لماذا تتجاهل إسرائيل تنازلات إيران الكبيرة في "لوزان"؟   
الثلاثاء 1436/6/18 هـ - الموافق 7/4/2015 م (آخر تحديث) الساعة 17:39 (مكة المكرمة)، 14:39 (غرينتش)
صالح النعامي


نجاح أوباما وفشل نتنياهو
عدم واقعية الخيار العسكري
التنسيق مع الكونغرس
تبعات تعاظم الدور الإيراني

لا يشي حرص إسرائيل على شيطنة اتفاق الإطار -الذي توصلت إليه إيران والدول العظمى بشأن مستقبل برنامج طهران النووي- بحجم التنازلات التي قدمتها طهران، والتي تجاوزت أكثر التوقعات الإسرائيلية تفاؤلا.

لكن الحملة الدعائية الشعواء التي يشنها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وأركان حكومته على الاتفاق تهدف بشكل أساسي إلى الضغط على الإدارة الأميركية لإجبار إيران على تقديم مزيد من التنازلات في الاتفاق النهائي، الذي يتوقع التوصل إليه في يونيو/حزيران القادم.

لقد دفعت التنازلات الإيرانية الكبيرة بعض المعلقين الصهاينة لمطالبة نتنياهو بالإقرار بدور الرئيس أوباما في الوصول لاتفاق يلبي المصالح الإستراتيجية والأمنية الإسرائيلية، كما كتب الصحفي براك رفيد في صحيفة "هآرتس" في عددها الصادر الجمعة الماضية. وحتى بعض الصحفيين الإسرائيليين الأكثر التصاقا بمؤسسة الحكم في تل أبيب أقروا بأن التنازلات الإيرانية قد نسفت توقعاتهم السوداوية بشأن الاتفاق.

نجاح أوباما وفشل نتنياهو

دفعت التنازلات الإيرانية الكبيرة بعض المعلقين الصهاينة لمطالبة نتنياهو بالإقرار بدور الرئيس أوباما في الوصول لاتفاق يلبي المصالح الإستراتيجية الإسرائيلية، وحتى بعض الصحفيين الإسرائيليين الأكثر التصاقا بمؤسسة الحكم أقروا بأن التنازلات الإيرانية قد نسفت توقعاتهم السوداوية للاتفاق
وشرعت بعض النخب الإسرائيلية في مهاجمة نتنياهو واتهامه بأنه أسهم فقط في تخريب العلاقات مع الولايات المتحدة بسبب خلافه مع أوباما بشأن التعاطي مع الملف الإيراني. فقد تبين لعدد كبير من الصحفيين والباحثين الصهاينة أن تعاطي أوباما كان أكثر جدوى وواقعية.

وقد جزم المعلق الصهيوني يوسي ميلمان بأن إدارة أوباما نجحت فيما فشلت فيه كل حكومات إسرائيل المتعاقبة التي شنت حملات سياسية وأمنية سرية فاشلة لإحباط المشروع النووي الإيراني (معاريف،4-4). وحتى وزير الحرب السابق إيهود براك -الذي تولى على مدى خمس سنوات قيادة الجهود السرية لإحباط المشروع النووي الإيراني- أقر بأنه قد تبين له أن الاتفاق "أقل سوءا بكثير مما كان يتوقع".

ففي نظر الكثير من الإسرائيليين فقد ضمن اتفاق الإطار تصفية نتاج أكثر من عقد من الجهود الإيرانية في تخصيب اليورانيوم، حيث التزمت طهران بالتخلص من عشرة أطنان من اليورانيوم، والاكتفاء فقط بـ300 كيلوغرام فقط وبنسبة تخصيب لا تتجاوز 3.5%. وقد حقق الاتفاق أحد أهم مطالب إسرائيل والمتمثلة في تحييد مفاعل "بردو" المهم وتحويله إلى مجرد منشأة بحثية، ناهيك عن توقف العمل في مفاعل "أراك" المختص بإنتاج الماء الثقيل، وهي المادة التي كان يمكن أن تعجل من إمكانية امتلاك طهران للأسلحة النووية.

وفي إسرائيل يشيرون إلى أن إيران لم توافق فقط على وقف تشغيل ثلثي ما تملك من أجهزة الطرد المركزي التي تستخدم في تخصيب اليورانيوم، بل التزمت تحديدا بتشغيل أجهزة الطرد المركزي من الجيل الأول وتخزين الأجيال الأكثر تطورا، مع العلم أن أقصى نسبة تخصيب لن تتجاوز 3.67%.

ويقر الإسرائيليون بأن نظام الرقابة والتفتيش على المنشآت النووية الإيرانية الذي نص عليه الاتفاق غير مسبوق في التاريخ الحديث ويقلص إلى حد كبير إمكانية أن تلجأ إيران إلى تضليل المجتمع الدولي.

ومن الواضح أنه عندما تتم مقارنة بنود الاتفاق والصورة القاتمة التي عبر عنها نتنياهو في خطابه الأخير في الكونغرس بشأن تصوره للاتفاق مع الإيرانيين، يتبين أن سيناريو الرعب الذي حذر منه رئيس الوزراء الإسرائيلي كان مبالغا فيه إلى حد كبير.

ولا يفوت النخب الإسرائيلية التي تحتفي بالتنازلات الإيرانية أن تشير إلى أن مطالب إسرائيل بتفكيك المنشآت النووية لم تكن -في نظر الدول العظمى التي فاوضت إيران- واقعية على الإطلاق، بل إن هذا الطلب هدد تماسك الموقف الدولي من البرنامج النووي الإيراني.

يسود تقدير إسرائيلي مفاده أن نجاح الولايات المتحدة في تأمين حاجتها من النفط -بعد نجاحها في تطوير تقنيات لاستخلاص الوقود الصخري واستغنائها المؤكد عن النفط الخليجي- يغري أوباما بالتخلي عن حلفائه العرب وبناء شراكة مع إيران والمحور الإقليمي الذي تقوده
هذا فضلا عن أنه لا خلاف بين الباحثين في إسرائيل على أن الإيرانيين باتوا يمتلكون المؤهلات العلمية والقدرات المادية والإمكانيات البشرية التي تؤهلهم لتطوير برنامجهم النووي وصولا إلى إنتاج السلاح النووي، وهذا ما عظم الحاجة إلى قمع الإرادة للقيادة السياسية عبر اتفاق دولي ملزم.

عدم واقعية الخيار العسكري
ومما أفقد الانتقادات الإسرائيلية الرسمية للاتفاق مصداقيتها حقيقة أنه بات في حكم المؤكد أن تل أبيب لا تملك خيارا عسكريا للتعاطي مع البرنامج النووي الإيراني على الرغم من تهديدات نتنياهو الصريحة باستخدام مثل هذا الخيار، حتى بدون التنسيق مع الأميركيين. فقد نسف رؤساء أركان الجيش وقادة الاستخبارات الذين عملوا تحت إمرة نتنياهو خلال السنوات الست الماضية هذه التهديدات، عندما أكدوا أن استخدام الخيار العسكري لإحباط البرنامج النووي الإيراني لم يكن واقعيا أو حكيما.

فقد حذر رئيسا أركان الجيش السابقان غابي أشكنازي وبني غانز، ورئيس الموساد السابق مئير ردغان والحالي تامير باردو من أن تنفيذ هجوم على المنشآت النووية الإيرانية لن يفشل فقط في تصفية البرنامج النووي، بل سيمنح طهران الشرعية للانطلاق لتطوير برنامجها النووي العسكري بشكل معلن، دون أن يكون من حق المجتمع الدولي التدخل لوقفها.

ويذهب أمنون أبراموفيتش، كبير المعلقين في قناة التلفزة الإسرائيلية الثانية إلى حد التذكير بأن إسرائيل أنفقت حولي 3.5 مليارات دولار على عمليات سرية نفذت من أجل إحباط النووي الإيراني دون جدوى.

التنسيق مع الكونغرس
من الواضح أن الانتقادات التي يوجهها نتنياهو للاتفاق تأتي في إطار إستراتيجية تهدف إلى إيجاد مناخ سياسي أميركي يضغط على أوباما لفرض مزيد من القيود على النووي الإيراني في الاتفاق النهائي. ويعتمد نتنياهو بشكل أساسي على قادة الأكثرية الجمهورية في الكونغرس ومجموعات الضغط اليهودية، ولا سيما منظمة "أيباك" في محاولاته إقناع أوباما بأن تفضي البنود التفصيلية في الاتفاق النهائي إلى وضع المزيد من الكوابح على عجلة البرنامج النووي الإيراني.

وقد كشفت قناة التلفزة الإسرائيلية الثانية النقاب عن أن ديوان نتنياهو نقل إلى قادة الكونغرس قائمة بالمطالب التي يرى وجوب تضمينها في الاتفاق النهائي مع إيران.

تبعات تعاظم الدور الإيراني
إن النخب الإسرائيلية التي تحتفي بالاتفاق مع إيران أو تلك التي تحذر منه تجمع على أنه سيفضي بشكل مؤكد إلى تعزيز مكانة طهران الإقليمية. ولا يفوت هذه النخب التأكيد على أن أحد أهم الحوافز التي تدفع أوباما للتوقيع على الاتفاق مع طهران هو رغبته في إرساء شراكة معها في إدارة الإقليم.

تعاظم الدور الإقليمي لإيران يثير قلق إسرائيل لأنه قد يفضي إلى تبلور محور سني قد يشكل تحديا غير مسبوق لها. فقد حذر "مركز أبحاث الأمن القومي" من أن السعودية يمكن أن ترد على تسليم أميركا بتعاظم الدور الإيراني بمحاولة بناء محور سني يضم كلا من تركيا وباكستان ومصر

ويسود تقدير إسرائيلي مفاده أن نجاح الولايات المتحدة في تأمين حاجتها من النفط -بعد نجاحها في تطوير تقنيات لاستخلاص الوقود الصخري واستغنائها المؤكد عن النفط الخليجي- يغري أوباما بالتخلي عن حلفائه العرب وبناء شراكة مع إيران والمحور الإقليمي الذي تقوده.

ويشيرون في إسرائيل إلى التعاون بين إيران والولايات المتحدة في العراق، وحديث وزير الخارجية الأميركي جون كيري عن الحاجة لاستئناف العلاقات مع نظام الأسد، ومؤشرات التعاون بين الاستخبارات الأميركية والحوثيين في اليمن، والتي أكدتها محافل أميركية.

إن تعاظم الدور الإقليمي لإيران يثير قلق إسرائيل لأنه قد يفضي إلى تبلور محور سني قد يشكل تحديا غير مسبوق للكيان الصهيوني. فقد حذر "مركز أبحاث الأمن القومي" الإسرائيلي من أن السعودية يمكن أن ترد على تسليم الولايات المتحدة بتعاظم الدور الإقليمي الإيراني بمحاولة بناء محور سني يضم كلا من تركيا وباكستان ومصر.

وفي تقدير موقف نشره في عدد 679 من مجلة "مباط عال" -التي تصدر عنه- حذر المركز من أن انضمام تركيا للمحور السني الذي تقوده السعودية يعني زيادة المجال للاحتكاك بين هذا المحور وإسرائيل. ويجزم المركز بأن ولادة هذا المحور ستؤثر سلبا على البيئة الإستراتيجية لإسرائيل، حيث يمكن أن يضفي شرعية عربية على حركة حماس ودورها، بما يقلص من قدرة إسرائيل على ضربها مستقبلا. ومن المفارقة أن المركز يؤكد أن إسرائيل تراهن على دور نظام السيسي في إفشال إمكانية بلورة هذا التحالف.

قصارى القول -وبغض النظر عن التقييم الإسرائيلي لاتفاق "لوزان"- فإن هذا الاتفاق يفترض أن يقنع العرب بالسعي لتعديل موازين القوى الإستراتيجية في الإقليم، عبر التوجه الحثيث لإنتاج سلاح نووي. وفي الوقت ذاته، وبغض النظر عن مخاوف تل أبيب، فإن هناك حاجة لبناء تحالف عربي إسلامي واسع يقلص من قدرة كل من إسرائيل وإيران على تهديد الأمن القومي العربي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة