ألمانيا والملف النووي الإيراني   
الثلاثاء 1427/4/25 هـ - الموافق 23/5/2006 م (آخر تحديث) الساعة 16:07 (مكة المكرمة)، 13:07 (غرينتش)
نبيل شبيب


- حجر الأساس لمفاعلات إيران النووية
- تصعيد مفعول "المحرقة النازية"

تحركت ألمانيا سياسيا كما لم تتحرك دوليا من قبل في قضية الملف النووي الإيراني، وباتت شريكا ثابتا للدول الخمس الدائمة العضوية في متابعة البحث عن مخرج من الأزمة الإيرانية-الغربية، التي تنتشر المخاوف من احتمال وصولها إلى مستوى مغامرة عسكرية أميركية أو إسرائيلية.

وللتحرك الألماني المكثف أسبابه البعيدة والقريبة، الكامنة في مجرى تطور العلاقات الثنائية مع إيران من جهة، ومع الولايات المتحدة من جهة أخرى، والصادرة في الوقت نفسه عن تطلع ألمانيا إلى دور دولي يقربها من هدف العضوية الدائمة في مجلس الأمن.

"
تحرك ألمانيا المكثف مع فرنسا وبريطانيا في عهد المستشار السابق غيرهارد شرودر، جاء للحيلولة دون تحول الأزمة السياسية الإيرانية الأميركية إلى مواجهة عسكرية بعدما أصبح مجرى حربي أفغانستان والعراق مصدر قلق للساسة الغربيين ولاسيما الأوروبيين
"
حجر الأساس لمفاعلات إيران النووية

ألمانيا التي تتحرك الآن بهدف وقف إنتاج اليورانيوم المخصب لأغراض سلمية كما تقول إيران، للحيلولة دون احتمال صناعة السلاح النووي كما تقول الدول الغربية، هي ألمانيا التي وضعت حجر الأساس في الملف النووي الإيراني عام 1974 عندما عقدت شركة "اتحاد مصانع الطاقة" المتفرعة عن شركات زيمنس، اتفاقية مع إيران الشاه آنذاك لبناء أول مفاعل نووي إيراني في بوشير. ولم تنقطع عمليات البناء إلا بانسحاب ألمانيا من الاتفاق بعد الثورة الإيرانية عام 1979.

وكان التمهيد لهذه المسيرة النووية الإيرانية من جانب الولايات المتحدة، إذ هي التي سبقت سواها في عهد الشاه إلى التعاون النووي مع إيران منذ عام 1959، بتوريدها أول منشأة علمية لبحوث التقنية النووية، وإسهامها عام 1967 في قيام أول مركز للبحوث النووية في طهران مع منظمة الطاقة النووية الإيرانية.

وكما كان لواشنطن دور كبير في دعم إيران الشاه آنذاك فيما عرف بدور شرطي الخليج، كان لألمانيا أيضا دور كبير في دعمه سياسيا وعسكريا.

فكان التعاون النووي ذروة ما سبقه من تطوير العلاقات الثنائية رغم حملة المنظمات المدنية الغربية ضد استبداد الشاه الإيراني في تلك الفترة، حتى أن مظاهرات الطلبة في برلين ضد زيارة الشاه لها كانت -بعد مقتل أحد المتظاهرين برصاص الشرطة- الشرارة الأولى لاندلاع ما عُرف بثورة الطلبة عام 1968، ما أسفر عن نتائج لا تزال آثارها مستمرة في الدول الغربية إلى اليوم.

ولم يستمر تجميد التعاون الإيراني-الألماني بعد الثورة الإيرانية إلا لعقد واحد، فتجدد تطوير العلاقات الاقتصادية والثقافية ثم السياسية بشكل ملحوظ، ووسط خلاف علني مع الولايات المتحدة.

ورغم نكسة ما عُرف بقضية ميكونوس عام 1997 فإن تطوير العلاقات الثنائية استؤنف عام 2000 وانعكس في تبادل الزيارات على أعلى المستويات، ولم يتأثر ذلك ببروز الملف النووي الإيراني في السنوات التالية.

فأثناء المفاوضات والمواجهات الإيرانية-الغربية بمشاركة ألمانيا، كان حجم الصادرات الألمانية إلى إيران يرتفع ارتفاعا مستمرا بنسبة 16% عام 2002 و20% عام 2003 و33% عام 2004، وزهاء 30% عام 2005 الذي سجل تجاوز حجم هذه الصادرات حدود أربعة مليارات يورو، تساهم إسهاما كبيرا في حجم الفائض التجاري الألماني بالغ الأهمية في الوضع الاقتصادي عموما، إذ بقيت الصادرات الإيرانية إلى ألمانيا عام 2005 في حدود 450 مليون يورو.

هل تخاطر ألمانيا عبر دورها في الملف النووي بعلاقاتها الاقتصادية مع إيران التي كانت موضع نقد روابط حقوق الإنسان في حملاتها الدائمة ضد النظام الإيراني من قبل الثورة الإيرانية ومن بعدها؟

لقد بدا للوهلة الأولى أن تحرك ألمانيا المكثف مع فرنسا وبريطانيا في عهد المستشار السابق غيرهارد شرودر جاء للحيلولة دون تحول الأزمة السياسية الإيرانية-الأميركية إلى مواجهة عسكرية، بعدما أصبح مجرى حربي احتلال أفغانستان والعراق مصدر قلق للساسة الغربيين ولاسيما الأوروبيين.

ولكن بدأ التشكيك يظهر في هذا المنطلق "السلمي" بعد تبدل الحكومة الألمانية واستلام أنجيلا ميركل منصب المستشارة على رأس حكومة ائتلافية تضم اتحاد الحزبين المسيحيين بزعامتها، وحزب الديمقراطيين الاشتراكيين مع تبدل زعامته وضعف تأثير شرودر عليه.

"
أحد العناصر الحاسمة في تحول الدور الألماني في معالجة الملف النووي الإيراني يكمن في تصريحات الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد حول حتمية زوال الكيان الصهيوني الإسرائيلي وعدم صحة روايات المحرقة النازية
"
التحرك الدبلوماسي المكثف لاستباق "حرب استباقية" أميركية، أصبح في عهد ميركل التي كانت من أبرز معارضي شرودر في رفضه المطلق للمشاركة الألمانية في حرب احتلال العراق، أقرب إلى تحرك دبلوماسي بالتنسيق مع واشنطن في اتجاه لا يستثني الاحتمال العسكري في المستقبل، وإن كانت التصريحات الرسمية تتجنب الحديث عنه وتؤكد الحرص على حل سلمي.

وقد ساهم في هذا التحول عدد من المستجدات، إذ بالإضافة إلى إزالة التوتر في العلاقات الألمانية-الأميركية، وازدياد المخاوف الأوروبية من أن يتخذ مجرى الأحداث في قضية فلسطين والمنطقة من حولها بعد فوز حماس اتجاها يناقض السياسات الغربية، كان من تلك المستجدات الكثير على الجانب الإيراني. وهذا بدأ بخسارة ما عُرف بجناح الإصلاحيين بزعامة خاتمي للانتخابات، ووصول المحافظين إلى منصب الرئاسة والغالبية النيابية، وتلا ذلك ازدياد صلابة -أو تصلب- الموقف الإيراني في الملف النووي، بدءا باستئناف تخصيب اليورانيوم في أصفهان في أغسطس/آب 2005، وصولا إلى الإعلان عن النجاح في عمليات التخصيب بنسبة 3.5% الصالحة لأغراض سلمية، والبعيدة عن الأغراض العسكرية التي تتطلب نسبة تخصيب تزيد على 90%.

على أن أحد العناصر الحاسمة في تحول دوافع الدور الألماني في معالجة الملف النووي الإيراني يكمن في التعامل الألماني مع التصريحات العديدة الصادرة عن الرئيس الإيراني الجديد محمود أحمدي نجاد، بصدد "حتمية زوال الكيان الصهيوني الإسرائيلي" و"عدم صحة روايات المحرقة النازية".

وإن كان هذا لا يغيِّب عن الأذهان أن ألمانيا نفسها التي تنطلق من موقف ثابت جامع للدول الغربية بشأن الحيلولة دون انتشار التسلح النووي لاسيما في الدول الإسلامية، لم تساهم في البرنامج النووي الإيراني في عهد الشاه فحسب، بل ساهمت أيضا في دعم التسلح الإسرائيلي إلى حد كبير، دون أن يقتصر ذلك على الأسلحة التقليدية كما هو معروف من صفقة الغواصات الألمانية وتجهيزاتها التي تجعلها صالحة لاستخدام أسلحة نووية.

تصعيد مفعول "المحرقة النازية"
أول معالم التصعيد في الموقف الألماني تجاه إيران كان في منتدى ميونخ للشؤون الأمنية، بحضور نائب وزير الخارجية الإيراني الذي حمل المسؤولية عن الملف النووي علي لاريجاني.

فقد كانت الكلمة الأولى للمستشارة الألمانية الجديدة أمام هذا المنتدى السنوي حافلة بالهجوم الشديد على إيران، والدفاع المطلق عن "حق إسرائيل في الوجود والبقاء"، واستحالة ظهور أدنى درجة من التسامح في ألمانيا تجاه تلك التصريحات.

وهذا هو الموقف الذي كررته أنجيلا ميركل مرارا في زيارتيها للولايات المتحدة وعلى مسمع المسؤولين الإسرائيليين في أول زيارة قامت بها بعد فترة وجيزة من استلامها المنصب.

وقد نالت تلك الزيارة تقديرا إسرائيليا كبيرا بعد الاستياء من امتناع سلفها شرودر عن مثل تلك الزيارة لسنوات عديدة، رغم أن وزيري خارجيته يوشكا فيشر وداخليته أوتو شيلي كانا مرتكزين رئيسيين لدعم السياسات الإسرائيلية والعلاقات الإسرائيلية-الألمانية.

على ضوء هذه التطورات لم يعد دور ألمانيا دور وسيط في مفاوضات عسيرة بقدر ما أصبح دور طرف غربي في مواجهة إيران، وله أثر كبير في المحاولات الدائبة لدفع دول أخرى لتبني الموقف الغربي، لاسيما من خلال العلاقات الألمانية الوثيقة نسبيا مع الاتحاد الروسي والصين الشعبية.

وفي هذا الإطار أيضا تندرج جولة وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير على بعض دول الخليج العربية في النصف الثاني من مايو/أيار 2006، قبيل تقديم العرض الأوروبي الجديد على إيران -المرفوض سلفا من الجانب الإيراني- كما هو معروف.

"
لم يعد دور ألمانيا دور وسيط في مفاوضات عسيرة بقدر ما أصبح دور طرف غربي في مواجهة إيران له أثر كبير في دفع دول أخرى لتبني الموقف الغربي، لاسيما من خلال العلاقات الألمانية الوثيقة نسبيا مع الاتحاد الروسي والصين الشعبية
"
احتمال استخدام القوة العسكرية مستبعد في الوقت الحاضر، سواء كان ذلك بسبب المأزق الأميركي في العراق ودور إيران هناك أو بسبب استحالة خوض حرب احتلال مشابهة، وكذلك صعوبة توجيه ضربة عسكرية مكثفة دون أن تترتب عليها ردود فعل لا تقف بعواقبها عند الحدود الإقليمية.

رغم ذلك يوجد في ألمانيا مَن لم يعد يستبعد احتمال الخيار العسكري ولو بعد سنوات، ومَن لا يستبعد بالتالي أن تجد ألمانيا آنذاك ظروفا جديدة تختلف عن الظروف التي جعلت شرودر يرفض المشاركة في حرب احتلال العراق ويسعى لقيام محور فرنسي ألماني روسي يحد من انفراد واشنطن بصناعة القرار على المسرح الدولي.

ومع رصد ما بلغته المشاركة العسكرية الألمانية دوليا من خلال انتشار القوات العسكرية في أفغانستان والبحر العربي وأفريقيا والبلقان، لا يُنتظر نتيجة الصعوبات المالية والعسكرية الذاتية أن يكون لألمانيا دور عسكري مباشر.

ولكن إذا وصل تصعيد المواجهة مع إيران إلى مستوى تحرك عسكري أميركي منفرد أو بمشاركة إسرائيلية، فمن المستبعد أن تتخذ ألمانيا آنذاك -وفق معطيات سياستها الراهنة- موقف الرفض والمعارضة.

والأرجح أن تساهم ألمانيا ماليا أو بالدعم غير المباشر لعملية عسكرية ما تأكيدا لتنامي دورها الدولي من جهة، وتأكيدا من جهة أخرى لما تكرر ذكره في الوقت الحاضر بصدد "الواجب الأخلاقي التاريخي لحماية إسرائيل من خطر نووي إيراني".

ولا تزال أصوات النقد أو الرفض الداخلي في ألمانيا على هذا الصعيد خافتة ضعيفة الانتشار، ليس بسبب الائتلاف القائم بين الحزبين الكبيرين فقط، بل لعدم انتشار المخاوف على صعيد الرأي العام أيضا، لعدم توقع مغامرة عسكرية أميركية جديدة في الوقت الحاضر على الأقل.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة