هل الإصلاح ممكن في البلاد العربية؟   
الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ برهان غليون

عدت لتوي من زيارة البلاد العربية مثقلا باليأس والانكسار. فمن الواضح أن الإصلاح الذي نتحدث عنه منذ سنوات طويلة لم يحصل ولن يحصل، وأن الأمل بدأ يتآكل كما لم يحدث من قبل في أي مكان لدى الجمهور العريض الذي بدأ يفقد الشعور بأي انتماء وطني أو إنساني، وأن السياسة كما تتجلى في نظم العرب القائمة تبدو كالعارضة على القبر التي تدين الميت بالموت الأبدي ولا تترك له مجالا للأمل أو الانبعاث.

هل هي القيادات الضعيفة؟ هل هي البيرقراطية العقيمة والمعقمة للعقل والذكاء؟ هل هو الحرس القديم الذي يبسط نفوذه في كل الميادين ولا يسمح للجديد بالولادة والنماء؟ هل هو الجهل بمصائر الشعوب أم هو الأنانية والشره والاستهتار؟

يتبارى أنصار الحكومات العربية بالتذكير بعدد المراسيم والقوانين والإجراءات التي اتخذت من قبل الطواقم القائمة لإنعاش الاقتصاد وجذب الاستثمارات ومحاربة الفساد والإهمال. وعلى هذه الحجج ترد المعارضات بحجج أقوى، فتذكر أن القوانين والمراسيم والإجراءات لا تجد طريقها إلى التنفيذ، وعندما تنفذ لا تغير من الوضع شيئا.

فالاقتصادات لا تزال فقيرة ومتهالكة ولا تكاد الاستثمارات المنتظرة والمتحققة تعادل شيئا بالمقارنة مع الرساميل الهاربة والمهاجرة. أما الفساد فكأنه يتغذى هو نفسه من لهيب معارك محاربته، وينمو عليها فلا يبقي أثرا لأخلاقيات مدنية أو سياسية.


أول مبادئ الإصلاح هو إحلال معيار الكفاءة محل معيار الولاء، سواء أكان ولاء القرابة العائلية والعشائرية أو الزبائنية والمحسوبية أو ولاء شبكات المصالح الخاصة المتغلغلة في الدولة
لكن يزداد الاعتقاد لدي كما هو الحال لدى غالبية الجمهور العربي المكوي بنار التدهور المستمر في شروط المعيشة وممارسة الحقوق والحريات التي تشكل علامة الاندماج في العصر الحديث والحضارة، بأنه حتى لو نجحت الحكومات في تنفيذ جميع القوانين والقرارات التي تصوت عليها أو تتخذها, وحتى لو شملت هذه القوانين والقرارات جميع ميادين النشاط الوطني، فلن تعطي نتيجة تذكر. وحتى لو كانت هذه القوانين والقرارات في الاتجاه الصحيح -وهو ليس من الأمور المعطاة، ذلك أن الحكومات قد تخطئ ومن حقها أن تخطئ- فإن الإصلاح سيظل بعيدا عنا.

تسيير الشؤون العامة يحتاج إلى صوغ قوانين واتخاذ قرارات، كما يحتاج إلى تطوير وتحديث الوسائل والأساليب المتبعة في الإدارة والتسيير الاقتصادي معا. لكنه يحتاج قبل هذا وذاك إلى نخب جديدة تدرك حاجات الشعوب وتتواصل معها وتحترمها وتتأثر بما تعاني منه، وتعرف أن المسؤولية والقيادة السياسية تعني المسؤولية والالتزام بالعمل على تحسين شروط حياة المجتمعات وضمان مستقبلها، لا استغلال المنصب السياسي لخدمة مصالحها الخاصة وضمان مستقبل أبنائها والمقربين منها.

ومن هنا وفي ما وراء كل المشاريع وبصرف النظر عنها، يتجلى الإصلاح في نظري في ثلاثة مبادئ رئيسية هي التي تشكل مصدر القوة التي يبثها في الشعوب والمجتمعات. وهي مبادئ لا تتعلق بشكل خاص بالاقتصاد أو بالسياسة ولا تتماهى مع تحديث الإدارة أو إحياء المجتمع المدني، ولكنها تتعلق بروح النظام العام وأسلوب عمله التي تنتشر أو ينبغي أن تنتشر في جميع المواقع والميادين، قبل أن تتحكم بكل نشاط اجتماعي وتحدد السلوك العام لجميع الأفراد في الاقتصاد والسياسة والمجتمع والمؤسسات على حد سواء.

فإذا ما انتشرت مبادئ الإصلاح في هذا النظام العام لا يهم بعد ذلك أكان الإصلاح الاقتصادي هو الأسبق أو الإصلاح السياسي، ولا إن شمل الإصلاح السياسي -وما يعنيه من تكريس التعددية والمشاركة الفعلية في القرارات السياسية- جميع الأفراد دفعة واحدة أم كان تدريجيا وبطيئا.

أول هذه المبادئ التي تخلق الحركة الإصلاحية الدافعة هو إحلال معيار الكفاءة محل معيار الولاء، سواء أكان ولاء القرابة العائلية والعشائرية أو الزبائنية والمحسوبية أو ولاء شبكات المصالح الخاصة المتغلغلة في الدولة أو ولاء الانتماءات الحزبية الضيقة والحاكمة.

وقاعدة الولاء هي السائدة اليوم في مجتمعاتنا العربية جميعا في ميادين النشاط العام بأجمعه, الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والإداري وفي المؤسسات والجمعيات السياسية والمدنية والأهلية. فما دام الموالي هو المطلوب والمنشود فالكفاءة محاربة وهاربة لا محالة ولا شيء يمكن أن يتجدد فعليا في أي نظام أو نشاط.

وسيظل النظام يشكو انعدام الكفاءات والأطر والاختصاصات، فهو بتسويده منطق الولاء لا يدفع إلى هرب الأطر الصالحة فحسب، ولكنه يعيد إنتاج وتكوين الأطر السيئة وبصورة سيئة أيضا وعلى نطاق واسع، وهي الأطر التي تستبدل العمل والجهد الجدي بالتزلف والتملق والممالأة والالتحاق. ففي هذا التزلف وتلك الممالأة وذاك الالتحاق يكمن مصدر صعودها وازدهارها، وهو الذي يعطي لها مكانتها وقيمتها.

وفي جميع البلاد العربية التي زرت لم تتخذ السلطة -ولا تريد أن تتخذ- أي مبادرات أو تقوم بأي جهود لتغيير الاتجاه وزيادة دور الكفاءة والمهارة والموهبة في ملء مناصب المسؤولية السياسية والإدارية. وإذا فعلت ذلك فبالقطارة وعلى سبيل ذر الرماد في العيون والدعاية.

ولذلك ورغم كل ما حصل حتى الآن ومن جميع الضغوط والتحديات، لا تزال العملة الفاسدة في الدولة والمجتمع على حد سواء تطرد في البلاد العربية العملة السليمة، ولا يزال قانون الولاء والموالاة هو السائد عربيا رغم الخطابات المتكررة عن فتح المجال أمام أصحاب المواهب والكفاءات وعدم قصر مناصب المسؤولية على أنصار النظام وأشياعه وتابعيه.

بل إن الملاحظة والتقصي يفيدان بأن المناصب الجديدة أو تلك التي تشغر بسبب الوفاة أو التقاعد أو الإقالة لا تكاد تعلن حتى يتم احتلالها من قبل موالي النظام أو أتباعه وأتباع أتباعه المقربين. فبدل أن تتراجع الظاهرة تتفاقم يوما عن يوم ويتزايد تكالب أنصار النظام على المناصب بصرف النظر عن أي معيار آخر غير التبعية والمحسوبية. ليس لهذا التوجه بالضرورة علاقة مباشرة بنوايا كبار المسؤولين في الدولة، لكنه متعلق بسلوك كل بيرقراطي حزبي يحتل منصبا متوسطا أو عاليا.


ليس هناك إصلاح ممكن في أي مجال مع استمرار الضبط الأمني اللاقانوني واللاسياسي للمجتمع، فهو لا يقطع الطريق على كل مبادرة مستقلة عند الأفراد وإنما يقتل أي إرادة أو حتى رغبة في التقدم أو العمل
فما يهمه هو تأمين قواعده أمام احتمال ازدياد مراقبة السلطة العليا لنشاطه، لذلك فهو يسد الثغرات الممكنة بتعيين الموالين والمقربين، والنتيجة أنه لا يؤدي الإعلان عن التغيير والإصلاح ومكافحة المحسوبية إلى التخفيف من آفة سيطرة الحزب الحاكم وأنصاره و"أزلام" النظام على المراكز والمناصب، وإنما إلى استشراء إرادة التضامن والتعاون والتكاتف بين جميع المستفيدين من قانون الولاء ومنطقه حتى تحولت المحسوبية إلى عملية استعمار زاحف للدولة وجميع الأنشطة الوطنية.

والمبدأ الثاني للإصلاح هو إحلال سلطة القانون محل سلطة أجهزة الأمن في تنظيم الحقل العمومي والحياة السياسية والمدنية. ومن الواضح لكل مراقب خارجي أن ضبط الفضاءات العامة والتحكم بالسكان يتنازعه في البلاد العربية اتجاهان رئيسيان: تطبيق قانون استثنائي أو ما يشبهه مع تعديلات تتيح كل أشكال التدخل المباشر وغير المباشر في حياة الناس وتضييق نطاق حرياتهم من جهة، وحرية التدخل المطلق وغير الخاضع لأي مراقبة أو محاسبة لأجهزة الأمن في حياة السكان -بصرف النظر عن أي قانون- حتى الجائر منه، من جهة ثانية.

فنظام الضبط العام يتردد بين نموذج معتدل يقوم على استخدام وسائل الدكتاتورية واحتكار السياسة والتعبير، وبين نموذج أقسى قائم على استباحة الفضاء العام من قبل قوات أمن تحولت إلى مليشيات تتصرف من دون قانون أو مرجعية أخرى غير إرادة المعلم ورغبته التي تتحول إلى قانون فوق القانون وقبله.

وهذا هو المضمون الحقيقي والعميق لما يطلقون عليه اليوم اسم الخطوط الحمراء التي يحددها المسؤول لعمل الناشطين الاجتماعيين من خارج القانون والتي تتحول هي نفسها إلى قانون يحكم القانون. ولا يعني الضبط الأمني للمجتمع شيئا آخر سوى التشريع لأجهزة الأمن لاستدعاء أي شخص في أي وقت ولأي سبب من دون تهمة أو مذكرة قضائية لتخويفه أو تهديده أو سجنه أو إخفائه من دون أن يكون في مقدرة الشخص وأي شخص أن يتردد أو يتلكأ أو يتأخر أو يرفض أو يعترض على ذلك.

إطلاق يد الأمن بحرية لإحضار الناس وتأديبهم أو تأنيبهم هو الوسيلة الرئيسية للإذلال والترهيب والتقزيم الذي يخلق شروط الإذعان، بل لا يترك للفرد خيارا آخر سوى الانسحاق والاستسلام أو التمرد والعصيان.

ليس هناك إصلاح ممكن في أي مجال مع استمرار الضبط الأمني اللاقانوني واللاسياسي للمجتمع، فهو لا يقطع الطريق على كل مبادرة مستقلة عند الأفراد وإنما يقتل أي إرادة فيهم أو حتى رغبة في التقدم أو العمل أو الإنجاز، ولا يقوم إلا على التحييد والشل والإسكات.

إن ما يرمي إليه الضبط الأمني للمجتمع هو إخماد روح النشاط كله عند الفرد لإخماد روحه السياسية وضميره الحر وشعوره بالكرامة، أي كل ما يجعل منه إنسانا مبادرا وفاعلا ومتطلعا للتراكم والإبداع، أي في الواقع قتل المجتمعات في سبيل ضمان الاستقرار والاستمرار للنظام.

وكل ما يتجاوز بشكل أو بآخر إرادة الحاكم أو كل ما يبدو أنه مخالفة للطاعة يترجم في منطق الأمن على أنه تهديد قائم ومؤكد للنظام، ويستحق رد فعل شاملا وحاسما يتجاوز دائما أصحابه المباشرين ليشمل دائرة واسعة من الأقارب أو الأصدقاء أو حتى الجيران.

والحال أنه بقدر ما يشكل الولاء الوسيلة الوحيدة لبناء قاعدة زبائنية عشائرية أو بيرقراطية لنظام يفتقر إلى طبقة اجتماعية منتجة فعلية -أي ذات مشروع اجتماعي وعمومي- يشكل الأمن بمنطق الضبط الميكانيكي الذي يمثله اللحمة الحقيقية للزبائنية المكونة من شرائح مشتتة ومتنافرة والروح الموحدة الخاصة لهذا النمط الاجتماعي السياسي الذي لا روح له.

ومن دون أجهزة الأمن الموحدة والمنظمة والشالة لأي إرادة وطنية أو عمومية أو اجتماعية، يظهر النظام على حقيقته كلفيف من أصحاب المصالح المتعادية والمتصارعة والمتنازعة كالذئاب على فريسة مشتركة واحدة. الأمن هو الحزب الحقيقي الواحد والدائم للنظم العربية لا ما تعلنه الدساتير أو القوائم الانتخابية من أسماء. وسيطرة الأمن التي تعني تفريغ المجتمع من أي إرادة وأي تنظيم مستقل وشله عن أي عمل ومنعه من أي حركة خاصة، هو اليوم العصب الحقيقي للدولة المفرغة من إرادة مجتمعاتها ومصدر استمرارها واستقرارها الوحيد.

المبدأ الثالث هو مبدأ المسؤولية الذي يعني الإحساس بالواجب والعمل بما يقتضيه هذا الواجب في ما يتعلق بالشؤون العمومية ومناصب المسؤولية. وربما كان المبدأ السائد اليوم عند المسؤولين العرب هو النقيض له تماما، أعني مبدأ التمتع واستباحة الموارد العمومية كما لو كانت ملكية شخصية.


عندما تعني السلطة اللامسؤولية والتحلل من الالتزامات السياسية والأخلاقية يصبح الخروج منها أو الافتقار إليها رديفا للانحدار في سلم الإنسانية وبالتالي للخضوع والتجريد من الحقوق الأساسية
فلا يرتبط المنصب هنا بواجبات ولكن بتأمين فوائد ومنافع وامتيازات وحقوق. وليس للسلطة علاقة بالمسؤولية، بل إن العكس هو الصحيح. فالسلطة تعني التسيّد، ولا يشعر صاحبها بالتسيد إلا إذا وضع نفسه فوق القانون وجعل من موقعه ومنصبه درعا يقيه أي شكل من أشكال المحاسبة والمساءلة والالتزام. فالفوقية والارتفاع فوق القانون الذي يساوي بين الأفراد هو أساس التميز ومصدر الشعور بالأسبقية والامتياز، أي بالسلطة والسلطان.

والسلطان بالمعنى الشائع هو الذي يعيش في أقصى حالات الحرية والبذخ مع أدنى ما يمكن من الالتزامات والواجبات، بل إن مفهومه يتناقض مع الواجبات التي لا تقع إلا على الفقراء والمحكومين والمستضعفين. وعندما تعني السلطة اللامسؤولية والتحلل من الالتزامات السياسية والأخلاقية، يصبح الخروج منها أو الافتقار إليها رديفا للانحدار في سلم الإنسانية، وبالتالي للخضوع والتجريد من الحقوق الأساسية.

وبقدر ما يدفع هذا الوضع إلى تشبث المسؤولين جميعا وعلى كافة المستويات بمناصبهم وعمل المستحيل للبقاء فيها واستثمارها بصرف النظر عن مصلحة النظام ككل، يدفعهم أيضا -ما استمروا يتمتعون بفضائلها وامتيازاتها- إلى فرض الإذعان والانصياع على من هو تحت مسؤوليتهم وتكبيله برداء الذل والمهانة والسخرة اليومية.

والنتيجة هي ما نعرفه اليوم من انهيار أسس الحياة العمومية السياسية والمدنية واحتلال التنازع والتناحر والتنافس على السلطة محل العمل والاجتهاد المادي والفكري لإنتاج الثروة ومراكمة الإبداعات والابتكارات الحضارية. ويكون التأخر والتقهقر في شروط حياة المجتمعات موازيا ومواكبا لنشوء طبقة أرستقراطية تفرض نفسها بالقوة وتعيش على ريع المكانة والمنصب والأسبقية الاجتماعية.
_____________________________________
أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة السوربون بباريس

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة