في أعين أغلبية الرأي العام عنده، حيث يمتلك الإعلام والسيطرة على الجامعة والمدرسة وعلى النخب التي يوظفها في الترويج من خلال البحث والثقافة والأدب والفن لأهدافه الإستراتيجية.

وخلاصة القول فإن الصورة النمطية التي أشيعت في الولايات المتحدة، ومن قبل في أوروبا الاستعمارية، أسسها الاستشراق، وقد حولت الجزئي إلى عام، وأصدرت أحكاما فيها الكثير من المطلقات، والأهم ثمة إصرار عليها وإغلاق الأبواب أمام الطرف الآخر، ولا يبقى من منفذ إلا في النقاط الحرة التي لا تخضع لهيمنة القوى المسيطرة والصهيونية. وهذه مستعدة لتقبل الحقيقة إن لم تكن قد كشفتها من تلقاء نفسها. ولكن من يتحدثون عن "تحسين صورتنا" يفكرون في القوى المتنفذة التي تعرف بالضبط ما تريد.

عندما اتجهت الإستراتيجية الأوروبية إلى السيطرة على الأميركيتين منذ بدايات القرن السادس عشر كان عليها أن ترسم صورة للهندي الأحمر تسوغ قتله واجتثاثه إلى حد طرح الشكوك إن كانت عنده روح أم لا.

ولم يختلف الوضع عن الصورة التي رسمت للسود المستعبدين وما زالت آثارها باقية حتى اليوم. وينطبق هذا على الصورة التي رسمت للياباني العادي والصيني والهندي، ولعل في أفلام هوليود الكثير من الأمثلة لتنميط الصورة المقصود والمتعمد.

بل إن من يقرأ عشرات المقالات والكتب يلحظ كيف راحوا يعيدون رسم صورة الفرنسي "المدعي" و"المغرور" و"آكل الجبن العفن"، وذلك لمجرد معارضة فرنسية متواضعة في مجلس الأمن للسياسات الأميركية والبريطانية موضوع الحرب على العراق.

وثمة مثل صارخ من صنع الغرب وأميركا حول صورة اليهودي في الغيتو، وكيف نمطت في الكنيسة والأدب والشعر والفولكلور، ثم أعيد الآن تنميطها بصورة مختلفة تماما، بعد أن أصبحت الإستراتيجية تقتضي ذلك.


تضخيم السلبي وإنكار الإيجابي أو تقزيمه هما جوهر الدعاية المضادة وكل حرب نفسية، وذلك لأن المجتمع المثالي الطوباوي غير موجود في عالم البشر
واتسع نفوذ الحركة الصهيونية حتى كادت هوليود لا تخرج فيلما إلا ويتضمن مشهدا أو صورة إيجابية للإنسان اليهودي إلى حد لم يعد يسمح معه أن تذكر سلبية في فرد بعينه. وبدهي أن الصورة في الحالة الأولى لم تكن صحيحة بإطلاق، وفي الثانية ليست صحيحة بإطلاق كذلك.

وبكلمة فإن التصور بأن تحسين الصورة يقنع الآخر بتغيير ما يحمل من صورة بعيدا عن الإستراتيجية والسياسة، إنما هو وهم من الأوهام، وجهل في معرفة حقائق الأمور والدوافع والأهداف المتوخاة.

هذا طبعا لا يعني أن نغير ما بأنفسنا إلى الأحسن، ونتخلص ما أمكن من نواقصنا وسلبياتنا، وما نعاني من تشوهات وانحرافات. بل هذا ما يجب علينا فعله لأننا بحاجة إليه، ولأنه مرغوب فيه، وضروري بحد ذاته. ولكن لا ينبغي له أن يربط بالحملة والتحديات، أو يظن أنه سيحرم الآخر من أن يجد ذريعة لتعزيز ما لديه من صورة أو إعادة رسم صورة أسوأ.

فتضخيم السلبي وإنكار الإيجابي أو تقزيمه هما جوهر الدعاية المضادة وكل حرب نفسية، وذلك لأن المجتمع المثالي الطوباوي غير موجود في عالم البشر.

وقد جاء الإسلام ليجاهد الضعف الإنساني والفساد والانحراف داعيا لمعروف وناهيا عن منكر حتى داخل المجتمع الراشد، ما يؤكد أن من يريد أن يستغل عيبا أو منكرا سيجده في كل الأحوال. وهذا ما يجب أن يكون مفهوما حتى لا نقع في الأوهام فنظن أن المشكلة في صورتنا. ولكن دون أن يقود هذا إلى تسويغ سلبياتنا ونواقصنا أو التقاعس عن الإصلاح والتغيير.
__________
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة